همسة إدارية .. ...... أخي الزائر الف مرحباً بك ،الآن بإمكانك مشاركتنا الرأي وإبداء رأيك والمشاركة على كل المواضيع في الملتقى بدون الحاجة للتسجيل وإذا أردت التسجيل إنظر لمتلقى الوزار في الأسفل وشكراً لكم .. شاكرين حسن تعاونكم ... .......
« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: المنتصر على الطفولة (آخر رد :أبو صالح)       :: قبور الشهداء (آخر رد :جميل السلحوت)       :: العين بصيرة واليد قصيرة (آخر رد :جميل السلحوت)       :: الديمقراطي واسلوب المحارق لفرض الهيبة نتنياهو (آخر رد :أبو صالح)       :: بدون مؤاخذة- محرقة الشجاعية لا غرابة فيها (آخر رد :أبو صالح)       :: خلونا نلعب (آخر رد :جميل السلحوت)       :: بدون مؤاخذة-داعش ومسيحيو العراق (آخر رد :أبو صالح)       :: أبوّة (آخر رد :جميل السلحوت)       :: الجيش منشغل بالعدوان على القطاع والمستوطنون ي (آخر رد :جميل السلحوت)       :: بدون مؤاخذة-عشّاق الدّم (آخر رد :أبو صالح)      


 

العودة   ملتقى أدباء ومشاهير العرب > المنتديات الخاصة > ملتقى الركن الخاص
 

 

 


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-04-2009, 03:51 PM   رقم المشاركة : [31]
زياد جيوسي
كاتب وشاعر: فلسطين
 

 
بيانات العضو




 


زياد جيوسي is on a distinguished road


صباحكم أجمل/ بهية يا مصر - يوميات من القاهرة 4




ابو الهول حارس التاريخ والأهرامات
بعدسة: زياد جيوسي



صباحكم أجمل/ بهية يا مصر
يوميات من القاهرة 4
بقلم: زياد جيوسي


أغادر عمّان الهوى ، أشعر أني أترك روحي فيها، متجهاً إلى رام الله صبيحة الأحد الماضي لاسترداد الروح هناك، بعد أن اختتمت وجودي في عمّان مساء الخميس مع زوجتي بحضور فيلم "عودة الحكي" للمخرج الشاب أصيل منصور في قاعة المركز الثقافي الملكي، ولقاء العديد من المخرجين الشباب وفي مقدمتهم هناء الرملي، والتقي بالمصادفة الجميلة الصديقة أمل التي لم التقيها منذ ثمانية عشر عاماً، وأحظى بالحصول على عدد من النسخ لأفلام سمعت بها ولم يتاح لي أن أحضرها، للمخرج الشاب أصيل منصور وفيلم الأيقونة للمخرجة هناء الرملي، مما سيتيح لي الفرصة للاطلاع على هذه التجارب والكتابة عنها، لنواصل الحديث بعد الفيلم بجلسة في مقهى جميل في شارع المدينة المنورة، جلسة غمرتني بالفرح والجمال. وفي مساء السبت كنت التقي في قاعة المدينة في قلب عمان إبداع على شكل لوحات مطرزة بالتطريز الفلسطيني الأصيل تحكي حكاية فلسطين منذ الأزل، صاغتها روح وأصابع الفنانة الصديقة زهيرة زقطان تحت اسم "كنعانيات" برفقة زوجتي والصديقة الرائعة أسمهان والشاعر الجميل زهير زقطان، لنكمل جلستنا في مقهى لطيف في جبل عمان، وبعدها أغادر وزوجتي لارتباط بدعوة عشاء في مطعم جميل ومتميز في أم أذينة، لنعود للبيت وأبدأ بتجهيز نفسي للسفر ومعانقة رام الله من جديد.
مصر.. ليس من السهل لإنسان أن يزور أرض مصر ولا يسحر بجمالها وبهائها، وليس من السهل أن لا تحيط القاهرة بكل جوانحها ودروبها وسحرها روح كل زائر، بحيث يصبح لديه حالة وجدانية من العشق أن يبقى فيها ولا يغادرها أبداً، كانت هذه مشاعري وأنا أتوجه لزيارة الأهرامات صبيحة الجمعة العشرون من آذار/ مارس، فالأهرام من أكثر ما عرفنا عن مصر وأرض الكنانة من خلال الدراسة والصور، وما زلت أحتفظ بالعديد من المقالات عن أسرار الأهرام قرأتها عبر سنوات من الزمن، فلذا كانت زيارة الأهرام مسألة أساسية لا يمكن أن أفوتها أبداً، وحين أخبرني صديقي الرائع خالد عن نيته بالسفر انتابني شعور بالوحدة وأني إن زرت الأهرام قد أكون وحيداً، ولكنه أعلمني باليوم الثاني أنه قرر تأجيل الرحيل كي يرافقني للأهرامات ثم يسافر، فسعدت لذلك أيما سعادة، فكان صباح الجمعة موعدنا فأفطرنا إفطاراً شهياً أعدته طيبة الروح والقلب توأمه ياسمين، لنمتطي السيارة متجهين للهرم، مبكرين كي نكتسب بعضا من الهدوء في التجوال وقبل أن تسيطر على الجو حرارة الشمس.
حين رأيت الهرم الأكبر من بعيد شعرت بإحساس غامض، فها أنا التقي أحد أعظم الحضارات في تاريخنا وتاريخ مصر، حضارة حيرت عقول العلماء وما زالت أسرارها لم تكشف بالكامل، فسادني صمت كبير ودهشة، وحين همست لي ياسمين: ما رأيك وانطباعك الأولي، قلت لها: يقفز لذاكرتي عبارة لأم كلثوم في أحد أغانيها تقول فيها: "وحديث في الحب إن لم نقله أوشك الصمت حولنا أن يقوله"، فالكلام يصمت أمام هذا الإبداع والحضارة العظيمة، هذا ماضي أمة أبدعت وتسامت، فلماذا لا يواصل الأحفاد المسيرة ويبنوا على أسس ما سبق ليبدعوا حضارة أخرى معاصرة مميزة.
جولة طويلة في الأهرام لا يمكن أن تنتهي بدون لقاء أبو الهول، كنت قد قلت لأصدقائي ونحن في الطريق: لا تنسوا أن أرى أبو الهول فلدي موعد معه، وحين نظروا باستغراب قلت لهم: هو صديقي ولدينا موعد قديم آن الوقت للوفاء به، وحين وقفت أمام أبو الهول كنت أشعر أني أقف أمام حارس التاريخ في مصر، الصامت الشاهد على مر العصور، شعرت به يهمس لي ويتحدث عما رأى، يقول لي: لم تكن الأهرام معجزة ولكنها إبداع شعب حضاري تسامى بقوة في ظل ظروف صعبة، فواصلوا المسيرة أنتم الأحفاد فليس هناك من معجزات أمام قوة الإرادة والتصميم.. وشعرت بنفسي أهمس له وأسائله حتى انتبهت ياسمين فتساءلت عما أتمتم، فقلت لها: أبو الهول صديقي ويحدثني، ألم تسمعي ما يتحدث به؟ فدهشت وقالت: انتم الكُتاب مجانين..
بعد استراحة في مقهى عدنا للتجوال وعدت لالتقاط الصور قبل أن نغادر وساهمت الريح التي هبت وأثارت عواصف من الغبار في أن نغادر أسرع، لنعود للقاهرة للجلوس والحديث عن الأهرامات وحكاية التاريخ، نتناول الغداء ونجلس جلسة لا تنسى بروحانيتها وجمالها، وحين استأذنت بالذهاب.. لم اعد للراحة بل ذهبت لوسط المدينة وجولة على الأقدام ولقاء أصدقاء وعشاء وجلوس على مقاهي شعبية جميلة، حضور معرض في شارع بولاق في قاعة بورتريه لمجموعة من الفنانات بمناسبة عيد الأم، لفت نظري فيه عدة لوحات للفنانة التشكيلية الفلسطينية لطيفة يوسف، ومنها لوحتين شدتا روحي ووقفت مطولاً أمامهما وشعرت أني أقف أمام إبداع متميز لفنانة متميزة، فهنأتها وتمنيت أن يتيح لي الزمن أن أحضر معرض متكامل لها.
السبت وهو عيد الأم كنت أصحو من نومي وصورة أمي لا تفارقني، فترحمت عليها وهي تفارقنا قبل أن يتاح لي الاحتفاء بها بهذه المناسبة، ففتحت حاسوبي المتنقل وقرأت رثائي لها حين كتبت: صباحكم أجمل/ وداعا يا أمي.. وداعا أيتها الياسمينة، فلم أغادر البيت الذي أقيم به حتى الظهر حين تجولت في وسط المدينة وزرت منـزل صديقي أبو أحمد الجمل، الفنان الفلسطيني الذي لم ألتقيه منذ زمن، ومن ثم أعود إلى جروبي في ميدان طلعت حرب للقاء المبدع والصديق الكاتب سيد نجم بجلسة امتدت إلى حوالي الخمسة ساعات لم نشعر بها أبداً، تحاورنا بالكثير من القضايا بها، ليهديني في نهاية اللقاء كتابه الذي يحتوي على روايات قصيرة تحت اسم: "يا بهية وخبريني"، فأمتعني وحلق بروحي بقراءة هذه الجمالية خلال وجودي بالقاهرة التي ما زال لها حديث سأواصله.
أصل لرام الله وأحتضنها بكل الحب والعشق بعد رحلة متعبة زادت عن التسعة ساعات، فالاحتلال يستغل كل مناسبة لممارسة قرفه وإزعاجه للمواطنين، ومع هذا فلن نرحل وسنبقى كالسنديان متجذرين في الأرض، فقبل الهزيمة الحزيرانية لم تكن تأخذ المسافة أكثر من ساعتين مع سائق هادئ، لتصبح الآن تأخذ النهار بكامله، ومع هذا لم أشعر من شدة الشوق لرام الله بالتعب، وحين وقوفنا لساعات فوق الجسر كنت أتأمل نهر الأردن وأستمع لهمساته وحكايته عبر التاريخ، فأصل رام الله وأجول بها رغم إرهاق السفر، وأحضر مساء الاثنين مسرحية مغربية تحمل اسم: "واش فهمتني" للمبدع المغربي عبد الحق الزروالي، حظيت على إعجاب الجمهور، وقبلها معرض كاريكاتير لفنان أجنبي اسمه غي دليل في المركز الثقافي الفرنسي الألماني، وفي مساء الأمس مسرحية المغتربان للمخرج الفلسطيني منير بكري وتمثيل الفنانين إيهاب سلامة وصالح البكري، وهذه المسرحيات جزء من أيام المنارة المسرحية التي يتولاها مسرح وسينماتك القصبة في رام الله والقدس وبيت لحم، أتجول في رام الله بهذه الصباح الباكر، أعانق دروبها والجمال وعبق الياسمين، احتسي وطيفي قهوتنا على شدو فيروز: "يا ربع لي في حماك الغض عِشرة صِبا، غنيت في واحتك الحان حب وصَبا، بنطر علينا من رياضك صَبا عيوني، بذكر ملاهيك يا العشب بيها وَرد، بذكر غدير الهوى بطيب منه وَرد، يا سالب القلب اسمع ما نغني ورِد، ورِد لعيوننا النوم يلي القلب نحوك صَبا"
صباحكم أجمل.


"رام الله المحتلة- الأربعاء في 8/4/2009"

http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.comh
ttp://www.arab-ewriters.com/jayosi


توقيع [زياد جيوسي ]
زياد جيوسي
مدونة أطياف متمردة
http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com/
  رد مع اقتباس
قديم 15-04-2009, 08:18 PM   رقم المشاركة : [32]
زياد جيوسي
كاتب وشاعر: فلسطين
 

 
بيانات العضو




 


زياد جيوسي is on a distinguished road


صباحكم أجمل- سنلتقي يا مصر- 5-



مبنى تراثي في الدقي أحد أحياء القاهرة
بعدسة: زياد جيوسي



صباحكم أجمل/ سنلتقي يا مصر
يوميات من القاهرة 5
بقلم: زياد جيوسي


ترى هل من السهل أن ينسى الإنسان مصر؟ سؤال كان يجول في خاطري وأنا أستعد للسفر من القاهرة بعد ستة عشر يوماً من زيارتها لأول مرة، فأستعيد ذكريات أيام القاهرة الأخيرة، حين كنت أشعر رغم الفرح والسعادة ببعض من الانقباض النفسي، فساعة الوداع والرحيل قد اقتربت، ورغم كل الفرح في أيامي الأخيرة إلا أن هذا الشعور لم يفارقني، فنـزلت دمعة ألم حين أقلعت الطائرة، كما نزلت دمعة فرح حين تنشقت هواء القاهرة المدينة الحلم، في أول لحظة من اللقاء معها.
أجلس في صومعتي في رام الله، أستعيد ذكرى الأيام الأخيرة هناك وجولاتي مع الصديقة الكاتبة بنت النيل، أستعيد جولة جميلة ورائعة في مركب النيل قرب الغروب، وجلسة على مقهى بجوار النيل حتى أن البرد تسلل بقوة لجسدي، وجولة في حديقة الصداقة التي تمتلئ بتماثيل نصفية لأبطال ورموز لشعوب شتى، قُدمت هدية من تلك الشعوب والدول لشعب مصر الرائع، وأستعيد شعور بالفرح وأنا أجول الحديقة التقط الصور وأكتب، فأرى تماثيل الشاعرين الكبيرين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، فأتذكر بعض من أشعارهم ومداعباتهم الشعرية مع بعض فأبتسم، وأشعر وكأن الابتسامة ترف على شفاه تصاويرهم المنحوتة، أستعيد جولة طويلة في مصر الجديدة وجولة امتدت ساعات على الأقدام، وعشاء جميل في شارع بغداد أصرت الرائعة بنت النيل عليه.
أستعيد ذكرى جولات في مدينة الرحاب الجميلة البعيدة، في زيارة الإبنة بيان وأهلها، أتذكر تجربة ركوب قاطرة "المترو" السريعة تحت الأرض، والتي أصابتني بالدوار حين رأيتها أول مرة، بتعداد عرباتها الكبير وسرعتها الهائلة، دقة انتظام وقتها كل خمسة دقائق ورخص بطاقة الركوب، فعلقت أمام من يرافقني: إن كان كل الناس هنا في حافلات المترو تحت الأرض، فمن أين يأتي هذا الازدحام الهائل في شوارع القاهرة؟ فضحكنا معاً، فالقاهرة مدينة ذات مساحة هائلة وتجمع سكاني كبير، أكبر من حجم سكان مجموعة من الدول العربية المتناثرة، أستعيد تجوال في إمبابة وفيصل ومدينة نصر وفي أحياء كثيرة، فالأحبة في القاهرة لم يقصروا أبداً، فكانوا أنموذجاً رائعاً من الطيبة والكرم وحسن الخلق.
لعل من أجمل لقاءاتي هناك، هي دعوتي لمبنى الإذاعة وبقائي ساعات امتدت من الواحدة ظهراً حتى السابعة مساءً، بتجوال مع صديقي الإعلامي والمذيع ومقدم البرامج يحي حسن، التقيت بها العشرات من كبار المذيعين والإعلاميين ومقدمي البرامج، وتجولت في العديد من استوديوهات التسجيل، وجلست وتحاورت مع أسماء عرفناها عبر الأثير، فكان لي الشرف أن التقيتهم مواجهة، وأذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر: الأساتذة مصطفى الحسيني مدير عام صوت فلسطين الذي استقبلني استقبال لا ينسى، غريب منصور المدير والإذاعي المعروف، نهلة مصطفى، إيمان الرزاز، زكريا شليل، صلاح حسنين، الفنانة مها عادل، وغيرهم الكثير، كانوا يمثلون صوت العرب وصوت فلسطين وصوت النيل وصوت القاهرة/ البرنامج العام، وسجلت كم كبير من أحاديث تحدثت فيها عن الثقافة والفن والأدب والقدس وفلسطين، فلم يترك أولئك الجهابذة المبدعين شيء لم يحاوروني فيه ويسجلوه، فشعرت أني أحمل معهم فلسطين في رحلتي هذه، فتركوا في روحي من أثار محبة ما لا يمكن أن يُنسى أبداً، ولم تتوقف التسجيلات والمقابلات معي عبر الأيام التالية حتى يوم سفري، تم تسجيل ثلاث لقاءات رغم ضيق الوقت والاستعداد للسفر، لننهي هذه اللقاءات الحميمة مع عشاء رائع في أعلى المبنى في الدور العاشر، في مطعم متميز برقيه وخدمته مطل على النيل كما المبنى الضخم كله، فتعشينا وتحاورت والعزيز يحي حسن، قبل أن يوصلني للقاء رائع آخر مع أصدقاء يسكنون الروح.
كانت أيام محدودة قد بقيت لي في القاهرة، وتمكنت القاهرة من أن تسحرني فلم أتمكن من الذهاب للإسكندرية للقاء أصدقائي الكُتاب هناك، أحمد شبلول وجمال شحاتة وحسام عبد القادر ومنير عتيبة والعديد من أصدقاء القلم، ولم أتمكن من السفر للشرقية ولقاء المبدع حسن حجازي، والعديد من المناطق والأصدقاء فيها، تاركاً ذلك للمستقبل وزيارة أخرى، فمن يشرب من نيل مصر لا بد أن يعود من جديد، وإن لم أتوقف في الأيام القليلة الباقية عن التجوال واستكشاف سحر القاهرة، فزرت المكتبات وخاصة مكتبة مدبولي ومكتبة الشروق والمعارف وغيرها كثير، ومقهى ريش الذي تغير عما كنت قد سمعت عنه، لقاء أصدقاء بعضهم ألتقي لأول مرة، فألتقي الرائعة الإعلامية فريدة فاروق والمعروفة باسم فريدة فراولة، في جلسة على النيل، وفريدة من أقدم من عرفت في مصر عبر الشبكة العنكبوتية، وتعاونا معاً في الماضي في مواقعها ومجموعاتها البريدية، حين أنشأت هي مواقع القلوب وأنشأت أنا منتدى رام الله للفنون، فوجدت فيها إنسانة في غاية الرقة والخلق والطيبة، وسهرت وصديقي يحي حسن وأصدقاء من الإعلاميين والمذيعين منهم نبيل مقصود من إذاعة النيل وطارق عبد الفتاح من الإذاعة التعليمية في آخر خميس لي هناك في جولة عبر شوارع القاهرة، والتي أضاعنا فيها الجميل المذيع جلال حسن من البرنامج العام، فأطلقنا على الليلة لقب ليلة جلال، أنهينا الجولة برفقة الأحبة بجلسة شعر مع الشاعر الجميل سيد حسن وأشعاره الجميلة، وحوار أدبي استمر حتى الثالثة صباحاً، وهو شاعر متميز ومذيع ومقدم برامج في صوت القاهرة، لأنهي زيارتي للقاهرة مساء الجمعة في حفل بدار الأوبرا حضرت فيه عرضين الأول: كارمينا بورانا، والثاني بوليدو، وتمتعت غاية التمتع وحلقت روحي بقوة، وذهلت بجمال وسعة وضخامة دار الأوبرا، لأكمل سهرة الوداع مع أصدقائي الإعلاميين يحي حسن وجمال صفطاوي وعشاء في مطعم جميل ومأكولات شعبية مصرية، وأكملنا السهرة والحوار في مقهى شعبي جميل لوقت متأخر من الليل، حيث ودعتهم وكتمت دمعات أرادت أن تسيل، فأغادر القاهرة مساء السبت متوجهاً للمطار مع أحبة أصروا أن يودعوني فيه، كان الصمت سيد الموقف في الطريق المزدحم، فأصعد للطائرة متوجها لعمّان، وأنا أهمس مع دمعة ألم تترقرق: أحبتي.. أصدقائي.. أغادر القاهرة وأترك قلبي فيها، فمن يمكنه أن يعيده لي؟ ولو كتبت كل يوم لما وفيت مصر وأحبتي فيها روعتهم والجمال.
صباح الخير يا رام الله ونشاطك الثقافي والفني الذي لم يتوقف منذ عدت، فأتيح لي مواكبة مسرحيات عُرضت في أيام المنارة المسرحية تراوحت في المستوى وفي جمال الأداء، أحتسي قهوتي وحروفي الخمسة لا تفارقني، طيفي يهمس لي: ألا من لقاء آخر مع أحبة القاهرة؟ شدو فيروز يرافقنا وفنجان قهوتنا، فأشدو معها للقاهرة: "يا من يحن إليك فؤادي، هل تذكرين عهود الوداد، هل تذكرين ليالي هوانا يوم التقينا وطاب لقانا، حين الوفا للأغاني دعانا، طاف الجمال على كل وادي، هل تذكرين غداة الورود حلت علينا وطابت عهود، كانت لنا في الغرام عهود، صارت حديث الربا والشوادي".
صباحكم أجمل.

(رام الله المحتلة 15/4/2009 )




توقيع [زياد جيوسي ]
زياد جيوسي
مدونة أطياف متمردة
http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com/
  رد مع اقتباس
قديم 24-06-2009, 08:42 PM   رقم المشاركة : [33]
زياد جيوسي
كاتب وشاعر: فلسطين
 

 
بيانات العضو




 


زياد جيوسي is on a distinguished road


صباحكم أجمل / همسات - بغداد 1



مبنى من مباني رام الله التراثية
بعدسة: زياد جيوسي

صباحكم أجمل / همسات
بغداد 1
بقلم: زياد جيوسي
يجاذبني هوى رام الله بقوة هذا الصباح، فأخرج من صومعتي رغم حرارة الجو الغير معتادة أجول في دروبها وشوارعها، في شارع النـزهة حيث الأشجار القديمة العمر التي تروي حكايات وحكايات، البنايات التي ما زالت تحافظ على إرث رام الله منذ طفولتنا ولم يلتهمها غول العمران الحديث إلا في بعض النواحي، ومن هناك إلى شارع البريد أرقب أشجاره القديمة الجميلة، تشدني قرب مدرسة رام الله للبنات شجرتين متقابلتين بلونين جميلين، أصفر غامق وأزرق نهدي جميل، تتساقط أوراقهما حول الجذوع، فأرى الشارع قد تحول إلى سجادة بديعة منقوشة، وكأن الشجرتين في كل مساء تنـزعان ملابس النهار وترتديان ملابس النوم.
منذ عودتي في بداية الشهر من عمّان الهوى وأمسيات رام الله الجميلة تشدني، فالمدينة لا تكاد تخلو كل مساء من نشاط فني أو أدبي، مما يعطي للمدينة نكهة خاصة للمهتمين والمتابعين، وتجعل الأمسيات مع النسمات الناعمة تزداد بهجة وفرح رغم عتمة الاحتلال وبشاعته، ورغم حجم المشكلات الداخلية التي تطيل في عمر الاحتلال والغلاء الفاحش الذي سيطر على الحياة وأرهق القدرات المالية للمواطنين.
تزداد رام الله جمالا يوماً بعد يوم، يزداد عشقي لها فتهمس لي: أخشى عليك من عشقي وحبي، فأبتسم وأهمس لها: لا تخشي عليّ من الحب، فهو الذي يسري في روحي وفي شرايين دمي، وقصة حبنا التي تمتد عبر عصور لا يمكنها إلا أن تستمر، فلقائنا بعد طول رحلة البحث والغياب أشعل الحب الذي لم يتوقف من جديد، فأصبحت رام الله في قلبي برعم ياسمين عطري جميل، لا يتوقف عن بث طيبه وجماله في روحي رغم قسوة الحب أحياناً.
منذ أن كتبت سلسلة حلقات من صباحكم أجمل عن القاهرة وزيارتي لها لم أكتب من جديد صباحات أخرى، فقد شدتني المعارض الفنية والنصوص الأدبية للكتابة عنها، إضافة لانشغالي بكتابي فضاءات قزح الذي سيصدر عن دار فضاءات في عمّان قريباً، والاستعداد لإصدار كتابي أطياف متمردة والذي يحوي بعض من نصوص باحت بها روحي عبر سنوات طويلة، ولم أنشر منها إلا القليل، فقد كنت أنتظر أن تأتي ملكة سبأ لتفتح القمقم وتنثر الأطياف في فضاء الكون، لكني في هذا الصباح الحار النسمات وشوق ينازعني بقوة بين رام الله وعمّان، تعيدني الذاكرة لفترة أوائل السبعينات من القرن الماضي ومغادرتي دمشق إلى بغداد للدراسة الجامعية، ولم يكن بتلك الفترة من خط طيران يسهل السفر، فركبت مع بعض الزملاء الذين تعرفت عليهم حافلة مغلقة اجتازت بنا البراري والصحراء في رحلة طويلة من دمشق إلى بغداد، كانت طريق قديمة متعبة، والرحلة طويلة جدا لشخص لم يعتد السفر الطويل، فأبعد مسافات عرفتها كانت بين دمشق وبيروت وعمّان، وهي مسافات كان يتم اجتيازها بأوقات قصيرة، أما رحلة بغداد فقد تجاوزت الثمانية عشر ساعة حتى وصلنا إلى ميدان الصالحية في بغداد، ومن هناك نقلنا سائق أجرة لفندق في ساحة الميدان قال لنا أنه مناسب لنا، وحين وصلنا الفندق كنا في غاية الإرهاق والوقت يقارب الفجر فنمنا بدون وعي حتى العصر، وحين صحوت وجدت نفسي في فندق غير مناسب إطلاقاً فقررت المغادرة إلى مكان آخر بمجرد أن أتعرف للمدينة، وحين خرجت لشرفة الفندق المطلة على الميدان، رأيت لأول مرة في حياتي قبة مسجد مغلفة ببلاط خزفي (سيراميك) بلون أزرق متدرج وأبيض، شدني جماله بقوة وبدأت أتأمل ملامح البنيان من الطوب الرملي الذي لم نعرفه من قبل، فعمّان ورام الله مدن مبنية بالحجر الجميل الأبيض.
أخذت حماماً بالماء الذي كنت قد ظننته بارداً، لكن حرارة الجو جعلته حاراً رغم أننا في تشرين، وغادرت الفندق للتعرف على المدينة التي ارتبطت بالذاكرة عبر القراءة والشعر، كنت أشعر بالجوع الشديد فدخلت في بداية شارع الرشيد إلى مطعم لأواجه مشكلة اختلاف اللهجة، فعلاقتي باللهجة العراقية لم تتجاوز سماع أغنيات ناظم الغزالي وعبد الجبار الدراجي التي كان يبثها التلفاز الأردني في فترة تأسيسه في نهاية ستينات القرن الماضي، وحين عرض النادل ما لديهم لم أفهم شيئاً، فطلبت أسماء أعجبتني بدون أن أعرف ماذا تعني، فطلبت (تكة) وطلبت (تِمن) لأفاجئ بطبق من الأرز وطبق من اللحم المشوي، فضحكت وأخرجت دفتراً صغيراً وسجلت الأسماء الجديدة حتى لا أنسى مرة أخرى، وأقع في مطب اللهجات المختلفة بين قطر عربي وآخر، وغادرت لأتجول في شارع الرشيد وأنا أشعر أني أتنسم عبق التاريخ وأتذكر محبوبة تركتها خلفي وروحها ترافقني، حتى وصلت ساحة التحرير فتجولت فيها، أذهلني نصب الحرية للفنان جواد سليم، ولعل هذه اللمحات الأولى للمدينة بين الخزف ونصب الحرية ونصب الشهداء في ساحة الطيران للفنان فائق حسن، كانت البدايات في بداية اهتمامي بالفن التشكيلي عبر السنوات اللاحقة.
عدت للفندق بعد جولة طويلة في مدينة ترسخت في الذاكرة عبر القراءة والدراسة، مدينة شعرت بها تسكن الروح من البدايات فصرت أخاطبها بلقب معشوقتي العربية السمراء، استعد لبرنامج اليوم التالي من تسجيل في الجامعة وترتيب مسائل الإقامة والسكن، التعرف على شعب طيب ورائع ومدينة عظيمة، سيكون لها في حديث الذاكرة الكثير في المستقبل.
أعود لصومعتي أحتسي القهوة مع طيفي الذي لا يفارقني، أرسم الأمل والفرح في نفسي، مع فنجان القهوة وصحف الصباح وفيروز تشدو: (كنا نتلاقى من عشية ونقعد على الجسر العتيق، وتنـزل على السهل الضباب، تمحي الندى وتمحي الطريق، ما حد يعدي بمطرحنا، غير السما وورق تشرين، ويقلي بحبك ويهرب فينا الغيم الحزين، يا سنين إلي راح ترجعيلي، ارجعيلي شي مرة ارجعيلي، وانسيني عا باب الطفولة، تا أركض بشمس الطرقات، ورديني ضحكاتي إلي راحوا، يلي بعدها بزوايا الساحات).

صباحكم أجمل.
(رام الله 24/6/2009)

http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com

http://www.arab-ewriters.com/jayosi

توقيع [زياد جيوسي ]
زياد جيوسي
مدونة أطياف متمردة
http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com/
  رد مع اقتباس
قديم 23-07-2009, 04:28 PM   رقم المشاركة : [34]
زياد جيوسي
كاتب وشاعر: فلسطين
 

 
بيانات العضو




 


زياد جيوسي is on a distinguished road


صباحكم أجمل/ همسات بغداد 2


من حفل توقيع كتابي فضاءات قزح
في رابطة الكتاب الأردنيين

صباحكم أجمل/ همسات بغداد 2

بقلم: زياد جيّوسي
أغادر رام الله العشق والجمال في الثّاني من تمّوز لهذا العام، متّجهًا إلى عمّان الهوى، يجاذبني العشق بين رئتيّ القلب الّتي يفصل بينهما نهر مقدّس. أجول شوارع رام الله صبيحة سفري رغم حرارة الجوّ، أتنسّم عبق ياسمينها وهواها، أركب السّيّارة باتجاه استراحة مدينة أريحا لركوب الحافلة باتّجاه عمّان، يتمزّق صدري من امتداد المستوطنات الّتي تستولي على أراضينا المقدّسة، في ظلّ صمت دوليّ مريب وعجز عربيّ، تمزّق فلسطينيّ لا تلوح له في الأفق حلول.. أصل الاستراحة وآخذ رقم صعودي للحافلة، أستغل وقت الانتظار بقراءة (عين هاجر) للمرّة الثّانية للكاتبة المغربيّة رجاء الطّالبي، وديوان شعر (فراشة أم ضوء) للشّاعرة الفلسطينيّة رانيا ارشيد.. أسجّل العديد من الملاحظات وأواصل القراءة في رحلة الشّوق والمتاعب، الّتي استمرّت ثماني ساعات متواصلة- منذ لحظة مغادرتي رام الله حتى وصولي إلى عمّان في المساء. ألتقي شقيقي الأكبر وسيم ومجموعة من أصدقائي وزملائه الضّبّاط في المعبر الفلسطينيّ بعد غياب شهرين، يلومونني لإصراري على أن أنتظر في الاستراحة بدل المجيء للمعبر مباشرة لاختصار الوقت، فأبتسم وأقول: أفضّل الاستراحة كيّ لا آخذ دور من سبقني من أبناء شعبي، وأستغلّ الوقت بالإحساس بمعاناة المواطنين الّذي لا يحملون بطاقات الشّخصيّات المهمّة، ولا يحصلون على تنسيق لتسهيل مرورهم من قوّات الاحتلال، وأستفيد من الوقت بالقراءة وتسجيل الملاحظات.
بمجرّد أن تطلّ السّيّارة باتجّاه عمّان، ينتابني دومًا شعور غريب بالفرح. فعمّان، الّتي شهدت بعض طفولتي وشبابي، مدينة تسكن القلب وتتجذّر به يومًا إثر يوم، لكنّ رام الله تأبى أن تفارقني في عمّان أيضًا. عمّان تشهد صيفًا حافلاً بالنّشاطات الأدبيّة والفنّيّة، ورغم ضيق الوقت كان يتاح لي متابعة بعض هذه النّشاطات، فحضرت معرض عمّان (إن حكت) في مركز الحسين الثّقافيّ، ومسرحيّة متميّزة بالإخراج والدّمج بين أشكال الفنون- تحمل اسم (ليننغرادكا) أنتجها وأشرف عليها فنّيًّا: عبد السلام قبيلات. وفي مركز رؤى للفنون أتيح لي حضور معرض للفنانة هيلدا الحياري. وبعده وفي مركز رؤى أيضا، شاهدت معرضًا فوتوغرافيًّا متميّزَا للفنّانة فرح حوراني بعنوان (جاذبيّة غير مصقولة) سيكون لي معه مقال خاص، لأكمل بعده إلى حدائق الحسين لحضور سهرة أغنيات عمّانيّة مع أصدقائي من آل حتر الكرام. وحملت لي رام الله إلى عمّان أمسية أدبيّة في مقرّ رابطة الكتّاب الأردنيّين، استمعت إلى أحلام بشارات وصفاء عمير وأماني الجنيدي وغيرهن، بينما جمعتني أمسية شعريّة جميلة في اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيّين بالكاتبة والشّاعرة الصّديقة مها أبو عين الّتي لم ألتقيها منذ عشر سنوات حين غادرتْ رام الله الى الاسكندريّة، من أجل استكمال دراستها والحصول على الدّكتوراة.. كان لقاء أصدقاء قدامى فرحت به، واحتفينا بها- أنا وزوجتي- في جلسة أحاديث وذكريات حتّى وقت متأخّر في مكان جميل بهمسات مساء عمّان، لنودّعها وهي تستعدّ للعودة إلى الوطن في الصّباح القادم.
لقاء عمّان هذا العام مختلف تمامًا، فقد احتفلت بزفاف ابني المهندس مصطفى، الأكبر في الذّكور مع محبوبته هلا ظاظا، هي فرحة كبيرة بعد أن حرمني الاحتلال من حضور زفاف ابنتي الوحيدة ذؤابة قبل عامين في عمّان. واكتملت فرحتي بصدور كتابي (فضاءات قزح) الّذي تكرّمت وزارة الثّقافة في الأردن الجميل بدعم طباعته، وتولّت طباعته والإشراف على توزيعه دار فضاءات في عمّان، وقدّمه الرّوائيّان والنّاقدان المعروفان- الأخوان أحمد أبو صبيح وعوّاد علي في حفل الاستقبال الّذي أقيم في رابطة الكتّاب في عمّان، بحضور جميل لأحبّة وأصدقاء. وحقيقة ومن قلبي قدّمت وأقدّم الشّكر لكلّ من كان لهم دور في اصدار هذا الكتاب: طيفي الجميل الّذي لا يفارقني وأسرتي الجميلة وشقيقتي وأشقّائي، أحبتي؛ الشّاعر محمّد حلمي الرّيشة للجهود الّتي بذلها في التّدقيق والمراجعة، الكاتبة والشّاعرة منى ظاهر لجهودها الّتي لا تنسى معي، أصدقائي وأصدقاء الصّومعة في رام الله- د. هاني الحروب وعبد السّلام العطاري الّذين لم يتوقّفوا من سنوات عن الحديث عن ضرورة إصدار الكتاب الّذي تولّى تقديمه توأم روحي د. هاني الحروب.
في لحظات الفرح تستعيد روحي ذكريات همسات بغداد في أوائل سبعينات القرن الماضي، فما أن استقرّت روحي في الدّراسة، حتّى وضعت نصب عينيّ برنامج لمعرفة المكان بتفاصيله. فبدأت التّجوال شبه اليوميّ في بغداد وخاصة في الأوقات المناسبة من حيث الجو. فبغداد مدينة كنت أرى فيها الفصول الأربعة في اليوم أحيانًا. تجوّلت في كافّة شوارعها، لم أترك مكانًا يمكنني الوصول إليه ولم أزره، كان يشدّني شارع أبو النّوّاس كثيرًا بوقوعه على ضفاف دجلة، كانت التّماثيل والنّصب في ذلك الشّارع متميزة، إضافة إلى حدائقه الممتدّة على الشّاطئ، لم أترك ميدانًا من ميادين بغداد وفي داخله عتب عليّ، وكانت سهولة توفّر الحافلات العامّة ودقّة حركتها تساعدني كثيرًا في التّجوال. فوضعت لكلّ منطقة أيامًا محدّدة تتناسب مع برنامج دراستي لزيارتها.. في بداية دراستي سكنت في شارع الجمهوريّة الواصل بين ساحة الجمهوريّة حتّى ساحة التّحرير متوازيًا مع شارع الرّشيد، سكنت بالقرب من ساحة الرّصافي الصّغيرة والّتي يزيّنها تمثال الشّاعر الرّصافي، ثمّ انتقلت بعدها إلى السّكن في حيّ راغبة خاتون. أتاح لي هذا الحيّ معرفة أحياء الكاظميّة والأعظميّة بتفاصيلها، وكنت أتمتّع بالسّير في حيّ الأعظميّة وخاصّة بجوار دجلة مرورًا على جسر الأئمّة باتّجاه حيّ الكاظميّة والتّجوال في أحيائه القديمة، ولقاء أصدقائي على شارع المحيط حيث النّهر وغابات النّخيل. كانت الوزيريّة من أجمل الأحياء، ارتبطنا بها كون كُليّتنا فيها إضافة لتجمّعات الاتحّادات الطّلابيّة. ثمّ انتقلت إلى حيّ شعبيّ معروف باسم كمب الأرمن، والبعض يسمّيه كمب الجيلاني، فعرفت أحياء جديدة وساحات وشوارع جديدة. فمن شارع الكفاح الى شارع النّضال فساحة الأندلس، وساحة علي بابا وساحة الفردوس وميدان الجنديّ المجهول وغيرها الكثير. في تلك المرحلة كانت كافّة مباني بغداد تعتمد الامتداد الأفقيّ، وكانت البنايات المرتفعة قليلة، وكانت شوارعها متّسعة ومشجّرة بجمال متميّز، لم تكن هناك جسور ولا أنفاق على تقاطعات الشّوارع وبين الأحياء، وفي فترتنا افتتح نفق ساحة التّحرير فكان في أذهان النّاس حدث له أهمّيّة. والجسور كانت الوحيدة الّتي تصل بين ضفّتيّ النّهر وبين أحياء الكرخ والرّصافة فقط. وقد تميّز في تلك الفترة الجسر المعلّق الّذي مثّل تحفة فنّيّة وهندسيّة مغايرة. وسيكون لهذه الذّكريات بعض همسات قادمة.
صباح عمّاني لطيف وجميل، فنجان قهوتي السّندسيّ وطيفي الجميل، رام الله ترافقني كما عمّان وبغداد، نستمع معًا الى شدو فيروز: (يا جبل الـ بعيد خلفك حبايبنا، بتموج مثل العيد وهمّك متعّبنا، اشتقنا عالمواعيد، بكينا وتعذّبنا، يا جبل الـ بعيد قول لحبايبنا، بعدوا الحبايب بيْعدوا الحبايب على جبل عالي بيْعدوا والقلب دايب).
صباحكم أجمل.
(عمّان 22/7/2009)

http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com

http://www.arab-ewriters.com/jayosi

توقيع [زياد جيوسي ]
زياد جيوسي
مدونة أطياف متمردة
http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com/
  رد مع اقتباس
قديم 03-09-2009, 12:17 AM   رقم المشاركة : [35]
زياد جيوسي
كاتب وشاعر: فلسطين
 

 
بيانات العضو




 


زياد جيوسي is on a distinguished road


صباحكم أجمل/ أنّات القدس 1



بلدة الجيب القديمة
بعدسة: زياد جيوسي




صباحكم أجمل/ أنّات القدس 1
جبعون
بقلم: زياد جيوسي
كان للقدس دوماً ومنذ طفولتي أثرُ كبير في النفس والروح، فقد تركت بصمات لم تنسى على روحي وحياتي حين سكنتها وأهلي طفلاً ودرست فيها عدة شهور، ومنذ رحيلنا عنها في أوائل الستّينات من القرن الماضي وأنا أحلم بها، فلم يتاح لي رؤيتها بعد ذلك إلا مرتين، طفل إثر الهزيمة الحزيرانية، وقبل أحد عشر عاماً مروراً سريعاً مع صديق لي في سيارة لزيارة مستشفى المقاصد وجولة سريعة لم تروي ظمأ شوق.
في العام الماضي حين حصلت على هويتي وأصبح بإمكاني الحركة في بعض أجزاء الوطن، كانت القدس قد أصبحت مطوقة بالجدار الأفعى والمستوطنات والحواجز وبوابات العبور، أصبحت مأسورة في غابة بنادق وأسلاك شائكة من الاحتلال، فأصبحت زيارتها تحتاج إلى تصريح احتلالي يستحيل الحصول عليه بسهولة، فلم أمتلك إلا الوقوف من بعيد ترنوا عيناي الدامعة ألماً وحزناً، ولا يتاح لي أن أقترب منها أو أن أعانقها.
في العام الفائت وبعد جولتي في منطقة طولكرم وكتابتي عنها سلسلة حلقات تحمل عنوان ليالي الشمال، اتصل بي قارئ من قرائي لم ألتقيه سابقاً، قال لي: لما لا تزور قرى القدس خلف الجدار؟ نحن ندعوك لزيارة عبق التاريخ في بلدة الجيب، ووعدته بالزيارة التي تعطلت حتى الأمس، فاتصلت به واتجهت لبلدة الجيب برفقة صديق.
من رام الله وباتجاه بلدة رافات فبلدة بير نبالا وصولا إلى بلدة الجيب، عبر هذه الطريق التي أصبحت الطريق البديل بعد أن طوق الجدار هذه البلدات وأغلق الطرق التي كانت تصلها سابقا وتربطها بالقدس مباشرة، كان موعدنا مع الأخ أحمد عوض المصري رئيس مركز التنمية المحلية الريفية في بلدة الجيب، هذا المواطن الذي لا يكف عن دق جدران الخزان في محاولات لا تتوقف من اجل رفعة بلدته واعلاء شأنها، فعبر عام كامل منذ تعارفنا وهو يتحدث عن مشاريع يمكن انجازها في بلدته، ويطرق أبواب المؤسسات بلا جدوى من أجل الحصول على دعم ولو بسيط لهذه الأفكار، فتذكرت ونحن نتحدث المثل الشعبي: (يا طول مشيك بالبراري حافي)، ولعل أهم هذه المشاريع التي لم يأخذ بها وكنت أشترك معه بطرحها، أن تتم احتفاليات القدس عاصمة الثقافة العربية في قرى القدس طالما أن الاحتلال لا يسمح بها بالقدس بقوته وغطرسته، بدلا من أن تسكب الاحتفالات في مدينة رام الله، فلو توجهت إلى بلدات القدس وعلى بعد خطوات من الجدار الذي التهم القدس وقسم كبير من أراضي بلدات القدس لكان التأثير أكبر، ولكان بالامكان اعادة ترميم كم كبير من المباني التراثية التي تهدمت، إصلاح البنية التحتية، وإعلاء الصوت قرب القدس وليس بعيدا عنها، وبشكل يساهم بتأكيد عروبة القدس ودعم صمود سكانها، بدلا من ترك عائلات القدس المطرودة من بيوتها تنام على الأرصفة في حرارة الصيف وقيظ الشتاء، ولكان لمفهوم القدس عاصمة للثقافة العربية مفهوم أكبر بكثير مما حصل.
استقبلنا الأخ أحمد بحفاوة بالغة، ورغم وصولنا ظهراً وفي فترة ارتفاع درجة الحرارة، استضافنا على القهوة العربية وخرجنا مباشرة في جولة على الأقدام في أنحاء بلدة الجيب، كان يتمتع بروح الشباب وعنفوانهم رغم الستينات من الأعوام الملقاة على عاتقه، فانتماءه لبلدته مسألة تمنحه شباباً دائماً، فتحرك بنا في جولة رائعة لأقسام بلدة الجيب الأربعة، الجيب الحديثة والتراثية والتاريخية الضاربة الجذور لفترة الكنعانين وفترة الرومان، ومنطقة الأراضي الزراعية المحيطة بالبلدة بحزام أخضر جميل.
بلدة الجيب أو كما عرفت قديماً بإسم (جبعون) نسبة لمليكها الكنعاني، هي قرية عربية كنعانية ضاربة الجذور في التاريخ، فجذورها تمتد الى أكثر من خمسة آلاف عام، حيث كانت من أهم المدن في ذلك العصر المعروف بالعصر البرونزي القديم، وكانت تتمتع بعلاقات تجارية مع المدن الكنعانية الأخرى، إضافة للعلاقات التجارية مع بلاد الشام ومصر، فهي بحكم موقعها الهام كانت معبراً وممراً للقوافل التجارية، حتى أن اسمها وجد منقوشاً في معبد الكرنك، وتدل الحفريات والشواهد التاريخية أن الجيب كانت مدينة زراعية صناعية تجارية، فأثار الفخار الموجود بكثرة على تل جبعون تدل على صناعة الفخار، إضافة لصناعة الخمور ومعصرة الزيتون التاريخية، وأبار الماء وغيرها من شواهد تدل على حضارة متميزة، آن الأوان لنفض غبار التاريخ والعصور عنها، وإعادة الاهتمام بالجيب من الجهات المسؤولة لتكون بؤرة ثقافية وحضارية وقِبلة سياحية.


بدأنا جولتنا بالتجوال في دروب الجيب وشوارعها مارين بالعديد من البيوت التراثية الجميلة التي ما زالت تحافظ على وضعها وقسم منها ما زال آهلا بالسكان، صعوداً إلى البدة القديمة التراثية والتي تعاني إهمالاً شديداً يثير الحزن في النفس والألم في القلب، فهنا البلدة القديمة المهملة تماماً، فالبيوت مهدمة، أقسام منها تحولت إلى مكاره صحية، الحجارة تتساقط، الخراب يعمها، وهي بمجموعها تشكل قلعة من أجمل القلاع لو جرى ترميمها والاهتمام بها، بعض الحجارة منقوش عليها تاريخ البناء الذي يعود إلى مئات السنين في الماضي، وكنيسة بيزنطية مهدمة مهملة تتحدث حجارتها عن تاريخ وحضارة جميلة ورائعة، أثار تروي حكاية الجدود منذ كنعان الأول حتى الآن.
كنت أجول مع أصحاب الدار وصديق رافقني، التقط الصور لكل ما أراه حتى التقطت ما يقارب المائتي صورة، وفي كل لقطة كانت عيناي تسقط دمعة ألم على هذا الخراب والدمار، حتى خيل لي أن وزارة السياحة ووزارة الثقافة لم تسمع ببلدة الجيب وتاريخها وأثارها، وآمل أن أكون مخطئاً وأن يكون هناك توجه فعلي لهذه البلدات من رحاب القدس المهددة في كل لحظة للمصادرة، وأنا مستعد لوضع كل ما رأيته وصورته أمام الجهات المعنية إن اهتمت بالموضوع.
كانت رحلة طويلة امتدت ساعات طويلة بدون تعب أو كلل أو ملل، جلنا فيها في حكايات الجدود والجدات وتاريخنا المضيء، حجارة وأشجار تروي شهادت حب وملحمة وأسطورة، تحتاج الى أحاديث مفصلة قادمة آتية قريباً أروي بها تفاصيل رحلتي لبلدة الجيب وبلدات أخرى من قرى القدس المهملة.
صباح الجمعة أجلس وحيدا مع عبق طيفي الذي لا يفارقني وعبق الياسمين وحوض النعناع، أنظر من نافذة صومعتي في رام الله بعد جولة صباحية، أستعيد ذكرى رحلتي لبلدة الجيب، أشعر كم تأخرت بتلبية الدعوة بسبب مجموعة من الظروف التي مرت عبر أكثر من عام، أكتب للجيب والقدس وأستمع لشدو فيروز: (و بليل كلو ليل سال الحقد بفية البيوت، و الايدين السودا خلعت البواب و صارت البيوت بلا صحاب، بينن و بين بيوتن فاصل الشوك و النار و الايدين السودا، عم صرخ بالشوارع ... شوارع القدس العتيقة، خلي الغنيي تصير عواصف و هدير، يا صوتي ضلك طاير زوبع بهالضماير، خبرهن عللي صايربلكي بيوعى الضمير).
صباحكم أجمل.
(رام الله 7/8/2009)

http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com

http://www.arab-ewriters.com/jayosi


توقيع [زياد جيوسي ]
زياد جيوسي
مدونة أطياف متمردة
http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com/
  رد مع اقتباس
قديم 09-09-2009, 08:27 PM   رقم المشاركة : [36]
زياد جيوسي
كاتب وشاعر: فلسطين
 

 
بيانات العضو




 


زياد جيوسي is on a distinguished road


صباحكم أجمل/ أنّات القدس 2- الجيب (جبّعو


من أثار الجيب
بعدسة: زياد جيوسي


صباحكم أجمل/ أنّات القدس 2
الجيب (جبّعون)
بقلم: زياد جيوسي

[justify] تَركت رحلتي لبلدة الجيب أثرها الكبير في روحي، ففي الجيب تنشقت عبَق التاريخ، رأيت كيف دافع الجدود منذ عهد كنّعان الأول عن الوطن، شعرت أني أشاهد الملك جبّعون وهو يقاتل بكل قوة وعنفوان في مواجهة يوشع المحتل للدفاع عن وطنه وأرضه، ويسقط بالنهاية مضرجاً بدماءه لكنه لم يستسلم أبداً، فتبقى ذكراه عبقة عبر العصور، وتبقى دماءه تستصرخ الأحفاد أن لا يستسلموا ابداً ويعملوا على طرد المحتل الذي عاد من جديد واستولى على الأرض والوطن، المحتل الذي عاد ويحاول قتل جبّعون الملك من جديد من خلال قتل أحفاده.
اتجهنا برفقة مضيفنا الأخ أحمد المصري باتجاه أعلى نقطة في البلدة حيث أثار الجيب القديمة، ومن هناك كنا ننظر المستعمرات الاسرائيلية التي استولت على أراضي القدس وضواحيها وبلداتها، يفصلها عن مكان وقوفنا مسافات محددة وراء الجدار الأفعى، فشعرت بها كالخناجر تخترق الصدور، أجمل وأطهر بقاع الأرض يلوثها الاحتلال، يزرع مستوطناته فيها ويحرمنا منها، والجدار يلتف كأفعى قذرة يستولي على الأرض ويخنق السكان، فأصبحت بلدات القدس خلف الجدار مطوقة إلا من مسارب محددة تربطها بمدينة رام الله، في كل لحظة يمكن للاحتلال إغلاقها وعزل هذه البلدات تماماً عن محيطها.
في هذا المرتفع رأينا أثار الكنيسة البيزنطية وقد عمل الزمان والاهمال دوره في تدميرها وخرابها، فتحولت لأثار مدمرة في غياب الترميم والعناية، وكان الدخول إلى بقاياها نوعاً من المغامرة، وقد طلب مني المضيف بأكثر من زاوية أن انتبه خوفاً من انهيار مفاجئ، الا أن عبق التاريخ كان يشدني بقوة لمعرفة زوايا وخبايا الأمكنة، فهنا رائحة من عبق الوطن عبر العصور والأعوام، فتجولت في بقايا الكنيسة البيزنطية ألتقط الصور وأسجل الملاحظات، لأنتقل بعدها إلى مقام مهمل تماماً هو مقام الشيخ حامد، وقد أصبحت بوابته مغلقة، وخلف البوابة قام أحد المواطنين بالاستيلاء على الساحة وتحويلها إلى زريبة أغنام، فتسللت من بوابة هي أشبه بطاقة تتراكم تحتها الحجارة إلى داخل المقام مع الأخ محمد أحمد خطاب عضو المجلس البلدي الذي انضم إلينا، لأجد في الداخل ضريحاً مهملا تماماً مغلفُ ببقايا أقمشة خضراء أكل الدهر عليها وشرب، ولم يبقى منها إلا بقايا ممزقة كالحة اللون، والأتربة تملأ المقام، فلا عناية ولا اهتمام بهذا الأثر التاريخي، مما زادني ألماً وغصة، فها هي أثارنا وشواهد تاريخنا وأرضنا مهملة تماماً، وبدل العناية بها لتكون الراوي والشاهد للحكاية والتاريخ، تحولت لأطلال وأحاديث غابرة.
ومن المقام انطلقنا للتجوال في مجموعة من البيوت القديمة والأثرية والتي كانت مسكونة ذات يوم، وكانت هي بلدة الجيب وراوية التاريخ والحضارة، فأصبحت أطلال مهدمة لا تأوي اليها إلا القطط والحيوانات السائبة، وهي تشكل بمجموعها قلعة ضخمة وكبيرة، ومنها بيت كان مقراً للحاكم الروماني في غابر الأزمان، فأصبح الآن مقراً للخراب والدمار، ودخلنا مجموعة من البيوت التي ما زالت بقايا حجارتها تأن وتتألم وتتحدث عن زمن مضى، وأكاد أسمعها تهمس بألم: أين أحفاد أكناف بيت المقدس؟ وطوال الوقت كنت التقط الصور لتكون الشاهد على ما رأيته وأسجل الملاحظات، حتى أني وجدت بيتاً منقوشاً على حجر فوق بوابته سنة البناء 1342 مع عبارة (ما شاء الله) وهذا البيت ما زال محافظاً نوعاً ما على بعض من صلابته وقوة البنيان، مما يدلل أنه حديث البناء مقارنة بما يحيط به، ودخلنا مسجد البلدة وخلفه أثار المسجد القديم وقد أهمل تماماً وليس بداخله سوى حجارة مهدمة وبعض من التوابيت الخشبية القديمة. [/justify]


[justify]
ومن هناك واصلنا المسيرة برفقة مضيفينا الى بلدة جبعون التاريخية وأثارها، جبعون التي تحول اسمها الى الجيب عبر العصور، فوصلنا عين الماء المهملة تماماً، وبصعوبة تمكنت مع الأخ أحمد المصري من الدخول في ظل العتمة، والتقطت العديد من الصور للمشهد الراوي للحكاية، ومن داخل العين صعدنا عبر نفق حجري يعود للتاريخ القديم، منحوت بالصخر وعلى درجات حجرية تقارب المائة ولا نحمل وسائل اضاءة الا إنارة الهواتف الخلوية، صعدنا لأعلى التلة حيث كانت مملكة جبعون الكنعانية القديمة، والتي حفرت هذا النفق من أعلى التلة إلى عين الماء لتأمن المياه في حالات الحصار، لنجد في تلك التلة وأطرافها شواهد التاريخ القديم والحضارة التي أنشأها الأجداد، فهناك بئر ماء محفور بالصخر يصل عمقه لقرابة الخمسة والعشرين متراً وبقطر يقارب الاثنا عشر متراً، ويُنـزل إليه بدرجات حجرية محفورة تصل إلى تسعة وسبعين درجة، والشواهد تشير إلى أنه كان في قعره عين ماء جفت مع الزمان والعصور، أو أنه كان في قعرة فتحة توصل إلى عين الماء الرئيسة، ولعب الزمان دوره في اغلاقها، ودلالة ذلك أنه مهما بلغت كميات الأمطار المتساقطة فأنها تتسرب ولا تستقر بها، وفي أعلى التلة وجدنا أثار مصنع للخمور ودخلنا إلى معصرة زيتون تاريخية في كهف، لعبت الأيدي البشرية دورها في تحطيم أثارها بما فيها العامود المنحوت في وسطها، ولم يكتفى بذلك بل تحولت جدرانها إلى يافطات لعبارات الصراع بين أبناء الفصائل المختلفة، وبالقرب من المعصرة زرنا كهف محفور كان عبارة عن صيدلية تاريخية لحفظ الأدوية، محفور فيها طاقات صغيرة كانت تحفظ بها أعشاب العلاج، وزرنا في أطراف التلة مقابر الكهوف، فمنها كهوف حوت مقابر العامة، وكهوف حوت مقابر الخاصة، وأما قبر الملك الكنعاني جبعون وأسرته، فهناك من قام بردمها بالتراب وإحالتها إلى طريق ترابية.
وعبر هذه المسالك الصعبة قمنا بالعودة للبلدة مارين بالبساتين والكروم، أكلنا من حبات التين التي تتفوق على العسل بطيبتها وحلاوتها، فالتففنا عبر البساتين والحقول وأشجار الزيتون الرومية البالغة القدم حتى عدنا للبلدة، وطوال الوقت لم يتوقف مضيفنا أحمد المصري عن الحديث عن تاريخ بلدته، عن حلمه بأن يجد من المؤسسات من يهتم بها ويرمم أثارها، عن حلمه الذي يعمل من أجله جاهداً أن يكون هناك مهرجان سنوي ثقافي وفني في بلدته الضاربة الجذور، عن أمله أن يجد ولو دعماً بسيطاً لطباعة كتاب كتبه عن الجيب وتاريخها مزود بالصور، وقلت له: لا أمتلك إلا حبي للأرض والقلم وعدسة التصوير، سأكتب عن الجيب (جبعون) وحكاية التاريخ والأجداد، سأنشر الصور وأضعها تحت تصرف المؤسسات التي تطلبها، وإن تمكنت يوماً فسيكون لي معرض فوتغرافي عن هذا التاريخ، فلعلي أساهم معك بالدق على جدران الخزان.. لعل أحداً يسمع.
صباح عمّاني جميل ونسمات ناعمة وأنا أزور أسرتي وأهلي في عمّان الهوى، وشوق يشدني بقوة لرام الله الجمال، رمضان يضفي للصبح جمالاً آخر، أجالس وخيال طيفي الشقي الحلو المشاكس دالية العنب وحوض النعناع وبعض الورود، أستمع لشدو فيروز: (لاجلك يا مدينة الصلاة أصلي، لأجلك يا بهية المساكن، يا زهرة المدائن يا قدس، يا مدينة الصلاة أصلي، عيوننا إليك ترحل كل يوم، تدور في أروقة المعبد، تعانق الكنائس القديمة، وتمسح الحزن عن المساجد).

صباحكم أجمل.
[/justify]
(عمّان 9/9/2009)

توقيع [زياد جيوسي ]
زياد جيوسي
مدونة أطياف متمردة
http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com/
  رد مع اقتباس
قديم 15-10-2009, 09:40 AM   رقم المشاركة : [37]
زياد جيوسي
كاتب وشاعر: فلسطين
 

 
بيانات العضو




 


زياد جيوسي is on a distinguished road


صباحكم أجمل/ رام الله أحبك فأحبيني



رام الله التحتا التراثية
بعدسة: زياد جيوسي



صباحكم أجمل/ رام الله أحبك فأحبيني
بقلم: زياد جيوسي


[justify] أعود إلى رام الله بعد غياب، فتضمني في حضنها، تسدل عليّ شعرها، أشعر بروعة نسماتها بمجرد أن تعبر المركبة مداخلها، مودّعاً عمّان معشوقة الطفولة والشباب، التي لم تبخل عليّ بحنانها وحنوها فترة إقامتي فيها، فغمرتني بحبها والجمال، وأتاحت لي فرصة حضور عدد جيد من الأمسيات الأدبية والشعرية والثقافية والفنية، فحلقت روحي في بيت الشعر الأردني بأمسية لعدة شعراء من بينهم صديقي الشاعر جهاد أبو حشيش، وفي رابطة الكتاب بأمسية حوارية أدبية، وفي مؤسسة تضامن بأمسية قصصية للكاتبة سناء شعلان والشاعر راشد حسين، وفي رابطة الكتاب الأردنيين حلّقت روحي أيضاً بجلسة جميلة لتجمع (المبادرة) الذي بادرت إليه المخرجة السينمائية والكاتبة هناء الرملي، وتهدف إلى تجميع الكتب التي استغنى أصحابها عنها خصوصاً المختصة بالأطفال والفتية، والتبرع بها إلى المناطق الفقيرة والنائية، بما فيها المخيمات الفلسطينية، وأذكر أني التقيت الصديقة هناء في بداية الفكرة، لأجد في زيارتي الأخيرة عدداً كبيراً من المتطوعين مع فكرتها والمتبرعين، فافتتحوا مكتبة في مخيم غزة، وشدني بقوة الحماس في عيون الشباب والشابات، وأتمنى وأنا أعود إلى الوطن ورام الله أن يكون هناك مبادرات رائعة مثل هذه المبادرة تنقل الكتب والثقافة والمكتبات إلى كل أنحاء وطننا المحتل، لتساهم في خلق جيل مفعم بالقراءة والثقافة، فالثقافة سلاح مقاوم ليس بالسهل، والوعي الذي يخلقه الكتاب لا يجب أن يستهان به.
أعود إلى رام الله والروح تحمل بعضاً من نزف مؤلم، ففي الأردن الجميل كان أسبوع الثقافة الفلسطيني الذي قامت به وزارة الثقافة الفلسطينية، ورغم الجهد المشكور، إلا أن هناك بعض من الملاحظات التي سببت لي النـزف والألم، ناقشتها مع بعض من أعضاء الوفد حين التقيتهم في عمّان الجمال.
الثقافة الفلسطينية ليست مجرد بعض من أمسيات شعرية لشعراء أكن لهم كل الاحترام، وليست مجرد عرض مطرزات وبعض الحرف التقليدية، وليست مجرد فرقة دبكة وبعض المحاضرات، وليست مجرد مسرحية سيكون لها حديث آخر، فهناك في شعبنا كتّاب القصة والرواية والمبدعون والمغنون والمطربون والفنانون أصحاب الرسالة، وهناك فرق فنية متميزة تروي الحكاية الفلسطينية، وهناك الفن التشكيلي بأشكاله، إضافة إلى ذلك هناك السينما الفلسطينية التي أصبحت متميزة ونالت العديد من الجوائز وشهادات التقدير، هذه السينما التي غابت تماماً عن الأسبوع الثقافي الفلسطيني، وكان لي الشرف أني كتبت مقالات قراءات نقدية عن حوالي أربعين فيلماً منها، نشر قسم منها في كتب وصحافة، وقسم ينتظر النور ليخرج في كتاب متخصص عن أفلام السينما الفلسطينية بعد استكمال الكتابة عن عدد آخر من الأفلام، وحين توفر إمكاناتي الذاتية لتحمل تكاليف الطباعة والنشر.
أما حول المسرحية ورغم احترامي للجهد المبذول بها، فكانت مسرحية إيطالية أخرجت ومُثلت من فلسطينيين في الجزء المحتل عام النكبة، تتحدث عن معاناة المسنين في الغرب في خريف العمر، فهل مسرحية مترجمة تمثل التراث الفلسطيني؟ ولمَ لمْ ينتبه أحد إلى الجهة التي دعمت هذه المسرحية مادياً ومعنوياً، علماً أن ذلك مكتوب على الكتيب الذي يُعرّف بالمسرحية؟ ولمَ لم ينتبه أحد إلى أن أول عرض لهذه المسرحية كان برعاية من؟ وهل فات على القائمين دور اثنين من الممثلين في مسلسل أساء للعرب والفلسطينيين عرضته القناة الثانية لتلفاز الاحتلال، وأثار هذا المسلسل ضجة ضده من أبناء شعبنا في الداخل؟ في الوقت الذي توجد به مسرحيات مميزة مثلت المعاناة والواقع والثقافة الفلسطينية، مسرحيات عُرضت في أجزاء الوطن الثلاثة يقف المرء أمامها بكل الاحترام، اعتمدت تاريخ شعبنا ووطننا وقدسنا ومعاناتنا تحت الاحتلال، وكُتبت بأقلام فلسطينية وأنجزت بإبداع فلسطيني.
أعود إلى رام الله التي أحبها وأتمنى أن تمنحني حباً بمستوى عشقي لها، فيدعوني القاص زياد خداش وإدارة مدرسة أمين الحسيني في حي الجنان في مدينة البيرة توأم رام الله الملتصق بها، أقدم عرضاً لفيلم (مفتوح مغلق) للمخرجة الفلسطينية ليانا بدر، فأفاجأ بتجربة متميزة وفريدة، نادي للمبدعين من الطلبة، يناقشون ويسألون بمستوى الكبار رغم أنهم طلاب صغار في الإعدادية، وسبق أن استضافوا كتاب وشعراء، فهل تعلم وزارة التربية والتعليم عن هذه التجربة المنفردة حسب حدود علمي؟ ولماذا لا تعمم وتنتشر في كل المدارس لخلق ثقافة ووعي لدي الجيل الذي يمثل أمل المستقبل؟ لقد ذكّرتني هذه التجربة بجيل عِظام من المدرسين الذين درّسوني وخلقوا في داخلي الوعي والثقافة وعشق الكتاب، فترحمت عليهم وتمنيت طول العمر لمن بقي منهم على قيد الحياة.
وبمجرد خروجي من المدرسة، فوجئت بالعديد من العربات العسكرية التابعة للاحتلال، تمر بالشارع الرئيس لضاحية سطح مرحبا التي شهدت بعض من طفولتي، فزاد احترامي لتجربة مدرسة أمين الحسيني التي تساهم بالوعي والثقافة في جيل المستقبل، الذي على يديه وبوعيه وجهده، لن نرى مشهد جنود الاحتلال وعرباته العسكرية المسلحة تنتهك وجه وطننا ومدينتنا الأجمل.
صباح آخر يا رام الله الهوى والعشق والجمال، تداعبني نسماتك وأنا أجول الدروب في هذا الصباح المبكر، يغمرني ضياء وجهك وروحك بالحب، أعود إلى صومعتي وأحتسي قهوتي مع الطيف البعيد القريب، أستمع لشدو فيروز وهي تشدو: (أؤمن أن خلف الحبات الوادعات تزهو جنات، أؤمن أن خلف الليل العاتي الأمواج يعلو سراج، أؤمن أن القلب الملقى في الأحزان يلقى الحنان)، فأهمس وأنا أنظر من خلف النافذة لرام الله، من خلف أزهاري والياسمينة وحوض النعناع، رام الله أحبك فأحبيني.. وليكن أنت والوطن والحلم.. صباحكم أجمل.[/justify]

توقيع [زياد جيوسي ]
زياد جيوسي
مدونة أطياف متمردة
http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com/
  رد مع اقتباس
قديم 28-10-2009, 02:23 PM   رقم المشاركة : [38]
زياد جيوسي
كاتب وشاعر: فلسطين
 

 
بيانات العضو




 


زياد جيوسي is on a distinguished road



أشجار خضوري باسقة كحلم الجامعة
بعدسة: زياد جيوسي





صباحكم أجمل

نَهيل نسمات كرمية
بقلم: زياد جيوسي


[justify]
هل يمكن للحنين أن يتوقف؟ كيف يمكن للشوق أن لا يشدني إلى أماسي شمال ضفتنا ونسماتها التشرينية؟ سؤالان جالا في خاطري وأنا أجول شوارع رام الله ودروبها في نهاية أسبوع عمل، قطفت بعضاً من ياسمينات متعربشة على الحيطان، تفيأت ظلال شجرتي المفضلة التي أسميتها بركة، فقررت التوجه للتمتع بالنسمات الكرمية، وكالعادة في التجوال حملت بعض الكتب، وآلة التصوير، وقليلاً من الملابس، وبعض الاحتياجات التي لا بد منها لغياب عدة أيام. ودّعت رام الله بحب ووعد بلقاء قريب.
اتجهت بي الحافلة شمالاً. كان الخميس منتصف تشرين. كنت ألصق وجهي بالنافذة أهمس لكل شجرة، ولكل صخرة: أعشقك يا وطني.. تخدش عينيّ مشاهد المستوطنات التي تعتلي قمم تلالنا المسلوبة، والمستوطنون الواقفون خلف الدشم الإسمنتية، وجنود الاحتلال في أبراجهم ومواقعهم المحصنة، والحواجز والدوريات العسكرية، فأهمس لروحي: لا بد أن يشرق الصباح الأجمل.

تضمني أماسي طولكرم بحب، فأتنشق عبقها رغماً عن أدخنة مجمعات القمامة في مدخليها، ورغماً عن سموم مصنع الكيماويات الإسرائيلي الذي زرعه الاحتلال بجوار الجدار. أجول الشوارع الكرمية مستذكراً أماسي ناعمة دافئة، وتاريخ مدينة طولكرم ودورها المميز في الجوانب الثقافية والأدبية، والشعراء والكتاب الذين أنجبتهم هذه المدينة الجميلة. أتأمل بعضاً من المباني التي ما زالت تحمل عبق التاريخ وحكايات الأجداد. أمر بجوار جامعة فلسطين التقنية (خضوري)، فأتذكر زيارتي لها في السنة الماضية وروعة اللقاء مع إدارتها وطلابها. أصل إلى بيت (وسيم) أخي الأكبر، فنقضي السهرة بالدفء الأسري، وأحدثهم عن شعوري بالألم من تقصير البلدية بإهمال التشجير والشوارع التي تمتلئ بالحفر والأتربة، فتحيل شوارع المدينة إلى لوحة شاحبة أكل عليها الدهر وشرب، حيث تحولت إلى بقايا صور وبعض من الذاكرة، فأسمع منهم ومن غيرهم من الأصدقاء في الأمسيات التالية الكثير من الشكاوى والقهر، فهلا التفتت وزارة الحكم المحلي لشكاوى المواطنين واستمعت منهم وراقبت الوضع عن قرب؟ سؤال يلح في الذاكرة من عاشق للوطن يحلم أن يراه دوماً أجمل.
الجمعة قضيته في لقاء أصدقاء، في المساء كنت ألتقي أحبة من طلاب خضوري، ضمنا مقهى جميل مرتفع يطل على المدينة من الأعلى، فأتاح لي فرصة التأمل في أحياء المدينة من خلال نظرة أكثر شمولاً. من نهار السبت قضيت قسماً منه في مدينة نابلس مدعواً إلى الغداء في بيت صديقي الشاعر محمد حلمي الريشة وأسرته الجميلة، وأطايب الطعام من تحت يديّ الأخت أم باسل والكنافة النابلسية الأصيلة الشهية المصنعة في البيت، لأعود في المساء إلى طولكرم وأنا أرقب غروب الشمس وأقرأ بعضاً من أشعار الريشة.
الأحد وفي العاشرة والنصف صباحاً كنت ألتقي جامعة فلسطين التقنية (خضوري)، لقاء شوق ومحبة، فأجول جنباتها مع طلبة يعشقون جامعتهم ومدينتهم، البعض منهم تخرج وما زال انتماؤه للجامعة كبيراً، أحتسي القهوة مع الأساتذة عامر ياسين وماهر قمحاوي، ومن ثم يرافقونني إلى قاعة محاضرات حيث رُتب لي لقاءً سريعاً مع الطلبة تجاوز الساعة، تحدثنا فيها عن الإبداع الأدبي والفني وتجربتي الطويلة في عالم الكتابة وآلة التصوير، وقد فاجأني تلفاز السلام المحلي باهتمامه بتغطية اللقاء وإجراء مقابلة معي، فشكراً لهم الاهتمام بمحافظتهم ومتابعة أخبارها، كما غطت الزيارة مشكورة وكالة معاً ببث خبر الزيارة واللقاء مع الطلبة ورئيس الجامعة.

بعد اللقاء مع الطلبة وجولة في رحاب الجامعة، كنت على موعد لقاء مع الأستاذ د.داود الزعتري رئيس الجامعة، وهو أول من حمل هذه الصفة في تاريخها، وحقيقة فوجئت بشخصيته الدمثة وروح الشباب التي تتملك روحه، فأكد لي اللقاء ما كنت قد سمعته عنه من الطلبة ومن أصدقاء من أهل المدينة، حدثوني عنه حين علموا أن لي زيارة للجامعة. كان لقاءً رائعاً ضم إضافة إلى رئيس الجامعة، د. سائد ملاّك نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية، ود. حلمي سالم مدير مراكز البحث، والأستاذ رشيد الراميني مدير العلاقات العامة، والطلبة شادي ورامي أبو شمعة وعبد الرحمن صباح، المشرفين على منتدى خضوري الإلكتروني مع زملاء لهم.
تحدث رئيس الجامعة عن أحلامه بتطوير أول جامعة حكومية، فأشار إلى جهود زملائه وتعاونهم في تحقيق الحلم، حلم جامعة تحمل إرثاً طويلاً منذ كانت الجامعة معهداً زراعياً متقدماً يحمل اسم (خضوري)، وأصبحت الآن جامعة تحمل اسم (جامعة فلسطين التقنية)، كما أشار إلى المشكلات التي تعانيها الجامعة خصوصاً أن الكل فيها يحلم بالعودة إلى وحدة أراضي الجامعة، فالجامعة وكما حدثني وكما تحدث الأستاذ رشيد الراميني تعاني من استلاب أراضيها، فهناك 200 دونم استولى عليها الاحتلال في سنة النكبة، وخمسون دونماً مصادرة لما عرف بمقر الارتباط العسكري، وسلطة الطاقة تستولي على مساحات أخرى وتحيلها إلى مستودعات، ووزارة الزراعة استولت على قسم من الأراضي، وجامعة النجاح أخذت قسماً كبيراً من أرض الجامعة بما فيها القسم الذي يحمل حجر الأساس، إضافة إلى مدرسة الصناعة، ومعاناة طلبة الجامعة كما أهالي المدينة من سموم مصنع الكيماويات الإسرائيلي، فهل سنجد آذاناً صاغية تعيد الحق للجامعة كي يمكنها التوسع والنمو وخدمة الوطن؟ وهل نجد اهتماماً أكبر بالجامعة كما فعلت جمعية أصدقاء خضوري الخيرية التي ساهمت ببناء مبنى سكن للطالبات، وساهمت بتشطيبات الطابق الثالث لمبنى الهندسة وغير ذلك من النشاطات الداعمة؟
انتهي اللقاء مع إدارة الجامعة ورئيسها بدون أن نشعر بالوقت، قدمت من خلاله لمكتبة الجامعة هدية، عبارة عن نسخة من كتابي فضاءات قزح، ونسخة من الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر محمد حلمي الريشة أرسلها معي هدية للجامعة، واعداً مكتبة الجامعة بتزويدها بكل ما يقدمه أصدقائي الكتاب والشعراء والمبدعين، وقبل لحظات الوداع خاطبني رئيس الجامعة بقوله: إن الجامعة تفتح أبوابها وقاعة مسرحها أمام الكتاب والأدباء والشعراء والفرق الفنية والمسرحية، لتساهم الجامعة بإعادة طولكرم بؤرة ثقافية متميزة، وإدارة الجامعة ترحب بالجميع، وتولي الطلبة والمنتدى اهتمام خاص، فودعته بحرارة وروحي تحمل في ثناياها احتراماً خاصاً لإنسان يحمل في داخله انتماءً رائعاً، لأزور بعدها بلدة إرتاح ومقام بنات يعقوب، أجولها وألتقط الصور لها.
وها أنا في رام الله في هذا الصباح الجميل، عيناي ترنو للقدس التي تستباح ويستباح فيها أقصانا، أعود إلى محبوبة تسكن مني الروح ولم تفارقني، واقعاً وطيفاً جميلاً، أستعيد ذكرى أماسي كرمية، ودفء خضوري، ونابلس وجيوس بلدتي، أحتسي قهوة الصباح مع النغمات الفيروزية (يا كرم العلالي عنقودك لنا، يا حلو يا غالي شو بحبك أنا)، فأهمس لطيفي ووطني ومدينتي.. صباحكم أجمل.

[/justify]
(رام الله 28/10/2009)

توقيع [زياد جيوسي ]
زياد جيوسي
مدونة أطياف متمردة
http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com/
  رد مع اقتباس
قديم 10-03-2010, 11:09 AM   رقم المشاركة : [39]
زياد جيوسي
كاتب وشاعر: فلسطين
 

 
بيانات العضو




 


زياد جيوسي is on a distinguished road


صباحكم أجمل/ آهات كسوانية


عدسة: زياد جيوسي

صباحكم أجمل/ آهات كسوانية
بقلم: زياد جيوسي

فترة مضت سرقني بها الوقت ولم أكتب مقالي صباحكم أجمل، فمنذ مقالتي "صباحكم أجمل/ نهيل نسمات كرمية"، أخذتني دواوين الشّعر ونصوص التناص التي مازجت بها روحي بين نثري وشِعر الشعراء، فكنت أسكب فيها عشقي للوطن، الحب، وتحليقي في عالم الجمال، حتى كان الأسبوع الفائت، فأثارت بعض من أحداثه روحي للتجوال في الصباحات الأجمل، فقد زارتني الكاتبة الفلسطينية الجذور والانتماء ديانا سليم، قادمة من أستراليا حيث تقيم لزيارة الداخل الفلسطيني، حيث أهلها واللد مدينتها، ورتبت يوماً لرام الله، ففاجأتني ذات صباح مبكر بالاتصال: وصلت رام الله وأنتظرك، لنقضي يوماً في التجوال في رام الله ولقاء الكُتاب والأصدقاء، الذين تجمعنا رام الله الجميلة معاً، فكانت فرصة للقاء والحوارات الجميلة، والتجوال في رام الله التي سطعت شمسها بذلك اليوم بعد فترة من تساقط الأمطار وسيطرة الأجواء الباردة، وكأنها تحتفي بضيفتها الروائية، وحين غادرتنا بالمساء، كانت روحها باقية معنا، محلقة من خلال ثلاث روايات من إبداعها أهدتني إياها "تراتيل عزاء البحر"، و"الحافيات"، و"الحلم المزدوج"، لأقضي الليلة في القراءة.


الخميس الفائت الرابع من آذار، كنت مدعواً لبلدة الجيب، والتي سبق أن كتبت عنها مرتين. لقاء نظمه رئيس مركز التنمية الريفية الأخ أحمد المصري للعديد من الضيوف وممثلين عن وزارة السياحة والآثار، في محاولة أخرى من محاولاته للفت النظر للجيب وما تعانيه، فألقيت كلمة تحدثت فيها عن قصتي مع الجيب وتراثها والتاريخ، مرفقاً الحديث بعرض للصور التي التقطتها عدستي أثناء زيارتي الأولى، وأنهيت الحديث بالقول: أنا لا أمتلك بالجيب أو بالوطن كله متراً من الأرض، لكني أمتلك الوطن بأكمله، وما أسعى من أجله من خلال القلم وعدسة التصوير، أن أدق على جدران الخزان لعل أحداً يسمع، وبعد تناولنا الغداء المكون من وجبة تراثية رائعة، وجبة (العصيدة) الشعبية، همس بأذني صديقي الذي التقيته بالجلسة بدون ترتيب مسبق، د. سعادة الخطيب قائلاً: ما رأيك أن نحاول الدخول إلى بلدتي بيت إكسا؟ رغم أنها ستبقى محاولة ولا أعرف إن كان سيسمح لنا حاجز الاحتلال بالدخول أم لا، فالحاجز يحاصر البلدة ولا يسمح لغير سكانها بالدخول؟ فوافقت فوراً وقلت له: عدستي وقلمي معي، ولعل هذه الرغبة القديمة تتحقق.
ركبنا عربته المتواضعة، هو وأحد أبناء بلدته، رافقتنا الفنانة التشكيلية حنان حرز الله، والتي أبدت رغبة كبيرة بالزيارة معنا، واتكلنا على الله مارين بعدة بلدات حتى وصلنا للحاجز الاحتلالي، وكان حظي كبيراً بعدم اعتراضي ومنعي من الدخول مع صحبي، ولعل الشيب الذي يغزو مفرقي ومكان الولادة في الشتات ساهم أيضاً بالدخول، وما أن أطللنا على مدخل البلدة حتى كنت أمارس إزعاجي المعتاد لمن يرافقني، فكلما سارت العربة خطوات كنت أناديه أن يقف وأقفز من السيارة لالتقاط الصور، حتى وصلنا إلى قلب البلدة القديمة، فأوقف عربته، وبدأنا التجوال على الأقدام، وحقيقة بمجرد أن أرى المباني الأثرية والقديمة، تتألق روحي، وتلقي عن أكتافي خمسة وثلاثين سنة، لأجد نفسي شاباً في العشرين من العمر، يتقافز بين الأزقة والمباني، يتسلق بدون وعيٍ الجدران والأسوار، لا تتوقف عدستي عن التقاط الصور، حتى أن صديقي د. سعادة اضطر أن يشدني أكثر من مرة، خوفاً عليّ من الوصول للمناطق التي تواجه الانهيارات، فهو يعرف الأمكنة أكثر مني بكثير، فهو ابن البلدة ويسعى دوماً من أجل لفت الأنظار إليها، العمل من أجل دفع الجهات المعنية لترميم هذه الآثار التي تروي الحكاية، حكاية شعبنا منذ القديم.
تقع بيت إكسا شمال غربي القدس، وكم تألمت روحي وأنا أنظر من تلالها للقدس، بقايا بلدة لفتا ودير ياسين، ونحن محرومين من الوصول للقدس، وأرى مساحة الاستيطان التي تحتل مساحات القدس وتحاول أن تخلق واقعاً جديداً هناك، فأذكر وأنا أنظر إلى القدس القائد صلاح الدين الأيوبي الذي أتخذ من بيت إكسا مركزاً لقواته ومركزاً لكساء القوات ولباسها، ويقال إن اسمها جاء من روايتين، مركز بيت الكساء لقوات صلاح الدين، وفي رواية أخرى أنها سميت نسبة لشخص اسمه إكسا قدم إليها في القديم من بلاد الشام وسكنها، وكان بيته مطلاً على طريق مرور المسافرين، وكان كريماً ومضيافاً فحملت المنطقة اسمه، لكن المهم أن بيت إكسا بموقعها المطل على القدس وعلى الشارع الذي يصل إلى يافا، تتعرض باستمرار لمضايقات الاحتلال، فكثير من أراضيها جرت مصادرتها، والمستوطنات تحيطها، وكان هناك مخطط لضمها داخل الجدار البشع، لكن بسبب تشبث سكانها بها لم يضمها الاحتلال، وإن واصل المضايقات عليها ووضع حاجزاً على مدخلها يمنع المواطنين من الدخول، إلا لمن يحمل بطاقة هوية مكتوب فيها أنه من بيت إكسا، في محاولة مستمرة للتضييق على السكان ودفعهم للهجرة.


قلعة آل الخطيب كانت من أهم الآثار التي تجولنا فيها، قلعة تعاني من الإهمال رغم أنها شاهد التاريخ وراوية الحكاية، فقد بنيت في العام 1832م وبقيت مسكونة حتى العام 1967م، حيث كانت مقراً في البدايات من عمرها للشيخ عبد القادر الخطيب، الذي كان ملتزم الضرائب للخلافة العثمانية، وهي قلعة ضخمة واسعة المساحة، تحمل تقسيماتها نظام العيش للأسر الفلسطينية، فهي مقسمة إلى غرف ومقرات مختلفة، قسم منها للسكن وقسم للضيافة ومساحات أخرى للخيول والمواشي، مواقع تخزين الطعام التي كانت تسمى الخوابي. كنت والفنانة التشكيلة حنان حرز الله مأخوذين بهذه المشاهد، فلم أتوقف عن التصوير، والسؤال لمضيفنا د. سعادة، وكانت بعض من الإشراقات الفنية قد بدأت بالتفاعل في روح الفنانة، فبدأت تهمس ببعض الأفكار، ورغم حجم الدمار والخراب بفعل الإهمال وعوامل الزمن، إلا أننا تجولنا رغم صعوبة التجوال بسبب الحجارة المنهارة، والأعشاب والشوكيات النامية بارتفاع يعيق الحركة، إلا أننا كنا مأخوذين بما نراه، فتجاوزنا كل هذه العقبات، وأكملنا الجولة بعد القلعة في العديد من المباني القديمة والتراثية، ولسان الحال يقول: إلى متى ستبقى هذه المواقع مهملة ولا يجري ترميمها؟ فترميم هذه المواقع واجب وطني كبير، وبالتأكيد فإن اهتمام أهل البلدة بمتابعة ذلك مسألة في غاية الأهمية، وقد لفت نظري حديث لأكثر من شخص من أهل البلدة عن ابن لبلدتهم اسمه زهير جبران، يعطي أهمية كبيرة لأهالي بلدته، فهو يقوم بتدريس سبعين طالباً في الجامعات ويساعد عشرات العائلات المحتاجة، ويتحمل عبء أربعة حافلات تحمل من أهل البلدة للحج والعمرة، إضافة إلى صرفه مكافأة لكل مدرس من أهل البلدة بمقدار ألف دولار سنوياً، لكي يشجعهم على الاهتمام أكثر بطلاب البلدة، إضافة إلى بنائه مدرسة ومسجد، وغير ذلك من الأعمال الحافلة بالخير لأهل بلدته، فشكل من خلال ذلك رغم إقامته بالخارج أنموذجاً طيباً للانتماء للبلدة والأهل والأرض، ولعلي تمنيت حين سمعت ذلك أن نجد في كل بلدة من بلداتنا من يقتدي به ويعمل من أجل أهله ووطنه.

في المساء وفي موعد الغروب، كنا نغادر بيت إكسا، لنقف باندهاش أنا والفنانة حنان أمام عدة أشجار تاريخية بالغة القدم، جرى الاهتمام بها من أهل البلدة وتسويرها، فشعرت بها تهمس لنا الحكاية، حكاية شعب راسخ الجذور كتلك الأشجار، ملتزم أن لا يغادر وطنه، متحمّل كل قسوة الاحتلال، يرنو إلى السماء ويتشبث بالأرض، يحلم بيوم حرية..
صباح آخر لرام الله، أحتسي قهوتي، أهمس لطيفي البعيد القريب وروحه تحلق في صومعتي، لا بد من حرية الوطن، لا بد من اللقاء، أرقب المدينة من النافذة، أبتسم ليوم جديد، أستعيد رحلتي لبيت اكسا، فأشعر بالآهات الكسوانية ما زالت تنسكب بأذني وروحي، ملتقى القصة القصيرة جداً عبر اليومين الماضيين التي شاركت بكل جلساته مع مؤسسة أوغاريت، لقائي منذ مساء الأمس حتى بعد منتصف الليل مع صديقي الشاعر طلعت شعيبات قادماً لزيارتي ورام الله والأصدقاء، فيروز تشدو: (لنا مكان مغمس حيث المروج سندس، في مرتمى أشجاره يهيم صفو مشمس، جئناه واللحن سكيب والشذى مكدس، بحنا فلا الورد حكى ولا شكانا النرجس).
صباحكم أجمل.
(رام الله 10/3/2010 )

http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com

http://www.arab-ewriters.com/jayosi

توقيع [زياد جيوسي ]
زياد جيوسي
مدونة أطياف متمردة
http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com/
  رد مع اقتباس
قديم 12-05-2010, 05:20 PM   رقم المشاركة : [40]
زياد جيوسي
كاتب وشاعر: فلسطين
 

 
بيانات العضو




 


زياد جيوسي is on a distinguished road


صباحكم أجمل/ الأسيرة ووادي النطوف



مقام القطرواني وبقايا كنيسة كاترينا البيزنطية بعدسة: زياد جيوسي



صباحكم أجمل/ الأسيرة ووادي النطوف
بقلم: زياد جيوسي

صحوت مبكراً صباح أمس كالعادة رغم أن السبت عطلة أسبوعية، ففي مساء أول أمس، فاجأتني الصديقة الطيبة هالة كيله وهي عضو بالهيئة الإدارية لجمعية الروزنا في بيرزيت، بدعوة لرحلة سيكون معظمها سيراً على الأقدام، وهي بعض من فعاليات مهرجان الربيع من برامج جمعية الروزنا، في رحلة تجوال في بعض المناطق القريبة من بيرزيت للتعرف إلى الوطن والطبيعة ومعانقة التاريخ. هذه الجمعية المهتمة بتطوير التراث المعماري والحرفي في بيرزيت، جمعية أهلية غير ربحية، بدأت فكرتها تتمحور في العام 2006 من خلال مجموعة من أبناء بيرزيت من أصحاب البيوت والأحواش في البلدة، إضافة إلى أصحاب خبرات في مجالات مختلفة ومهتمين بتنمية البلدة القديمة بشكل خاص والريف الفلسطيني بشكل عام. لإحداث تراكم تنموي للريف من خلال دراسات وفعاليات ونشاطات لإعادة تأهيل وإحياء التراث المعماري والحرفي، بهدف المحافظة على ميراثنا الثقافي والمعماري الذي هو هويتنا وحضارتنا، وتحويل البلدة القديمة في بيرزيت إلى جسم نابض حي، وذلك من خلال التنمية الريفية السياحية، وضخ الحياة في الأحواش والبيوت والعليات والساحات، لإعادة جذب السكان وتشجيع التنمية والاستثمار في البلدة، ومن ثم إكسابها مكانه دائمة على خريطة فلسطين السياحية.
احتسيت قهوتي وسرت في دروب رام الله أستنشق الياسمين متجهاً إلى بلدة بيرزيت. قبّلت رام الله مودعاً، ولكن روحها رافقتني، وفي بيرزيت هذه البلدة العريقة تجولت قليلاً والتقطت بعض الصور، فقد وصلت مبكراً وشدتني العراقة فيها، هامساً لها: أيا بيرزيت سيكون لي معك جولة خاصة في رحابك ودروبك وعبق تاريخك الجميل، لأصل نقطة التجمع وألتقي مع منظمي الرحلة والحضور الذين سيشاركوننا الرحلة. احتسينا القهوة وصعدت إلى الحافلة الأولى التي ستكون مقدمة المسيرة من بين أربع حافلات ستشارك في برنامج اليوم، ولكل حافلة قائد يشرح عن أماكن التحرك ويعطي التعليمات، وكان قائد رحلتنا السيدة تيدي وهي امرأة في غاية اللطف وخفة الروح، فأضفت على أجواء المسير طابع لطيف وطيب.

مقام الأسيرة بعدسة: زياد جيوسي



تحركت بنا الحافلة لتعبر جسر عطارة إلى حديقة مقام القطرواني، ومن هناك كنا نطل على الساحل في البعيد، تداعبنا النسمات الغربية وعبق البحر السليب، فتجولنا في الحديقة والمقام وبقايا آثار لكنيسة كاترينا البيزنطية التي لم يبق منها إلا بقايا أعمدة، ثم إلى موقع مقام الأسيرة مقابل بلدة بيتللو، وهو بيت قديم مهدم، تقول الأسطورة إن امرأة عشقت رجلاً في تلك المنطقة، فحبسها أهلها حتى ماتت، ونبتت الأشجار كثيفة تلتف حول المكان، وراجت أسطورة أخرى أن من يكسر غصناً من تلك الأشجار يصاب بلعنة الأسيرة، فرأيت جذع شجرة ممتداً على سطح الأرض ضخماً سميكاً ضارباً في العمر والتاريخ، وفي الأسطورة أيضاً أنه كان منتصباً، لكنه حزناً على العاشقة الأسيرة نام أرضاً وبقي هناك يتألم وينـزف قطرات الصمغ وكأنها دموع على شهيدة الحب.

مقام النبي غيث بعدسة: زياد جيوسي



تحركنا إلى بلدة بيتللو التي تقع إلى الشمال الغربي من رام الله، ويعتقد أن اسمها تحريف لكلمة بيت إيلو بمعنى بيت الله، وذكرت في العهد الروماني باسم (اللون)، ودعاها الفرنجة في العصور الوسطى باسم (بيت الله)، وتحيط بها أراضي قرى كوبر، المزرعة القبلية، عابود، دير عمار. تحتوي القرية على محاجر ومدافن في الكهوف، وفيها خربتان أثريتان هما: خربة كفر فيديا وكفر صوم، تضمان جدران أبنية مهدمة، ومنها إلى دير عمار الملتصقة بها، وتحيط بها أراضي: جمالا، وخربثا المصباح، ورأس كركر، والمزرعة القبلية، والجانية، وكفر نعمه. يقع إلى الجنوب منها خربة الميدان، وتحتوي على جدران متهدمة وأساسات وصهاريج منقورة في الصخر، كما يجاورها قرى خربة الشونة، وخربة الدكاكين، حيث نزلنا من الحافلات في دير عمار كي نلتقيها بعد الظهر في عيون الزرقاء، وبدأنا في العاشرة والنصف صباحاً رحلتنا سيراً على الأقدام لنتسلق طريقاً زراعية صعوداً إلى جبل النبي غيث أو جبل الأرواح كما تسميه الأساطير، حيث مقام غيث بين الأشجار الصنوبرية على رأس الجبل، والمقام قديم وأعتقد أن عمره حوالي خمسة قرون، وهو نسبة لرجل متعبد سكن قمة الجبل وزرع بعض الأشجار الصنوبرية، وبعد وفاته أصبح مكان إقامته مقاماً يزوره الناس تبرّكاً حتى أطلقوا عليه اسم النبي غيث، وفي فترة ما بعد النكبة والوحدة مع الأردن قام الجيش بتشجير قمة الجبل، لكن الأهالي احتجوا على زرع الجبل بأكمله خوفاً على أراضيهم الزراعية، وبقيت القمة مشجرة بأشجار جديدة حول القديمة، واستغلت أسطورة مقام الأسيرة، وأُشيع أن من يمس الأشجار يغضب عليه النبي غيث، فنمت الأشجار وأصبحت غابة على قمة الجبل الأجرد الحواف وكأنها قبعة خضراء.

الطبيعة في وادي النطوف بعدسة: زياد جيوسي



ثم هبطنا من هناك في الاتجاه المعاكس لصعودنا الجبل إلى وادي النطوف لنتجه حوالي سبعة كيلومترات باتجاه عيون الزرقاء، في واد ساحر الطبيعة والجمال، كل أشجاره وصخوره تتحدث عن عبق التاريخ، فهذا الوادي الذي يمتد مسافة طويلة يحمل اسمه نسبة إلى الحضارة النطوفية في العصر الحجري الأوسط والتي تمتد ما بين ثمانية ألآف إلى أربعة عشر ألف عام قبل الميلاد، وهي الحضارة التي انتقلت من مرحلة الصيد إلى مرحلة الزراعة والاستقرار، وقد اكتشفت آثار هذه الحضارة العام 1928 على يد المنقبة دوروثي غارود في الكهف المعروف باسم (مغارة شقبا)، وتعتبر هذه الحضارة الخطوة الأولى في مرحلة بناء المجتمعات الزراعية في بلاد الشام، وأثناء سيرنا هذه المسافة كنت أرى في المزارعين أبناء المنطقة تاريخ المنطقة وروح الوطن، وأنظر إلى جنبات الوادي وصخوره الهائلة والكهوف المتناثرة فيه، وأشعر بأرواح الأجداد تجوله. تنظر إلينا وتهمس: الأرض لنا ونحن من حفرنا الصخور وزرعنا الأشجار ونثرنا بذار القمح والشعير، فواصلوا المسيرة، فهي أرضنا نحن وليست للغرباء.
آثار في وادي النطوف بعدسة: زياد جيوسي




من العاشرة والنصف حتى بعد الثانية عصراً واصلنا المسيرة في حالة تناغم مع الطبيعة والجمال، بقايا أثارات قديمة، وعيون ماء منعشة، وبرك ماء تستخدم للزراعة (لكن المؤسف له أن من مروا من هناك لم يهتموا بالنظافة، فوجدت في كل موقع بقايا الأطعمة والورق وعلب فارغة، فهل من يمر لا يفكر أن هذه الأرض لنا جميعاً وأن عليه المحافظة على نظافتها؟) حتى وصلنا إلى عيون الزرقاء لنرتاح، ويتناول من يرغب الطعام من مأكولات تقليدية وشعبية أعدها بعض من أبناء المنطقة بأسعار معقولة، ونتحدث ونستمع إلى عزف العود لأحد الشباب الذين رافقونا المسير قبل أن تغادر مجموعتنا المكان عائدين إلى بير زيت في الثالثة عصراً، فأنظر إلى بقايا سيل الماء بعد استيلاء الاحتلال على عيونه وأهمس لنفسي: لا بد من أن تعود عيون الماء قوية من جديد كما كانت عبر التاريخ.
وها أنا في هذا الصباح الجميل، أقف إلى نافذتي وحوض النعناع وأحتسي القهوة بعد أن تجولت بين عشرات الصور لهذه الرحلة بعدستي، أستمع وطيفي لفيروز وهي تنشد: (تبقى بلدنا بالحمام مسيجة، ويضحك عهالعلوات غيم بنفسجي، ولما على بنياتها يهب الهوى، يصير الهوى عأبوابهن يروح ويجي)، وأحلم بغد أجمل وصباح أجمل، وأهمس بيني وبين نفسي: شكراً للروزنا، كم رائع أنت يا وطن!


(رام الله 2/5/2010)


http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com

http://www.arab-ewriters.com/jayosi


توقيع [زياد جيوسي ]
زياد جيوسي
مدونة أطياف متمردة
http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com/
  رد مع اقتباس
إضافة رد

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رهان مع الشيطان1(قصة في حلقات) زياد صيدم ملتقى .. وابل من حـروف 22 17-02-2010 05:36 PM
هي لله ام للوطن ام للسلطه احمد عصفور ملتقى ...المقال 1 30-09-2009 02:48 PM
عندما يرقصُ الشهيق / نصوص قصيرة جدا عمر حمّش ملتقى .. القصة القصيرة 10 26-07-2009 09:12 PM
نصوص محمدالزهراني ملتقى : همس المشاعر (متحرر من الأوزان) 6 25-10-2008 03:20 PM



الساعة الآن 09:24 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.2
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.

هذا الموقع تحت حماية وتطوير شركة لاين العربية