همسة إدارية .. ...... أخي الزائر الف مرحباً بك ،الآن بإمكانك مشاركتنا الرأي وإبداء رأيك والمشاركة على كل المواضيع في الملتقى بدون الحاجة للتسجيل وإذا أردت التسجيل إنظر لمتلقى الوزار في الأسفل وشكراً لكم .. شاكرين حسن تعاونكم ... .......
« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: بدون مؤاخذة - الثقافة ونشر الكتب (آخر رد :أبو صالح)       :: الصمت البليغ في اليوم السابع (آخر رد :جميل السلحوت)       :: بدون مؤاخذةالثقافة والذاكرة المفقودة (آخر رد :أبو صالح)       :: موقف المثقف ما بين حكمة الأمير وفلسفة الصعلوك (آخر رد :أبو صالح)       :: بدون مؤاخذة- ثقافة الخوف من النجاح (آخر رد :أبو صالح)       :: بدون مؤاخذة- الثقافة من دمار الى خراب (آخر رد :أبو صالح)       :: بدون مؤاخذة- مؤسساتنا الثقافية وكبار السّن-1- (آخر رد :أبو صالح)       :: مفاوضات عبثية بلا دور عربي !! (آخر رد :أبو صالح)       :: النمل الفارسي (آخر رد :أبو صالح)       :: ما الفرق بين شعب الرّب وبين شعب الله المُختار (آخر رد :أبو صالح)      


 

العودة   ملتقى أدباء ومشاهير العرب > المنتديات العامة > ملتقى: جرائم النظام السوري
 

 

 


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-10-2011, 08:54 PM   رقم المشاركة : [11]
نافع العطيوي
الإدارة
 

 
بيانات العضو




 


نافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really nice

درع ملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 1 (الـمـزيـد» ...)

أهلي، أين هم الآن؟ ماذا يفعلون؟ بماذا يفسرون غيابي طوال هذه الفترة؟ ماذا فعلوا ليعرفوا أين أنا ؟... وأين ولماذا اختفيت ؟... أبي وأمي يعيشان هنا وكانا ينتظران وصولي... أنا لم أصل إلى البيت، إذاً أين أنا؟؟ يجب أن يكون هذا تساؤلهما الرئيسي!.
أبي ضابط متقاعد وله معارفه، وكذلك خالي فهو يملك بعض النفوذ، وبعض الأقرباء الآخرين، لماذا لم يتحركوا حتى الآن لانتشالي من هذا الجحيم؟... ولكن ما أدراني!! قطعا إن جميعهم الآن يتحركون ويسعون.
هذه الأفكار أشعرتني ببعض الأمل!.
أحتاج إلى شخص أحادثه عن كل هذه الأمور، أسأله، أبثه همومي. أنظر حولي فتصدمني الوجوه المغلقة، أكثر من نصف عام مرّ على مقاطعتهم لي، فقط بضع كلمات من رئيس المهجع عند الضرورة، وبضع كلمات من زاهي خلسة. فمي مطبق لا يفتح إلا أثناء إدخال الطعام. أحس أن لساني قد بدأ يصدأ. هل يمكن للإنسان أن ينسى عادة الكلام إذا لم يتكلم لفترة طويلة؟. يجب أن أتكلم حتى لو مع نفسي وليقولوا أنني مجنون!!.
لا أستطيع أن ألمس شيئاً من أشيائهم، أجسادَهم. مرةً كنت ماشياً باتجاه المغاسل فاصطدمت يدي بيد واحد منهم كان عائداً من المغاسل، رجع واغتسل ليتطهر. إذا استخدمت حنفية الماء فإن من يأتي بعدي يغسلها بالصابون سبع مرات، لأنني ببساطة "نجس". مرةً سمعت واحداً يقول للآخر بأنه لا يكفي أن يغسل الحنفية بالصابون سبع مرات، إنما يجب أن يكون لدينا بعض التراب... لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :
"إذا ولغ كلب في إناء ، فاغسلوه سبع مرات إحداها بالتراب."
من يقوم بتوزيع الطعام يضع الطعام لي أمام فراشي ويتحاشى أن يلمس بطانيتي أو ينظر إلي، كانوا يتكتمون أمامي! ولكن رغم ذلك استطعت أن أعرف الكثير عن حياتهم الداخلية ووسائل عيشهم وأساليبهم داخل السجن.
الصلاة
الصلاة ممنوعة منعاً باتاً بأوامر مدير السجن. عقوبة من يقبض عليه متلبسا بجرم الصلاة هي " الموت "، رغم ذلك فإنهم لم يكونوا يفوتون ولا صلاة واحدة. صلاة الخوف، يوجد شيء من هذا في الإسلام، ولكن هنا طوروها بحيث أن الإنسان يصلي وهو جالس في مكانه أو في أي وضعية أخرى، دون ركوع أو سجود. إدارة السجن عرفت هذا أيضاً، ويتناقلون حديثاً لمدير السجن قاله أمام السجناء الشيوعيين، ودائماً حديث مدير السجن أشبه ما يكون بالمحاضرات أو الخطب، خاطب الشيوعيين قائلاً:
- هؤلاء الكلاب ... الإخوان المسلمون، البارحة فقط أمضيت أكثر من نصف ساعة وأنا أشرح لهم وأفهمهم أن القومية أهم من الدين، ولكن هل تتصورون أنهم اليوم عادوا يصلون !!! عجيب أمر هؤلاء الناس !! لماذا ذهنهم مغلق إلى هذه الدرجة ؟!.
الاتصال
(32)
جميع المهاجع ملتصقة ببعضها، كل مهجع ملتصق بمهجعين آخرين من اليمين واليسار، وأحياناً من الخلف أيضاً، وهذا الأمر سهّل الاتصال بين السجناء كثيرا، ويكون ذلك بالدق على الحائط حسب طريقة مورس، دقة على الحائط ... دقتان ... دقة قوية ودقة ضعيفة... نفس رموز البرقيات التي ترسل وفق طريقة مورس.
كل ما يجري داخل السجن، الدفعات الجديدة، من مات، عدد الذين اعدموا وأسماؤهم، الأخبار خارج السجن والتي ينقلها السجناء الذين جاؤوا حديثاً، كل هذه الأشياء كانت تنتقل عبر المهاجع وفق رموز المورس، وفي كل مهجع مجموعة مخصصة لتلقي وإرسال تلك الرموز، تقف خلفهم مجموعة الحفظة.
بدأ الحفظ منذ بداية "المحنة " كما يسميها الإسلاميون، كان الشيوخ الكبار يجلسون ويتلون سورَ وآياتِ القرآن على مجموعة من الشباب، وهؤلاء يظلون يكررونها حتى يحفظوها، وهكذا تولدت آلية الحفظ هذه، لم يبق أحد في المهجع إلا وحفظ القرآن من أول حرف إلى آخر حرف، ومع كل دفعة جديدة كانت تبدأ دورة جديدة، ولاحقاً تطور الأمر باتجاه آخر، يتم انتقاء مجموعة من الشباب صغار السن يحفظون إضافة الى القرآن وأحاديث النبي محمد ... ما يمكن تسميته بسجل السجن، أسماء كل من دخل هذا السجن من الحركات الإسلامية. "في مهجعنا شاب لم يبلغ العشرين من عمره، يحفظ أكثر من ثلاثة آلاف اسم، اسم السجين، اسم مدينته أو بلدته، قريته، تاريخ دخوله السجن ... مصيره!!." بعضهم متخصص بالإعدامات والقتل، وهم يسمون كل من يقتل أو يعدم في السجن شهيداً، وهذا سجل الشهداء. أيضا يحفظون الاسم، عنوان الأهل، تاريخ الإعدام أو القتل.
أعجبت بهذه الطريقة وأخذت أدرب نفسي عليها، وبعد أن امتلكت القدرة الكافية قررت كتابة هذه اليوميات، أكتب الجملة ذهنيا، أكررها... أحفظها، أكتب الثانية... أحفظها، في آخر اليوم أكون قد كتبت وحفظت أهم أحداث اليوم، واكتشفت أنها طريقة جيدة لشحذ الذهن وتمضية الوقت الطويل في السجن، وفي صباح اليوم التالي أتلو كل ما حفظته البارحة.
عرفت لاحقا أن ما حفظ حياتي هو أنهم ليسوا مجموعة واحدة، فبالإضافة للمتشددين الذين حكموا علي بالموت، يوجد التنظيم السياسي وهو تنظيم لم يحمل السلاح ولم يشارك بالعمليات العسكرية، وهناك جماعة التحرير الإسلامي وهم جماعة مسالمة ومنهم الشيخ محمود وزاهي اللذان أنقذا حياتي، وكذلك جماعات الصوفية وهي كثيرة ومتشعبة... وغيرهم.
هذه المجموعات بقدر ما كانت تبدو متماثلة ومتشابهة، يختلف بعضها عن بعضها الآخر إلى درجة أن هذه الخلافات كانت تصل إلى حد التكفير، إلى حد الاصطدام والاشتباك بالأيدي والضرب المبرح دون رحمة أو شفقة.
هم قساة إلى درجة أن بعض أعضاء الجماعة المتشددة كانوا يروون كيف أنهم أنهوا تدريبهم العسكري ببيان عملي قتلوا خلاله بعض "الزبالين" في الصباح الباكر أثناء قيام هؤلاء بتنظيف الشوراع، وكان هذا مجرد تدريب أو "عمادة بالدم". هؤلاء أنفسهم يتحولون إلى كائنات في منتهى الرقة و يبكون عندما يروي قادم جديد أن أجهزة المخابرات كانت تعذب طفلاً صغيراً أمام والده أو والدته لإجبارهم على الاعتراف، أو كيف تم اغتصاب إحدى الفتيات أمام والدها لإهانته وإذلاله وإجباره على الإدلاء بما يملك من معلومات.
(33)
شجاعتهم أسطورية في مواجهة التعذيب والموت، وخاصةً لدى فرق الفدائيين، وقد رأيت أناساً منهم كانوا يفرحون فرحاً حقيقياً وهم ذاهبون للإعدام. لاأعتقد أن مثل هذه الشجاعة يمكن أن توجد في مكان أخر أو لدى مجموعة بشرية أخرى.
هناك الكثير من الجبن أيضاً، ولكن الجبن لا يلفت النظر بقدر الشجاعة. ففي ظل هذا الوضع يبدو الجبن والخوف طبيعيين والشجاعة استثنائية. ولكن هنا عندما يكون الجبن مبالغاً فيه يعزى إلى قلة الإيمان بالله.
" كسلحفاةً أحست بالخطر وانسحبت داخل قوقعتها، أجلس داخل قوقعتي.... أتلصص، أراقب، أسجل، وأنتظر فرجاً".
31 أب
صيفان وشتاء واحد مروا وأنا هنا وسط هذه الصحراء المترامية، هنا لا توجد فصول أربعة، فقط فصلان، صيف وشتاء، ولا ندري أيهما أشد قسوة من الآخر، في الصيف يبدو الشتاء رحيماً، وأثناء الشتاء نحس العكس.
نحن الآن في عز الصيف. الجو لاهب، لا يوجد هواء لنتنفسه، الهواء ثقيل جدا بحيث نحتاج إلى جهد كبير لشفطه إلى داخل الرئتين، وهذا يجعل عرَقنا يسيل سيلاً، سمعت بعضهم ممن يعرف المنطقة سابقاً يقول إن درجة الحرارة قد تصل الخمسين أو حتى ستين درجة مئوية في الخارج، وفي الظل داخل المهجع لا تقل عن الخمسة وأربعين درجة مئوية، تأفف أحدهم:
- العمى ... شو نحن مسجونين بفرن !!.
بعض كبار السن قضوا اختناقا، رئيس المهجع يدق الباب ويخبر الشرطة بموت أحدهم، يفتحون الباب، ويبدو صوت الشرطي سائلاً من شدة الحرارة:
- وين هادا الفطسان ؟... يالله ... زتوه لبره.
يحتال رئيس المهجع لإبقاء بعض أواني الطعام البلاستيكية داخل المهجع ومنذ الصباح الباكر وقبل استيقاظ الناس تقوم الخدمة اليومية بملء الأواني بالماء، جميع السجناء بالسراويل الداخلية التي تغطي " العورة " فقط، من السرة إلى الركبة، يدخل أربعة سجناء إلى الفسحة الصغيرة أمام المراحيض، يقوم أربعة من عناصر الخدمة اليومية "وهذه الخدمة منظمة دورياً من السجناء أنفسهم، أنا معفى من كل أنواع الخدمة !" بصب الماء على رؤوس وأجساد الأربعة، ويخرج هؤلاء سريعاً والماء يقطر منهم، يدخل أربعة غيرهم ... وهكذا.
ستة بطانيات مبللة بالماء، كل بطانية يمسكها اثنان من الخدمة، يقفون على مسافات متساوية داخل المهجع، يهزون البطانيات جاعليها كمراوح لتحريك الهواء وترطيب الجو، هذا هو اليوم الصيفي العادي.
أما اليوم الشتائي فهو يوم منكمش، ثياب الجميع قد تهرأت ولا يمكن أن تقي من البرد الصحراوي الحاد الذي ينخر العظام ويجمد المفاصل، ثلاثة بطانيات تعاقبت عليها الأيام واستخدمها قبلي مئات السجناء، ألبس بذلتي الباريسية الأنيقة، السترة والبنطال وكان الشرطة قد صادروا "الكرافات"، سترة البذلة لا زالت بحالة جيدة، أما البنطال فقد اهترأ عند الركبتين وفي المؤخرة، السحاب قد خرب وتقطعت الأزرار، ألبسه ليلاً نهاراً وعلى مدار الأيام، وقد نَسلت بعض الخيوط من البطانية وجدلتها وجعلتها حزاما أثبت فيه البنطال بدلاً من الأزرار -
(34)

توقيع [نافع العطيوي]

إذا ذكر اسم الله في بلدٍ = عددت أرجاءه من لب أوطاني

وإذا شكا مسلمٌ بالصين أراقني = وإن بكى مسلمٌ في الهند أبكاني
مصر ريحانتي والشام نرجستي = وبالجزيرة تاريخي وعنواني

  رد مع اقتباس
قديم 01-10-2011, 08:57 PM   رقم المشاركة : [12]
نافع العطيوي
الإدارة
 

 
بيانات العضو




 


نافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really nice

درع ملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 1 (الـمـزيـد» ...)

والسحاب، "شاهدت غيري يفعل هذا ففعلت". هنا لا يوجد خيطان أو إبر خياطة، أصبح لدي سروالان داخليان، أحد القادمين الجدد إلى المهجع كان أهله أغنياء جدا، وقد استطاعوا زيارته أثناء وجوده في فرع المخابرات بعد أن دفعوا ما يوازي ثروة صغيرة كرشوة إلى الضابط المسؤول، وهناك من نصحهم بأن يأخذوا لابنهم الكثير من الثياب. "جلب معه أكثر من مائة غيار داخلي، كان نصيبي منها سروالاً داخلياً، أعطاني إياه رئيس المهجع:
- خود هذا .... مشان يكون عندك بدل!
البرد الصحراوي أقسى من أي برد آخر، عشت أياماً باردة جدا في فرنسا كانت الحرارة تصل الى تحت الصفر ، ولكن ذلك البرد يبدو برداً مهذباً، بينما البرد هنا وقح صفيق!
أما مشكلة القمل فتكون أصعب في اليوم الشتائي، فلا حل للقمل المنتشر بكثافة في جميع المهاجع إلا أن تجلس وتخلع كل ثيابك وتبدأ بالتفتيش عنه في ثنايا الثياب، الجميع هنا يفعل ذلك وفعلت مثلهم بعد أن هرش جلدي، ولكنني لم استطع أن أخرج الصوت الذي يخرجونه من بين أسنانهم "تسه" كلما فقسوا قملة بين اظفري الإبهامين!!
كل يوم بعد وجبة الإفطار يخلع الجميع ثيابهم ويبدؤون تفليتها بحثا عن القمل، وأنا أيضاً أمسك القملة وأهرسها بين الأظفرين، كان وجود القمل بهذه الكثافة محيراً، تساءل أحدهم بغضب:
- العمى منين عم يجي كل هالقمل ؟!.. كل يوم ننظف ثيابنا منه، كل يوم نتوضأ خمس مرات، على الأغلب نغسل كل يوم جسمنا بالماء البارد والصابون، نغسل ثيابنا، نغسل بطانياتنا، وباليوم الثاني نشوف القمل أكثر ... وأكثر !!.. العمى... في حدا عم يرش المهاجع بالقمل؟!!
10 أيلول
لأول مرة يدور في المهجع نقاش خارج عما هو موجود في القرآن أو السنة النبوية ، نقاش طويل شارك فيه أكثر من عشرة أشخاص بينهم اثنان من المشلولين، " كل النقاشات، الحوارات، حتى الشجارات ... تتم بصوت منخفض خشية أن تسمع الشرطة". وكان موضوع الحوار هو الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، بدأ هذا النقاش طبيب دارس في أوربا بملاحظة سريعة أبداها حول الحرية ومُثل الديمقراطية الغربية، استمر النقاش طويلا وانتهى بقول أحد المشلولين:
- تقول الحضارة الغربية !... انظر يا أخي حولك، أنا مشلول بالكرسي الألماني، وهذا محمد علي مشلول أيضا برصاصة استقرت بعموده الفقري مصنوعة في روسيا، هذا السجن بنته فرنسا، القيود التي كبلوا بها يديّ مكتوب عليها "صنع في أسبانيا"، الضابط الذي اعتقلني يحمل مسدساً بلجيكيا، الضباط الذين يشرفون على التحقيق والتعذيب تدربوا في أمريكا وبريطانيا وروسيا ... هذه منتجات الحضارة الغربية، وإذا أضفت إلى كل هذا الكثير من الفسق والفجور والانحلال الأخلاقي تكون الحضارة الغربية مجسدة أمامك.
بصوت تعب وبلهجة من يود إنهاء نقاش لا طائل تحته، لكنه لا يريد التسليم بحجج الخصم، رد الطبيب:
إن في هذا الكثير من التجني والاجتزاء، أنا لا أقول أن نقلد الغرب أو نأخذ سلبياتهم، في الغرب أيضاً العلوم والطب وتطور الزراعة والصناعة ... وفوق كل هذا وأهم من كل شيء ... هو أن لديهم إنساناً حراً
(35)
- ومحترماً، إذا أردنا أن نتقدم علينا أن نتعلم منهم الكثير وخاصة احترام الإنسان واحترام حريته، وهذا ليس عيباً.
25 كانون الأول
جافاني النوم. الساعة السادسة مددت البطانية كالعادة وتمددت. الواحدة بعد منتصف الليل مللت الاضطجاع بعد أن آلمتني أجنابي، جلست ولففت نفسي بالبطانيات، خمس دقائق وصوت الحارس من خلال الشراقة:
- يا رئيس المهجع .. يا حمار.
- نعم سيدي.
- علملي هالتيس القاعد جنبك.
- حاضر سيدي.
لقد علمني. تمددت فورا، غداً صباحاً سيكون فطوري خمسمائة جلدة بقشاط مروحة الدبابة على قدمي! إن قدمي التي أصيبت شفيت تماما مع ندب طويل ولكنها كانت تؤلمني دائماً في أيام البرد فألفّها أكثر من غيرها، كنت احلم بزوج من الجوارب الصوفية! احد أحلامي الصغيرة. ماذا سيكون مصير هذه القدم المسكينة عندما تتلقى خمسمائة جلدة؟ لم أستطع النوم حتى الصباح. وعندما فتح الباب وصاح الشرطي برئيس المهجع ليخرج الأشخاص الذين تم تعليمهم، قفزت واقفاً، ولكن رئيس المهجع وبسرعة قال:
- مكانك، لا تتحرك، واحد من الشباب طلع بدلا منك.
ذهلت، واحد من الفدائيين، واحد من المتشددين الذين حاولوا قتلي لأنني كافر يفديني الآن بنفسه ويتلقى عني خمسمائة جلدة!!
منذ سنة ونصف تقريبا لم أنطق ولا كلمة، جلست مكاني وأنا أنظر إلى رئيس المهجع بذهول، خرجت كلمتان من فمي لا إرادياً:
- لكن ... ليش ؟
لم يجب رئيس المهجع بشيء، أشار بيده لي أن اسكت، إشارة فيها الكثير من الاحتقار و الاشمئزاز!!.
عاد الأشخاص الذين جلدوا، بعد وجبة الجلد يعودون ركضا على الإسفلت الخشن وهم حفاة، أكثر من واحد منهم رمقني بطرف عينه بنظرة ازدراء وحقد!!
إذاً لماذا؟؟
"لزمني زمن طويل حتى استطعت التوصل إلى تخمين:
بما أنني جاسوس فإنهم كانوا حريصين جداً ألا أحتك بعناصر الشرطة كي لا أمارس جاسوسيتي !!."
في اليوم نفسه كان دور مهجعنا بالتنفس .
التنفس
(36)
في السجون الأخرى التنفس هو حيز زمني يخرج فيه السجين من مهجعه إلى ساحة هواؤها نقي، بها بعض الملاعب فيتريض، معرضة للشمس فيتشمس... يأخذ حاجته من الهواء والشمس والحركة.
هنا ... قبل التنفس يكون السجناء في المهجع قد انتظموا في طابور متلوٍ بعضهم خلف بعض، تفتح الشرطة الباب، يخرج الطابور بخطوات بطيئة، الرؤوس منكسة إلى الأسفل، العيون مغمضة، كل سجين يمسك بثياب الذي أمامه، عناصر الشرطة والبلديات يحيطون بالساحة وينتشرون بها بكثافة، يسير الطابور سيراً بطيئاً أو سريعاً حسب مزاج وإرادة الرقيب.

الاثنين والخميس يومان مختلفان عن بقية أيام الأسبوع هنا. في هذين اليومين تتم الإعدامات، لذلك عندما نخرج للتنفس في هذين اليومين تكون كمية التعذيب والضرب أكثر من غيرهما من الأيام، وفي التنفس يكون الضرب غالباً على الرأس:
- ولا كلب... ليش عم ترفع راسك؟!
ويهوي الكرباج على الرأس.
- ولك ابن الشرموطة !!.. ليش عم تفتح عيونك من تحت لتحت ؟!!
ويهوي الكرباج على الرأس.
في الصيف يكون التعذيب أقل. حرارة الشمس التي تثقب رؤوسنا تجعل عناصر الشرطة في حالة تكاسل وعدم ميل للحركة، في الشتاء يشتدّ التعذيب.
أحياناً وبينما الطابور يدور يتجمع بعض عناصر الشرطة حول الرقباء، تدور بينهم أحاديث لا نسمعها، يصبح مزاجهم فجأة أميل للتسلي بنا، يصرخ الرقيب:
- ولا حقير... أنت أنت يا طويل... أطول واحد بالصف، تعال هون...
يركض أحد البلديات ويجر أطول واحد بيننا، طوله أكثر من مترين، الرقيب جالس على كتلة إسمنتية أشبه بالكرسي، يضع رجلاً على رجل، يشد صدره يرجع رأسه إلى الوراء والأعلى، يقول:
- ولا حقير .. أنت بني آدم ولا زرافة؟
يضحك المتجمعون حوله بصخب، يتابع الرقيب:
- وهلق ... اركض حول الساحة خمس دورات وطالع صوت متل صوت الزرافة ... يالله بسرعة.
يركض السجين ويصدر أصواتاً، لا أحد يعرف كيف هو صوت الزرافة، أعتقد حتى ولا الرقيب نفسه، يدور السجين خمس مرات، يتوقف، يقول الرقيب:
- ولا حقير ... هلق بدك تنهق متل الحمار!
ينهق السجين الطويل. تضحك الشرطة.
- ولا حقير... هلق بدك تعوي متل الكلب!
يعوي السجين الطويل. تضحك الشرطة. يضحك الرقيب وهو يهتز، يقول:
- ولا حقير... إي ... إي ... هاي ناجحة وكويسه ... أنت متل الكلب فعلا.
(37)

توقيع [نافع العطيوي]

إذا ذكر اسم الله في بلدٍ = عددت أرجاءه من لب أوطاني

وإذا شكا مسلمٌ بالصين أراقني = وإن بكى مسلمٌ في الهند أبكاني
مصر ريحانتي والشام نرجستي = وبالجزيرة تاريخي وعنواني

  رد مع اقتباس
قديم 01-10-2011, 09:01 PM   رقم المشاركة : [13]
نافع العطيوي
الإدارة
 

 
بيانات العضو




 


نافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really nice

درع ملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 1 (الـمـزيـد» ...)

ثم يلتفت إلى رتل السجناء الذي يسير منكس الرؤوس ومغمض العينين، يصيح:
- ولا حقير... أنت أنت... أقصر واحد بالصف ، تعال هون.
يركض أحد البلديات، يجر أقصر واحد بالرتل. شاب صغير لا يتجاوز الخامسة عشر، طوله أكثر قليلا من المتر والنصف، يقف أمام الرقيب الذي يضحك ويقول:
- ولا حقير... يا زْمِكّ ... وقف قدام هالكلب الطويل.
يقف السجين القصير أمام السجين الطويل، يصرخ الرقيب:
- ولا حقير ... يا طويل ... هلق بدك تعوي وتعض هالكلب يللي قدامك وبدك تشيل قطعة من كتفه ، وإذا ما شلت هـ القطعة ... ألف كرباج.
يعوي الطويل ثلاث أو أربع مرات متواصلة، يتقدم من القصير وينحني مطبقا بفكيه على كتف القصير الذي يصرخ ألماً ويتملص من العضة.
- ولا حقير... يا طويل... وين قطعة اللحم ؟ يا شرطة ... ناولوه.
ينهال رجال الشرطة بكرابيجهم ضرباً على الطويل، يسقط على ركبتيه، يتساوى بالطول مع القصير وهو جاثٍ ... يترنح ... يصرخ الرقيب:
- بس ... " تتوقف الشرطة عن الضرب " ... ولا حقير ... طويل ... قوم وقف.
يقف الطويل.
- ولا حقير... قصير... وقف وراءه.
يرجع القصير إلى خلف الطويل.
- وهلق ... انتوا الاثنين اشلحوا تيابكم.
يخلع الاثنان ثيابهما ويبقيان بالسراويل.
- ولا حقير قصير... نزل سرواله.
ينزل القصير سروال الطويل الى حد الركبتين.
- ونزل سروالك كمان.
ينزل القصير سرواله أيضا.
- وهلق ... قرب نيكه ... اعمل فيه متل ما بتعملوا ببعضكم كل ليلة يا منايك ... يا الله قرب نيكه.
يتلكأ القصير، تشتد إليتا الطويل وتتشنج، يشير الرقيب إلى أحد عناصر الشرطة، يقترب هذا ويهوي بالكرباج على ظهر القصير ... يلتصق القصير بالطويل من الخلف، يهتز الطويل، عضو القصير المتدلي بالكاد يصل فوق ركبتي الطويل، يضحك الرقيب وباقي عناصر الشرطة.
الرتل يسير. الرؤوس منكسة، العيون مغمضة، رغم ذلك، الكل يرى، الكل يسمع.... وترتفع بيادر الحقد والذل.
يطلب الرقيب تبديل المواقع، يصبح الطويل خلف القصير، عضوه المرتخي والمنكمش في منصف ظهر القصير... يستمر الضحك ...
(38)
الرتل يسير، الرؤوس منكسة، العيون مغمضة.
تنفس آخر، يوم آخر، رقيب آخر، شرطة آخرون، بلديات آخرون، السجناء أنفسهم، زادوا قليلا، نقصوا قليلا.
يجلس الرقيب على الكتلة الاسمنتية ذاتها، يضع رجلاً على رجل، يصيح وهو ينظر إلى الرتل الذي يسير برؤوس منكسة وعيون مغمضة:
- جيبوا لي هـ البغل ... السمين.
يأتون برجل أربعيني بدين، يعرف الرقيب منه اسمه واسم مدينته، كم أمضى في السجن ... وتفاصيل أخرى، ثم يسأله:
- أنت متزوج ولاّ أعزب؟
- متزوج سيدي.
- أنت بتعرف شو عم تساوي زوجتك هلق ... ولا ... أنا بقلك، أكيد عم تشرمط، أنت صار لك ثلاث سنين في السجن .... وهي كل يوم مع واحد جديد.
السجين ساكت، منكس الرأس مغمض العينين، يتابع الرقيب:
- ليش ساكت ؟! ... احكي ... وإلا خجلان تقول قدام الشباب انك متجوز واحدة شرموطة ؟!... شو العرصات كمان بيخجلوا؟!
تمضي الأيام، يتبدل الرقباء، لكن الأساليب تبقى نفسها ... الزوجة الشرموطة، إذا لم يكن السجين متزوجا تصبح ... الأخت الشرموطة، أو حتى الأم الشرموطة، البنت الشرموطة إذا كان للسجين بنات.
" كنت أتساءل : هل هي تسلية فقط أم أنها نهج ؟! ... الدافع للتركيز على هذا الموضوع هل هو عقد الجنس والكبت الشرقية لدى الرقباء يفرغونها من خلال السلطة التي يملكونها على السجناء؟! ... أم هو نهج مدروس الغاية منه تحطيم الإنسان وإذلاله من خلال المرأة باعتبارها أعلى قيم الشرف لدى المسلمين سواء كانت زوجة أو أختاً أو أماً أو أية قريبة أخرى ؟!... وشرف المرأة لدى الشرقيين بالعام هو أن لا تمارس الجنس خارج نطاق الزوجية، وأي سلوك لها في هذا الاتجاه قد يدمر العائلة بالكامل ويلحق بها العار."
لم يكن ممكناً معرفة أسماء الشرطة أو الرقباء، ولكن السجناء أطلقوا عليهم أسماء من عندهم. وهذه الأسماء كانت تعتمد إما على علامة فارقة تميز هذا العنصر، من مثل: الأحول، أو "الأربع شقف" وكان هذا الرقيب يهتز ويتخلع في مشيته بحيث يبدو إن قطع جسده تتحرك كل منها باتجاه. أو أن تستند التسمية على لباس ما، مثل الرقيب "أبو شحاطة" وهذا كان دائما يأتي منتعلاً الشحاطة، وعلى الأغلب تستند التسمية على عبارة يرددها الرقيب دائماً. فكان هناك الرقيب "ولا حقير"، والرقيب "ابن الشرموطة"، والرقيب "يا كرّ" ... إلى آخره.
يسأل السجين صديقه العائد من العقوبة:
(39)
- مين اليوم في الساحة؟
- ابن الشرموطة.
يقصد الرقيب الذي يظل يكرر عبارة: ابن الشرموطة.
22 شباط
في الصباح الباكر وقبل إدخال الطعام، فتح الشرطة باب المهجع ودخلوا بطريقة وكأن مائة ثور هائج قد دخل هذا المكان، الصياح، الضرب بالكرابيج، الشتم، وبين شتيمة ولسعة كرباج يصرخون:
- وجهك عـ الحيط .. وجهك عـ الحيط ..
منذ دخول أول شرطي بهذه الطريقة قفز السجناء وأداروا وجههم إلى الحائط، وقفت لا أدري ما افعل.. صحوت على الكرباج يهوي على خدي ويلتف على رقبتي من الخلف والشرطي يصيح:
- وجهك عـ الحيط !
أدرت وجهي، تخشبت وسيخ الألم يمتد من وجهي إلى رقبتي، بعدما ما يقرب الخمس دقائق خيم الصمت، ثم صوت احد الشرطة يصيح بصوت عال:
- انتبــــه .. مكانك تهيأ.
خبط جميع عناصر الشرطة أقدامهم بالأرض، وقدم الصف بصوت اعلى:
- المهجع جاهز سيدي المقدم.
انه مدير السجن. أخد يتمشى من أول المهجع إلى آخره بين صفين من عناصر الشرطة الواقفين وقفة استعداد عسكرية.
ركبني الفضول وبسلوك عفوي أكثر من أن يكون مقصوداً، نظرت بزاوية عيني خلسة إلى المقدم. رأيته، شاب ثلاثيني أشقر الشعر، مشيته فيها الكثير من التوتر، وكذلك كلامه، يتكلم وكأنه يحادث نفسه بعبارات لم أستطع فهمها أو الربط بينها:
- أنا.. أنا أتهدد!! .. سأحولها إلى جهنم ... شعرة واحدة يروح ألف مجرم مقابلها ..
ثم صاح بصوت شديد الاحتقان:
- ولا كلاب.. مجرمين.. انتو لسا ما بتعرفوني منيح .. والله لادبحكن دبح الغنم.
بعدها صاح بمجموعة من الشرطة واقفة بينه وبين السجناء:
- زيحوا هيك ولا..
صوت طلقات مسدس متتابعة، انكمشت على نفسي لدى سماعها وخبأت رأسي أمام صدري، وبسرعة فائقة خرج المقدم يسحب وراءه رتلاً من عناصر الشرطة وأغلق الباب.
أربعة عشر قتيلاً بأربع عشرة طلقة هي كل مايحويها مخزن مسدس المقدم على ما يبدو. ركض الأطباء وبينهم زاهي إلى زاوية المهجع حيث القتلى، فحصوهم جميعاً، الكل ماتوا فوراً، ومكان دخول الرصاصة واحد لدى الجميع في الرأس من الخلف، سحبوهم إلى وسط المهجع، تجمعت بركة من الدماء الطازجة وجلس
(40)

توقيع [نافع العطيوي]

إذا ذكر اسم الله في بلدٍ = عددت أرجاءه من لب أوطاني

وإذا شكا مسلمٌ بالصين أراقني = وإن بكى مسلمٌ في الهند أبكاني
مصر ريحانتي والشام نرجستي = وبالجزيرة تاريخي وعنواني

  رد مع اقتباس
قديم 01-10-2011, 09:09 PM   رقم المشاركة : [14]
نافع العطيوي
الإدارة
 

 
بيانات العضو




 


نافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really nice

درع ملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 1 (الـمـزيـد» ...)

البعض حولها يبكون، الأغلبية جامدة مذهولة، الأطباء في حالة حيرة لايعرفون ما يفعلون، وقف واحد من فرقة الفدائيين، قال:
- لاحول ولاقوة الا بالله ... انّا لله وإنّا اليه راجعون، عليهم رحمة الله، هم السابقون ونحن اللاحقون، اللهم اسكنهم فسيح جنانك، اللهم هؤلاء شهداء في سبيل إعلاء كلمتك، كلمة الحق، فارحمهم أنت الرحيم الغفور.
سكت قليلاً .. ثم أردف موجهاً حديثه للجميع:
- يالله يا إخوان .. خلينا نقوم بواجبنا.
انتظروا حتى توقف نزيف الجثث، نقلوها ووضعوها قرب الباب أمامي وأمام رئيس المهجع، بين القتلى الشيخ محمود الذي أنقذ حياتي، صليت عليه سراً، حزنت على الجميع فوجوههم أصبحت مألوفة لي، وكان حزني كبيراً على الشيخ محمود.
نظفوا الأرض من الدماء، كل البطانيات الملوثة بالدماء نظفوها، دار نقاش بين مجموعتين عند رئيس المهجع، مجموعة تقول إنه يجب ان نأخذ جميع ملابسهم، لأن الحي أفضل من الميت، وجماعة تعارض ذلك وترى أن هذا معيب. أخيرا انتصر الرأي القائل بأن الأحياء الباقين بحاجة إلى الملابس، وتكفلت مجموعة خلع الملابس وتنظيفها، خرجت الجثث ليلاً من المهجع وهي عارية لا تلبس إلا السروال الداخلي فقط.
" بعد ثلاث سنوات سيروي احد القادمين الجدد أن السبب في هذه المجزرة هوان التنظيم المسلح قد أرسل تهديداً بالقتل للمقدم إذا لم يحسن من معاملة السجناء الإسلاميين، وجد المقدم هذا التهديد تحت ماسحة زجاج سيارته وهو ذاهب إلى الدوام صباحاً ، فقام بقتل هؤلاء وسرب الخبر ليسمع به التنظيم مصحوباً بتهديد معاكس:
- مقابل ورقة مكتوبة قتلت أربعة عشر واحداً! إذا مست شعرة من رأسي أو رأس شخص يخصني سيكون المقابل مائة، إذا حصل أذى أو مات احد من أقربائي فإنني لن أبقي على أحد حياً!!."
ولم يرد بعدها أي تهديد.
مهجعنا قريب من الباب الخلفي من السجن، من هذا الباب يأتي الطعام، تصف الشاحنة الروسية خلفاً ويقوم البلديات بإنزال قدور الطعام الكبيرة، ومن هذا الباب وفي نفس السيارة تنقل الجثث يومياً بعيد منتصف الليل، من خلال سماعنا لارتطام الجثث في أرضية السيارة كنا نعرف عدد الذين ماتوا في هذا اليوم، وفي يوم زيارة المقدم أحصى الساهرون ثلاثة وعشرين خبطة جثة، وعن طريق مجموعة المورس ذهاباً وإيابا تم معرفة الجميع وحفظت هذه المعلومات في الأذهان.
24 آذار
نسير..ندور.
أمشي في الرتل الدائر حول الساحة، منكس الرأس، مغمض العينين، ممسكاً مطاط بيجاما من يتقدمني، يجرني خلفه. الرجل الذي خلفي يمسك مطاط بيجامتي ويشدني إلى الخلف، نسير..ندور. أتساءل أحياناً:
أي كائن أنا؟! هل أنا إنسان؟! حيوان؟! شيء؟!.
(41)
كان لي صديق من بلدي يدرس في فرنسا، يصله من أهله بداية كل شهر مبلغ من المال يكفيه حتى كفاية الشهر. هذا الصديق بدلاً من أن يبرمج مصروفه ويقسمه على ثلاثين يوماً كان يدعوني إلى سهرة واحدة فخم أو مطعم مشهور.
هذه السهرة كانت تكلفه حوالي نصف مصروفه، لذلك كان في الأيام العشرة الأخيرة من الشهر يستدين مني ومن الأصدقاء حتى يأكل.سألته مرةً:
- لماذا تصرف كل هذه النقود على سهرة واحدة ولايبقى معك في الثلث الأخير من الشهر فلس واحد؟
أجاب:
- إنني في هذه السهرة التي أقيمها مرة في الشهر أشعر أنني إنسان! إن هؤلاء الذين يعملون في هكذا فنادق أو مطاعم مدربون جيداً كي يشعروك بأنك إنسان " كلامهم..طريقة خدمتهم لك..هيئتهم" كل هذه الأشياء تجعلك تحس بأنك إنسان محترم، أنا ياصديقي في جوع حقيقي كي أشعر يحترمني الآخرون، لايهم أن أجوع بضعة أيام كل شهر، لكن الشعور بأنني إنسان يكفيني لمدة شهر.
لقد راقبت هذا الصديق في كل المرات التي دعاني فيها إلى السهرة عند استلامه النقود المرسلة من أهله، وفي كل مرة كنت أشاهد إنساناً معتزاً بنفسه، واثقاً، يمشي إلى جانبي في خيلاء.
راقبته كذلك في المرات الثلاث التي كان مجبراً فيها على مراجعة سفارتنا في باريس، وفي كل مرة كان يستعطفني ويرجوني بحرارة أن أرافقه، رغم أنه كان يحاول تأجيل الذهاب بأعذار وحجج واهية حتى اللحظة الأخيرة.
يصل السفارة وقد تغير، يدخل متردداً، يلقي نظرة خاطفة إلى الوراء (عله يريد التأكد من وجودي)، أقرأ في نظرته هذه معاني الخوف والقلق.. وطلب الغوث.
يخرج مكفهراً..صامتاً.. مسرعاً..يشير لي بيده أن أمشي بسرعة، أمشي إلى جانبه صامتاً.
في المرة الأولى والثاني اكتفى بأن يبصق بصوت مدوّ حالما ابتعدنا عن السفارة.
في المرة الثالثة، تكلم:
-الكلاب.. يريدون أن يجعلوا مني جاسوساً!.. جاسوساً! وعلى من؟! يريدون مني أن أتجسس على يوسف!! هددوني بالاعتقال والترحيل.. قالوا إن لديهم خمس زنازين في مبنى السفارة، كلاب..تفو..تفو!.
نسير..ندور حول الساحة.
إغماض العينين يجعل مئات الصور تتقافز في الذهن.
في بدايات حياتي أولعت بالمطالعة كثيراً، صار اسمي في البيت "فأر الكتب". التهمت كل ماوقع تحت يدي من قصص وروايات، كنت وقتها عندما أغمض عينيّ أحس أن هناك آلاف الأحرف والكلمات تتقافز في الذهن.. تتصادم.. ترتطم بجدران الرأس.. تقع أرضاً ليقفز غيرها. أجلس ملتفاً برطوبة قبو منزلنا الظليل- والذي كنت
(42)
قد نظفته ورتبتع وجعلت منه مكاني المفضل بعيداً عن الأهل وضجيجهم- تعباً من القراءة، مغمض العينين، أمارس لعبة الأحرف والكلمات المتقافزة "يحرقني الحنين إلىجلسة صغيرة في ذلك الركن".
في المراهقة والشباب الأول، أصبت بلوثة السينما، أخرج من صالة لأدخل أخرى، كنت أشاهد أحياناً ثلاثة أفلام في يوم واحد، أصبح اسمي "فأر السينما"، عرفت كل صالات العاصمة جيداً، كنت أحفظ عن ظهر قلب برامج الصالات للأسابيع المقبلة.
نسير..ندور.. تحت لسع الكرابيج، منكسي الرؤوس، عيوننا مغمضة، يمسك أحدنا ذيل الآخر.. وندور.
فأر كتب، فأر سينما، الآن.. أحس أنني بغل.
في الكثير من الأرياف وقبل انتشار محركات ضخ المياه من الآبار، كانم انتشال المياه من هذه الآبار بواسطة قوة محركة هي البغال (في بعض البلاد يسمونها "الدولاب" ويسمونها في أخرى "الغرّاف"). يربطون البغل إلى عمودٍ، يغطون عينيه " للآن لم أعرف لماذا يغطون عينيّ البغل" ويظل يدور..يسير.. ويدور حول البئر من الصباح إلى المساء، هذا الدوران العبثي بالنسبة للبغل!.. ونظل ندور!.
فيلم غربي يصور حياة راهبة في الخامسة والعشرين من عمرها، كان أهلها قد نذروها لحياة الرهبنة. فتاة ذات نفس نقية، قانعة بحياة الرهبنة ومستمتعة بها، طاهرة كالثلج، تعيش في دير يقع في جزيرة نائية. تدور أحداث الفيلم ويهاجم القراصنة هذه الجزيرة، هذه الراهبة البتول تقع بين أيدي قرصان مجرم فاسق، يلقيها أرضاً ويغتصبها.
مشهد: يقف القرصان بجسده الضخم ويبتعد مهمهماً.. لراهبة ملقاة أرضاً..مكشوفة الساقين..- تقترب الكاميرا- خيوط من دم العذرية تسيل على الفخذين.. هي غائبة عن الوعي.
نسير..وندور حول الساحة، مشدودي الأعصاب، نتوقع في كل لحظة صفعةً أو ركلةً..أو كرباجاً، رغم ذلك ننسى أحياناً، تأخذنا الأفكار في جميع الاتجاهات، نحلم بيوم لانسمع فيه كلمة "تنفس"، يومٍ لانسير ولاندور فيه، تحضر الذكريات.. تتغلب على كل الشد العصبي وتحضر، تداعبني وجوه الأهل والأصدقاء، المرأة بشكل خاص، أمي.. أختي.. سوزان، تحضر كل نساء"ي"، وأحياناً قد ترسم ذكرى ما ظلَّ ابتسامة على شفاهي.
نسير..ندور.
في اللغة العربية "الاستنثار": هو إخراج المخاط عن طريق فوهات الأنف الخارجية، أما "التنخّم" فهو استحلاب المخاط إلى داخل الفم.
فيما نحن نسير..ندور، امتدت يد غليظة، أمسكتني من ساعدي وجرتني خارج الرتل، أغلقت عينيّ جيداً ونكست رأسي حتى التصق بصدري. بقي ممسكاً بساعدي، اليد الأخرى أمسكت فكي السفلي ورفعت رأسي إلى الأعلى بعنف، فحّ صوته ممزوجاً بحقد رهيب:
- ارفع رأسك.. ولا كلب، افتح تمك..لشوف.
(43)

توقيع [نافع العطيوي]

إذا ذكر اسم الله في بلدٍ = عددت أرجاءه من لب أوطاني

وإذا شكا مسلمٌ بالصين أراقني = وإن بكى مسلمٌ في الهند أبكاني
مصر ريحانتي والشام نرجستي = وبالجزيرة تاريخي وعنواني

  رد مع اقتباس
قديم 01-10-2011, 09:27 PM   رقم المشاركة : [15]
نافع العطيوي
الإدارة
 

 
بيانات العضو




 


نافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really nice

درع ملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 1 (الـمـزيـد» ...)

فتحت فمي، طلب مني أن أفتحه أكثر، ففتحته. تنخّم بقوة، تنخم ثلاث مرات، ودون أن أستطيع رؤيته أحسست أن فمه قد امتلاً بالمخاط المستحلب.. شعرت برأسه يقترب مني و..بصق كل مايحتويه فمه إلى.. داخل فمي. برد فعل غريزي حاول فمي التخلص من محتوياته، تملكتني حاجة لاإرادية بالإقياء، لكنه كان أسرع مني وأسرع من فمي، أغلق فمي بيد وامتدت يده الأخرى بسرعة البرق إلى جهازي التناسلي، أمسك خصيتيّ وضغط عليهما بشدة.. مودة الألم الهائلة التي صعدت من خصيتيّ إلى الأعلى كادت أن تفقدني الوعي، انقطع تنفسي لثانيتين أو ثلاث، كانت كافية لأن أبتلع مخاطه وبصاقه كي أتنفس، ظل يضغط خصيتيّ حتى تأكد أنني قد ابتلعت كل شيء.
تابعت السير.. تابعت الدوران، مغمض العينين، منكس الرأس.
ألم الخصيتين المهروستين يخفت شيئاً فشيئاً، الإحساس بأنني قد امتلات بالقذارة يتصاعد شيئاً فشيئاً.
تفيق الراهبة من غيبوبتها يملؤها الإحساس بقذارة جوفها.. تنتهي إلى الجنون.. كانت تزداد إحساساً بالقذارة كلما اغتسلت.
عدنا إلى المهجع، حاولت الإقياء بشتى السبل، لم أنجح، شربت كمياتٍ هائلةً من المياه ولكن الإحساس بأن جوفي ممتلئ بالقذارة يزداد.
"سأخرج من السجن وأشرب كمياتٍ هائلةً من الماء والعرق والنبيذ والويسكي، شتى المشروبات الباردة والساخنة، لكن لن أستطيع التخلص من الإحساس بأن مخاط ذلك الشرطي ملتصق بمعدتي.. ببلعومي.. وهو يأبى الخروج".
30 آذار
صح ما توقعه الدكتور زاهي .
حوالي سنتين مضتا على وجودي هنا. معزول ومجبور على الجلوس في مكاني لا أغادره إلا إلى التنفس أو المرحاض، لا أستطيع النظر إلى أي واحد بشكل مباشر رغم أنني لا أعتقد أن الجميع راغب بقتلي "أو كان راغباً"، ولكنني لا أستطيع أن أميز بين من يرغب أو لا يرغب، والمهم في هذا أن الجميع يقاطعني ولا يرغب بوجودي بينهم هنا، " وأنا أيضا لا أرغب بوجودي هنا "، طوال هذه الفترة كنت أتوق إلى من أحادثه، أن أجرب قدرتي على الكلام من جديد، لكن قوة الكراهية كانت تلصقني بالبطانية وتلصق البطانية بالأرض.
الآن بعد أن صحت توقعات الدكتور زاهي أصبحت اجلس في مكاني بإرادتي، لا أريد الاحتكاك بأحد، لا أريد محادثة احد.
إنه التهاب السحايا. وتحول الأمر إلى وباء بسرعة مذهلة، بدأ الأمر منذ شهر تقريباً، أولاً شخص واحد، ثم آخر .. ثم آخر، اجتمع الأطباء السجناء، تدارسوا الأمر، وعندما وصلوا إلى قرار موحد كان العدد قد جاوز عشرة مصابين. الاتصال الداخلي بين المهاجع "المورس" اخبر واستفهم، تبين ان الحالة عامة في كل المهاجع.
عندما وصل عدد المصابين إلى عشرين "مات منهم اثنان وفقد البصر اثنان ولا يزال الباقون يتأرجحون"، طلب الأطباء أن يجري نقاش عام في المهجع، تكلموا وشرحوا الأمر بدقة وواقعية، ثم طلبوا من رئيس
(44)
المهجع أن يدق الباب ويطلب المساعد ويضعه في صورة الأمر، رفض رئيس المهجع هذا الطلب وقال إن هذا مستحيل، رد عليه احد الأطباء بأنه خلال أيام قليلة وإذا لم يتوافر الدواء فإن كل الناس في هذا المهجع، وعلى الأغلب في السجن كله سيصابون. والإصابة في ظل هذه الأوضاع الصحية وانعدام الدواء انعداماً كلياًُ، يعني حتماً إما الموت أو ما يشبه الموت، وطالما أننا سنموت في كل الأحوال فلنطلب المساعد ونضعه في صورة الأمر ولو كانت نسبة الأمل واحداً على مليون.
- يا دكتور .. يا دكتور عندك شك إنه هدول يريدون موتنا؟ وأنت تتوقع من يللي يريد قتلك انه يعالجك؟ نحن هون من سنوات .. شفت شي طبيب عالج مريض بهالسجن؟ أنت تتصور إنه هدول عندهم ذرة واحدة من الرحمة أو الإنسانية؟ أو اإنه يخافوا الله؟ خلينا نموت تحت رحمة الله .. ولا نطلب الرحمة من هدول الوحوش، والموت حق على كل مسلم ومسلمة، والموت بهذا الظرف رحمة من الله.
كنت اسمع كل النقاش هلعاً. "رئيس المهجع من أكثر الرجال الذين شاهدتهم في حياتي قوة شخصية، وهو ضابط في الجيش، قوي، صارم، رزين".
لم يستسلم الأطباء، توجه احدهم إلى رئيس المهجع قائلاً:
- نعم .. الموت حق، كلنا راح نموت بأجلنا، لكن الدين يأمرنا بألا نرمي بأنفسنا إلى التهلكة، وطلبك المساعد قد يساعد على إنقاذ الكثير من أرواح المسلمين وهذا واجب عليك وعلينا.
وفي عبارة القصد منها الإحراج أردف الطبيب:
- إذا كنت أنت لا تستطيع أن تطلب المساعد، اترك واحداً منا يطلبه بدلاً عنك.
انتفض رئيس المهجع ، "واضح انه استُفز"، قال:
- طيب يا جماعة أعطوني مهلة ساعتين حتى أفكر بشي طريقة.
انفض الاجتماع، وأعطى الأطباء مجموعة من النصائح الطبية للجميع. سارعت أنا إلى سترة بذلتي فنزعت أحد جيوبها الداخلية، نسلت خيطاً من البطانية، صنعت كمامة وضعتها على فمي وانفي، نظر الجميع إليّ باحتقار، ولكن خلال يومين كان لدى الجميع كمامات.
بعد حوالي ربع الساعة وقف رئيس المهجع بحركة مفاجئة، نظرت إليه، كانت عيناه محتقنتين باللون الأحمر، واضح انه أدرك حجم الإهانة التي وجهها إليه الطبيب ، وقف أمام الباب بعزم، وبجماع يده طرقه طرقات قوية.
سأل صوت الرقيب المناوب من الساحة:
- شو بدك ولا حقير؟
- بدي المساعد .. الأمر ضروري جداً.
- شو ..! شو..! شو..! المساعد دفعة وحدة ؟! ولا حقير.. شو بدك من المساعد؟ .
اغتاظ رئيس المهجع ، وبدأ يتمتم:
العمى .. شو أنا عم اطلب رئيس الجمهورية ؟!.. هوي شقفة مساعد لا راح ولا أجا .. الله يلعن هـ الزمان
(45)
بعدها صاح بصوت عال :
- الأمر خطير جداً .. جداً ، ولازم يجي المساعد هلق ، لمصلحتكم مولمصلحتنا .
بعد ربع ساعة فتح الباب وطلب المساعد إخراج الجحش رئيس المهجع ، شرح له رئيس المهجع أبعاد المرض كما سمعها من الأطباء ، وختم حديثه بقوله :
- يا سيدي .. العدوى بهادا المرض شديدة جداً ، ممكن الشرطة ينعدوا من المساجين ، ممكن – لاسمح الله – سيادتكم تنعدوا ، نحن واجبنا نخبركن ، وإذا حبيتوا تسمعوا أكثر بنادي الدكتور سمير .
نادوا الدكتور سمير وشرح للمساعد بالتفصيل مؤيداً كلام رئيس المهجع أن العدوى ممكن أن تنتقل إلى الشرطة .
أغلقوا الباب بعد إدخال الدكتور سمير ورئيس المهجع دون عقوبة! وبعد ربع ساعة أعادوا فتحه، وقف المساعد وجميع الشرطة خارج المهجع ودخل ضابط برتبة ملازم ثان، طبيب السجن العسكري، عرفنا وقتها أن في السجن طبيباَ!!.
وقف عند الباب إلى جانبي، طلب من الجميع الجلوس في أماكنهم وفتح عيونهم، " لم نعتد هكذا لهجة !" بعدها طلب من جميع الأطباء الوقوف ، بانت دهشة حاول إخفاءَها عندما رأى عدد الأطباء ، سألهم عن أسباب تشخيصهم فعددوا له الأسباب، دخل إلى زاوية المرضى وألقى عليهم نظرة سريعة، ثم قفل راجعاً إلى الباب، توقف والتفت، أشار إلى اثنين من الأطباء الشباب طالباً منهم المجئ إليه، وعندما جاؤوا سألهما دون أن يستدير:
- عرفتوني؟
- نعم.
- هم م م..
خرج الطبيب وأغلق الشرطة الباب، اقترب بضعة أشخاص من الطبيبين، قال أحدهما:
- هذا الطبيب زميل دراستنا وتخرجنا مع بعضنا، هو من الساحل من طائفة الرئيس وعشيرته، بعد التخرج ما عاد شفناه، راح على ضيعته.
بعد أقل من أربع وعشرين ساعة عاد الطبيب مرة أخرى، معه المساعد والشرطة والبلديات، نادى الدكتور سمير قال له:
- أنت بدك تعالج كل المرضى في السجن هادا هو الدواء اللازم، في عندنا كميات كبيرة منه، راح يكون معك رقيب وعناصر من الشرطة، لازم يشوفوا كل حبة دواء تستهلك، كل "سيرنغ" تستخدمه لازم تسلمه للشرطة، كل علبة كرتون .. أنت مستعد؟.
- نعم مستعد.
وبدأ الدكتور سمير جولاته على المهاجع، الشرطة ترافقه، البلديات يحملون علب الدواء، كرتونة كبيرة لكل ما هو مستهلك، يخرج صباحاً ليعود مساءً تعباً منهكاً، ورغم ذلك استمر المصابون بالازدياد، لكن حالات الموت انحسرت وتضاءلتاليوم انضم إلى المصابين بالمرض أول طبيب، الدكتور زاهي .
(46)

توقيع [نافع العطيوي]

إذا ذكر اسم الله في بلدٍ = عددت أرجاءه من لب أوطاني

وإذا شكا مسلمٌ بالصين أراقني = وإن بكى مسلمٌ في الهند أبكاني
مصر ريحانتي والشام نرجستي = وبالجزيرة تاريخي وعنواني

  رد مع اقتباس
قديم 01-10-2011, 09:30 PM   رقم المشاركة : [16]
نافع العطيوي
الإدارة
 

 
بيانات العضو




 


نافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really nice

درع ملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 1 (الـمـزيـد» ...)

1 أيار
مات زاهي .
ليس لأنني أدين بحياتي له مرتين، مرة لعنايته الطبية بي عندما كنت مشرفاً على الموت بعد الاستقبال، ومرة عندما أوعز للشيخ محمود بانتشالي من بين أيدي المتشددين.
لكن لأنني أحببت هذا الرجل الذي لم يفقد ابتسامته في أحلك الظروف، لهجته لهجة المنطقة الشرقية المحببة، تراه موجوداً في كل مكان يمكن فيه أن يقدم فيه يد المساعدة، سعةَ أفق وسعةَ ثقافة نادرتين في هذا المكان، كنت أحس أنه موجود في الموقع الخطأ حيث يسود التعصب والتشدد وضيق الأفق والضحالة الثقافية.
شعرت بحزن عميق لم أشعر به طوال حياتي، حزنٍ أنساني حذري المضاعف، أخرجني من قوقعتي فور سماع الخبر، نسيت حذري منهم وحذري من المرض.
مشيت كالمسرنم إلى حيث يرقد زاهي، ركعت إلى جانبه ورفعت يده إلى جبيني وأجهشت بالبكاء بصوت عال، بكيت بكاءً مريراً، هل تفجر حزني على زاهي هكذا؟ أم هو تفجر بسيط للقهر المتراكم منذ عودتي إلى بلدي؟!.
بموته أحسست أنني قد فقدت آخر سند لي هناك، أصبحت عارياً، زاهي هو الوحيد الذي أستطيع النظر إلى عينه مباشرة، وغالباً كنا نختلس النظرات خفيةً، كنت اشعر أن هناك تفاهماً خفيّاً بيني وبينه، وطالما قرأت في عينه أنه لن يتخلى عني.
زاهي .. كان إنساناً .. إنساناً كبيراً.
بكيت وبكيت.
لكزني أحدهم بقدمه، رفعت رأسي ومن خلال الدموع رأيت "أحدهم"، صر على أسنانه وقال:
- قوم ولاك .. لا تنجس الشهداء.
قمت، رجعت إلى مكاني، دخلت قوقعتي، مسحت دموعي من الخارج، تركتها تسيل إلى الداخل.
3 أيار .
يجب أن لا أجن. كان هذا قراري منذ البداية، رغم ذلك كنت أحس أحيانا أنني على حافة الجنون، عندها كنت أغني.. لكن بصمت، أغني بذهني ودائماً أغان فرنسية، لم أغن أية أغنية عربية.
لا أفتح فمي مطلقاً، لا أتلفظ بأي حرف، أجلس طوال اليوم في مكان واحد، أغادره باتجاه المغاسل والمراحيض أربع أو خمس مرات في اليوم، أتحرك فقط في اليوم الذي يكون لدينا فيه تنفس.
اجلس .. أفكر وأفكر. "فكرت مرة: هل يمكن لإنسان ما أن يوقف التفكير؟!".
استعرضت الماضي عشرات المرات، أدق التفاصيل، تفاصيل كان لا يمكن أن أتذكرها ولو عشت عشر حيوات خارج هذا المكان، أستعيد كل ما هو سعيد ومبهج، كل ما هو جميل في الخارج.
(47)
أنا الآن في الثلاثين من عمري، كنت قد تركت الدراسة بعد نيلي الثانوية تحت إغراءات العمل التجاري والثراء السريع مع صديق لي، أربع سنوات من العمل التجاري الفاشل، تحمل الأهل مسؤولية تسوية الأوضاع، بعدها إلى فرنسا والدراسة هناك، ست سنوات في فرنسا، والآن هنا.
استعرض الماضي وأحلم بالمستقبل، تحول الأمر إلى عادة، أحلام اليقظة، استمتع بها استمتاعاً كبيراً، أصبحت مدمن أحلام يقظة، أبني الحلم شيئاً فشيئاً، أضع التفاصيل الصغيرة والدقيقة، أرسمها، أصحح، أغوص ساعات طويلة، جالساً أو مستلقياً، أغيب عن هذا الواقع لأعيش واقعاً جميلاً كل ما فيه حلو وسهل وميسر، وفي كل حلم يقظة تكون المرأة حاضرة دوماً، تشتعل خلايا الجسد، كل النساء اللواتي مررت بهن أو مررن بي، أخلط الماضي بالمستقبل، أكثر اللحظات حميمية أستعيدها، أعيد تركيبها، أبتدع مشاهد جديدة أتقلب ويجفوني النوم ، أنتظر حتى آخر الليل واذهب إلى المرحاض للاستمناء، هو الحل الوحيد لكي أستطيع النوم .
لحظتها لو سألني احدهم أن ألخص السجن بكلمة واحدة لقلت:
- إن السجن هو المرأة!. غيابها الحارق.
أنظر حولي متلصصاً، كيف يحل هؤلاء هذه المسألة، وبعضهم لم ير في حياته كاحل امرأة غير أمه ؟ بماذا يفكرون ؟ ماهي أحلامهم ؟ بعضهم مراهقون بكل جموح وتوثب خيالات المراهقة. كانت احتلامات النوم لديهم غزيرة ، عرفت هذا من خلال تلصصي الليلي الدائم ، يكون الواحد منهم نائماً، فجأةً يختلج أو يصدر صوتاً خافتاً، بعدها يستيقظ، أغلبهم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقوم للاغتسال، لأن لديهم تعاليمَ مشددةً بشأن النظافة، فهو لا يستطيع أن يأكل أو يشرب أو يصلي إن لم يكن طاهراً نظيفاً تماماً، والقذف بأي طريقة كانت سواءً بالاتصال الجسدي أو بالاحتلام، يوجب غسل الجسد كاملاً.
أنا شبه متأكد أن كل ما يقوله عناصر الشرطة أو يشيعونه بأنهم يمارسون الشذوذ الجنسي هو محض افتراء أو كذب، حتى على المستوى الواقعي هذا مستحيل.
أعود لأحلامي أتقلب .. لا أعرف كم يطول هذا، أسمع حركة استيقاظ الناس في المهجع .. ألح على النوم فلا يأتي .. أسمع صوت طائرة الهليوكوبتر.
طائرة الهليوكوبتر.
عندما نسمع صوت الهليوكوبتر يرتجف أو يتوتر كل من في السجن، حتى الشرطة والبلديات يتوترون، البعض يسميها طائرة الموت، أو ملاك الموت الهابط من السماء، أحد السجناء قال إن عزرائيل يجلس في المقعد الأمامي للطائرة لاًن هؤلاء متعاقدون معه.
السجن يبعد عن العاصمة عدة مئات من الكيلومترات، لذلك فهيئة المحكمة الميدانية تأتي بالطائرة على الأغلب مرتين في الأسبوع، الاثنين والخميس ، وهيئة المحكمة هذه قد تكون ثلاثة ضباط وقد تكون ضابطاً واحداً، يعطون إدارة السجن بعد أن يدخلوا الغرفة المخصصة لهم لائحتين اسميتين:
اللائحة الأولى : تضم أسماء الذين سيحاكمون في هذا اليوم، تأخذ الشرطة هذه اللائحة وتدور على كل المهاجع منادية على الأسماء، ثم يبدأ التجميع من آخر مهجع في الساحة السابعة مع الصياح والشتم والكرابيج،
(48)
الرؤوس المنكسة والأعين المغمضة، يسوقونهم سوقاً إلى الساحة صفر حيث يُجلسونهم على الأرض أيديهم فوق رؤوسهم ورؤوسهم بين ركبهم.
يدخل إلى غرفة المحكمة أول اسم نادوا عليه بصفعة قوية على الرقبة عند باب الغرفة، يسأله الضابط:
- أنت فلان ابن فلان؟
- نعم سيدي.
- طالعوه لبره.
وهكذا تكون قد انتهت محاكمته، ثم يدخل الثاني والثالث .. وهكذا خلال ساعتين أو ثلاثة قد تتم محاكمة أكثر من مئة شخص، أحياناً تتعطل إجراءات المحاكمة، فالضابط يسأل السجين:
- أنت فلان ابن فلان؟
- نعم سيدي.
- ولاك ابن الكلب .. أنت شاركت بتفجير المجمع الاستهلاكي؟
- لا والله يا سيدي .. أنا مالي علاقة بأي شي.
- ولا كلب .. عم تنكر كمان !! .. يا شرطة.
يدخل عناصر الشرطة إلى الغرفة.
- حطوه بالدولاب حتى يعترف.
تبدأ حفلة التعذيب أمام غرفة المحكمة، يبدأ الضرب والصراخ الأمر الذي يشوش على هيئة المحكمة، يتوقف العمل، تشرب هيئة المحكمة القهوة العربية، بعد قليل يهدأ كل شيء ويدخل الشرطة والسجين معهم يترنح:
- شو .. لساتوا ميبس راسه؟!
- لا سيدي .. اعترف بكل شي.
- إعدام .. طالعوه لبرّه.
أغلب السجناء لا تستغرق محاكمة أي منهم لدى المحكمة الميدانية أكثر من دقيقة واحدة، أغلب السجناء لا يرون القاضي "الضابط"، أغلب السجناء لا يعرفون الأحكام التي صدرت بحقهم وقررت مصيرهم.
هذه المحكمة ذات نوعين من الصلاحيات، فهي تملك الحق في أن تصدر أحكاماً بالإعدام وتنفذها بالقدر الذي تشاء، وتسجن من تشاء المدة التي تشاء. لكنها لاتملك الحق في إخلاء سبيل أي بريء "معروف هنا أن المهجعين الأول والثاني يسميان حتى لدى الشرطة بـ مهجع البراءة، المحكمة ذاتها وخلال عدة سنوات كانت قد أصدرت أحكاما بالبراءة على سجناء هم في الحقيقة أطفال أعمارهم بين / 11 – 15 / عاماً قبض عليهم خطأ ولكنهم بقوا في السجن ولم يطلق سراح أي منهم، وقد قضى سجناء مهجع البراءة في السجن مدداً تتراوح بين / 10 – 15 / سنة، هؤلاء الأطفال خرجوا من السجن لاحقاً رجالاً".
اللائحة الثانية:
اللائحة الاسمية الثانية هي لائحة الذين سينفذ فيهم حكم الإعدام شنقاً في اليوم نفسه، أيضا يدور الشرطة بهذه اللائحة على جميع المهاجع طالبين من الأشخاص المدرجة أسماؤهم في اللائحة الاستعداد.
(49)

توقيع [نافع العطيوي]

إذا ذكر اسم الله في بلدٍ = عددت أرجاءه من لب أوطاني

وإذا شكا مسلمٌ بالصين أراقني = وإن بكى مسلمٌ في الهند أبكاني
مصر ريحانتي والشام نرجستي = وبالجزيرة تاريخي وعنواني

  رد مع اقتباس
قديم 01-10-2011, 09:33 PM   رقم المشاركة : [17]
نافع العطيوي
الإدارة
 

 
بيانات العضو




 


نافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really nice

درع ملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 1 (الـمـزيـد» ...)

اليوم هناك أربعة أشخاص من مهجعنا سيتم تنفيذ حكم الاعدام بهم، بعد أن ابلغوهم، قام هؤلاء الأشخاص الأربعة بالذهاب الى المغاسل، تطهروا، توضؤوا، صلّى كل واحد منهم صلاة عادية، أي صلاة علنية مكشوفة للجميع فيها سجود وركوع، صلاةً لا خوف فيها، "وهل بعد الموت خوف؟!" بعدها طافوا المهجع ودعوا الجميع مصافحةً وتقبيلاً:
- سامحونا يا جماعة... نرجوا أن تغفروا لنا أخطاءنا، ادعوا لنا عند الله ان يأخذنا بواسع رحمته وأن يحسن ختامنا.
الأشخاص الأربعة أعرفهم جيداً، هم كلهم شباب في مثل سني أو أكبر، "النسبة الغالبة من الذين أعدموا هم من الشباب، وقلة منهم تكون قد تجاوزت الأربعين".
الهدوء، ابتسامة خفيفة، أراقبهم جيداً، أتلصص، هل هدوؤهم حقيقي أم مصطنع ؟ أرقب اليدين ، زوايا الشفتين، العيون، لا ألمح شيئا يدل على الخوف أو الهلع.
يودعون ويصافحون الجميع عداي، يقفون الى جانب رئيس المهجع ، يخلعون كل الثياب التي لا زالت بحالة جيدة وتصلح لاستخدامها من قبل الأحياء من بعدهم ، يلبسون بدلاً منها ثيابا مهترئة لا تصلح لشيء، يسلمون الثياب الجيدة الى رئيس المهجع لتوزع بمعرفته، يقفون خلف الباب الذي لا يلبث أن يفتح ... ويخرجون.
الإعدام يتم قبالة مهجعنا، وقد رأينا المشانق عدة مرات أثناء خروجنا أو دخولنا من التنفس، وهناك يتم تجميع الذين سيتم تنفيذ حكم الإعدام بهم.
بين الفينة والأخرى نسمع صوت التكبير ينطلق من حناجر عدة أشخاص معاً، يبدو أنها الدفعة التي يأتي دورها بالتنفيذ:
- الله أكبر ... الله أكب.
خلال الفترة الماضية كلها كان شعر جسدي يقف منتصباً كلما سمعت هذا الصوت ينطلق قبالة مهجعنا .
في الليل يطابق الساهرون بين العدد الذي ورد عبر الاتصال "المورس" وبين عدد ارتطامات الجثث على ارضية السيارة.
- صحيح ... خمسة وأربعون شهيداً.
في اليومين التاليين ينهمك الحفظة بحفظ اسمائهم وعناوينهم.
15 تموز
الآن أصبح هناك من أحادثه.
في لحظة كان فيها الحارس على السطح قريباً من الشراقة ، وقف أحد السجناء وسط المهجع ، وضع يده على خده كمن يمسك بسماعة هاتف، صاح:
- الو ... الو ... أعطوني القائد.
"القائد هو لقب شقيق رئيس الدولة، ويقود واحدة من أقوى وحدات الجيش، ويعتبر خليفة للرئيس" .
(50)
سكت الجميع ، عيونهم موزعة بين الحارس والسجين الذي استمر يطلب القائد، وأحيانا يطلبه باسمه الأول ، ثوان قليلة وهجم عليه أربعة أشخاص سحبوه من وسط المهجع وقد كموا فمه الى حيث المغاسل وهو المكان الذي لا يستطيع أن يراه الحارس فيه ، عاد واحدٌ منهم وقال لرئيس المهجع مبتسماً :
- يبدو ان الأخ فقس !
- لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم ثبت عقولنا، العقل زينة الإنسان !.
جنونه كان لطيفا، لا أذى، لا هياج، فقط يريد أن يكلم القائد.
- ماذا تريد من القائد؟
- هناك موعد بيني وبينه ، لم يأت ... لقد أخلف الموعد !.
تخاله طبيعياً، أكثر جمله وأحاديثه مترابطة، ولكنه خرق النظام العام للمهجع في أكثر الأمور أهمية وحساسيةً:
لم يعد يصلي ، لم يعد يغتسل ، وبعد عدة أيام من جنونه فاجأ الجميع وفاجأني ، جلس قبالتي على فراشي ، حياني قائلا :
- السلام عليكم ... انت شو اسمك؟
ارتجَّ كياني كله، لم استطع أن أرد تحيته. فقط كنت انظر اليه، إلى عينيه الباسمتين مباشرة، منذ أكثر من سنتين لم أنظر في عيني انسان بهذا القرب، أحسست بالدفء.
سكت جميع من في المهجع، شيء غير مألوف يحدث امامهم !، جميع العيون منصبة على فراشي وعلى الكائنين الجالسين عليه، دهشة من نوع خاص تكسو جميع الوجوه، يبدو أن الجميع كان قد نسيني، ففي غمرة الأحداث وضمن شلال الموت المتدفق سكنت مشاعر العداء المتأججة نحوي ، أو بالأحرى غطاها الرماد، بقيت مثل الجمر تحت الرماد.
لقد تعودوا على وجودي الى جانب الباب ولم يعد هذا الوجود يطرح اسئلة عليهم، لون الباب أسود بشع، في البداية يستفز لون الباب الجميع، ولكن مع توالي الأيام يألفونه ثم ينسونه، وكذلك وجودي الى جانبه.
والآن يوسف "مجنون القائد كما اصبح اسمه"، يعيد تذكيرهم بكل شيء، دهشوا، تفحصوا وجهي، كنت مهملاً والآن بفضل مجنون القائد أعود الى دائرة الأضواء!.
العجزة في المهجع كثر، المشلولون والمجانيين، ثلاثة عميان، أخرس واحد.
أميز حالة بين المجانين إضافة الى يوسف هي حالة دكتور الجيولوجيا ـ لا أعرف هل هو جنون أم شيء آخر ؟ ـ رجل في الخمسين من عمره، ذهب الى امريكا لدراسة الجيولوجيا، نجح في دراسته وحاز على الدكتوراه بدرجة امتياز، عاد الى البلد وبعد عودته ببضع سنوات تسلم ادارة واحدة من أهم المؤسسات العلمية، كان ميالا الى التدين، يؤدي فرائض الدين بأوقاتها، يصوم ويصلي، ذهب الى مكة للحج ، وإبان احتدام الصراع بين الإسلاميين والسلطة كانت هذه الصفات تهمة بحد ذاتها، عند فجر أحد الأيام سحبه رجال المخابرات من وسط عائلته، وماذا جرى بعد ذلك لا يعرف أحد.
(51)
يجلس دكتور الجيولوجيا على الأرض متربعاً ووجهه الى الحائط ثم يغطي نفسه كاملاً بالبطانية، ليلاً ونهاراً ، صيفاً وشتاءً، حاول كثيرون أن يسألوه، يحادثوه، سنواتٍ ... لم يلفظ حرفاً ... لم يفتح عيناً.
يرفع أحدهم بطانيته من الأمام قليلاً ويضع له الطعام في حجره، يأكل وهو مغطى بالبطانية، يذهب الى المرحاض وهو مغطى بالبطانية، كل بضعة أيام يقوده اثنان من تحت إبطيه ـ وهو مطيع جداً ـ الى المغاسل، يخلعون ثيابه، يغسلون جسده، يعيدونه وهو مغطى، مكان دكتور الجيولوجيا قبالتي تماماً.

************
نحن الآن جائعون ... وجائعون بشدة، منذ ثلاثة أشهر هبطت كميات الطعام التي تقدمها لنا إدارة السجن هبوطاً حاداً.
كان لكل سجين يومياً رغيفان من الخبز العسكري ، الآن رغيف واحد لكل أربعة سجناء ، حصتي اليومية ربع رغيف لثلاث وجبات ، اليوم فطوري كان ثلاث حبات زيتون هي كامل حصتي ، ملعقة صغيرة من المربى على العشاء ، إذا كان الأفطاربيضاً فلكل ثلاثة سجناء بيضة مسلوقة ، "نصح الأطباء الجميع بعدم رمي قشر البيض، يسحقونه ويأكلونه للتعويض عن الكلس".
بعد ثلاثة أشهر من الجوع، الهزال واصفرار الوجوه باد على الجميع، قلّت حركة الجميع، من كان يقوم بالرياضة سراً أقلع عنها.
الشرطة تراقب ... وتواصل عملها كالمعتاد.
جلس يوسف قبالتي على الفراش، في يده اليمنى قطعة خبز صغيرة فوقها قليل من مربى المشمش، ناولني إياها:
- خود ... هاي الك.
- شكراً يا يوسف... هادا عشاك ولازم تاكله.
- لا أنا شبعان ... وإنت زلمه بدك تتجوز بكره، لازم تاكل عسل، قال الدكتور إن العسل مفيد.
ثم تابع الحديث دون أن يتيح لي فرصة الكلام:
- هلق انت شو بتتمنى؟
- اتمنى أن أطلع من هون.
- شوف ... هون كويس ... انت تعرف انه عندي فرس اصيلة لونها احمر، وعندي تياب كلها بيضا، ابيض بأبيض ... استنى شي كم يوم بتشوف أخوك يوسف لابس أبيض بأبيض ... وراكب عالفرس الحمرا، وواقف بنصّ موسكو .. بالساحة الحمراء...
سكت قليلا ثم أردف بصوت أحد قليلا :
- والله ... والله بدنا ندك اسوار موسكو !..بدنا نمسح الكفر والكفار! .
15 أيلول
(52)

توقيع [نافع العطيوي]

إذا ذكر اسم الله في بلدٍ = عددت أرجاءه من لب أوطاني

وإذا شكا مسلمٌ بالصين أراقني = وإن بكى مسلمٌ في الهند أبكاني
مصر ريحانتي والشام نرجستي = وبالجزيرة تاريخي وعنواني

  رد مع اقتباس
قديم 01-10-2011, 10:03 PM   رقم المشاركة : [18]
نافع العطيوي
الإدارة
 

 
بيانات العضو




 


نافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really nice

درع ملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 1 (الـمـزيـد» ...)

أنا جائع، أكثر من خمسة شهور مرت على بداية الجوع، غريزة البقاء، بدأت تحدث بعض المشاجرات بين السجناء بسبب توزيع الطعام، عهدوا بهذا الأمر الى أكثر الأشخاص احتراماً و مهابةً، تطرح هنا تساؤلات كثيرة حول سبب نقص الطعام:
- هم يريدوننا أن نموت جوعاً!.
-قد يكون لدى السلطة النية بإخلاء سبيلنا، لكنها لا تريدنا أن نكون أقوياء في الخارج، يجب ان نكون مرضى كي لا نستطيع القيام بشيء خارجاً.
الكثير من التخمينات ، الكثير من التحليلات، ولكن الشرطة كانت تراقب.
فتح اليوم عناصر الشرطة الباب وطلبوا إدخال الطعام، ركض الفدائيون وقاموا بإدخال كميات الطعام الهزيلة، ولأول مرة لم يكن هناك ضرب وكرابيج، برز بعدها المساعد ووقف على باب المهجع، بيده بطيخة حمراء تزن حوالي ثلاثة كيلو غرام، صاح برئيس المهجع:
- تعال لهون.
ذهب رئيس المهجع اليه مسرعاً.
- خود هالبطيخة، حصة المهجع!.
سكت قليلا وبعد ان تناول رئيس المهجع البطيخة، قال المساعد:
- بدي شوف ... كيف بدك توزع هالبطيخة على المساجين!.
تردد رئيس المهجع قليلا، في البداية ظهرت على وجهه علائم الحيرة ثم امارات التحدي والاستفزاز، "أصبحت أعرفه جيدا بحكم قربي منه"، أطرق برأسه قليلاً ثم التفت الى داخل المهجع وصاح بصوت عال:
- يا مرضانين ... هاي البطيخة الكم.
وناولها الى أحد السجناء.
نظر اليه المساعد لثانيتين بتمعن شديد، رجع خطوتين الى الوراء وصفق الباب بوجه رئيس المهجع بقوة.
جلس جميع السجناء، شعور الفخر يغمر الجميع، حتى أنا، لقد هزم رئيسُ المهجع المساعد، يكفي انه أغاظه.
فيما الجميع منهمكون بالحدث حانت مني التفاتة الى اليسار وإذا بي ارىالساحة تلوح امامي، ساحة الإعدام ... الساحة السادسة، هناك الى جانب، كشف الباب، فجأة وجدت ثقباً غير منتظم أكبر قليلاً من حجم جوزة ، هذا الثقب حدث الآن! نظرت حولي فوجدت كتلة اسمنتية على طرف فراشي، حملتها وسددت الثقب بها فركبت تماما وسدّته، الثقب على مستوى رأسي وأنا جالس.
عندما صفق المساعد الباب ومن قوة الضربة سقطت هذه الكتلة الاسمنتية والتي يبدو أنها بالأساس متشققة وأحدثت هذا الثقب.
الآن استطيع أن أرى كل ما يدور في الساحة متى أشاء ذلك، استطيع ان أتلصص على الخارج كما أتلصص من ثقب قوقعتي على الداخل.
(53)
يوسف "مجنون القائد" انقطع عن زيارتي، أو لم يعودوا يسمحوا له بزيارتي، انتبهوا لي مجدداً بعد زياراته، مجموعة من الأشخاص أخذت على عاتقها أمر الحيلولة بينه وبين زيارتي، يراقبونه وهم جالسون حتى إذا رأوه متجها نحوي ناداه أحدهم ‏أو وقف في طريقه يمازحه:
- شو يوسف ... ما بدك تخبر القائد؟
- أي .. بدي خبرو ... بس تلفوني مقطوع.
- تعال لهون ... أنا عندي تلفون.
يأخذه الى مكانه، يحادثه الى أن ينسى يوسف أنه كان قادماً لعندي.
} الجوع يقرص معدتي.{
20 أيلول
ثلاثة أيام بعد اكتشاف الثقب، ثلاثة أيام لم استطع أن أنظر من خلاله، قلبي ينبض بشدة كلما فكرت في الأمر.
طوال اليوم وأنا أفكر كيف أتغلب على خوفي من الشرطة، والأهم خوفي من السجناء، ماذا سيفعل السجناء إذا رأوني وأنا انظر عبر الثقب؟!.
هبط علي الوحي عندما نظرت أمامي، الى دكتور الجيولوجيا، لماذا لا أفعل مثله ؟!! أدير وجهي قبالة الحائط وأغطي نفسي بالبطانية، بحيث تغطي البطانية الثقب أيضاً، وهكذا أنظر بحرية دون أن يلاحظ أحد، وهذا يخلصني في الوقت نفسه من النظرات العدائية التي ازدادت مؤخراً.
ولكن يجب أن أجرب التغطية لمدة يومين أو ثلاثة قبل أن أغامر وأفتح الثقب وأنظر من خلاله.
القمل يهرش جسدي، لم استطع الاعتياد عليه والتعايش معه بعد.
}الجوع يشتد ويتراكم. {
30 أيلول
نجحت في أن أجعلهم يعتادون على رؤيتي مغطى بالبطانية، منذ يومين مرّ أحد السجناء من خلفي وأنا مغطى، سمعته يقول لرئيس المهجع:
- شو يا أبو محمد ؟.. كنا بواحد صرنا باثنين .. شو القصة ؟ ... كمان الاستاذ أجّر الطابق الفوقاني ؟! .
- خليها على الله... اللهم نسألك حسن الختام.
لم أستطع ان أنظر من خلال الثقب ولا مرة، لأن الشرطة كانت في حالة هياج شديد، فقد كانت تمر فترات نشعر فيها أن قبضة رجال الشرطة قد تراخت قليلا، وفجأة تعود هذه القبضة لتصبح من حديد ونار، عندها يخمن البعض هنا أن هناك احداثاً هامة تدور في الخارج، وأن السلطة قد منيت بخسائر جسيمة وأن وضعها حرج وقد تكون آيلة للسقوط، ونتيجة لعجزها عن مواجهة ما يدور في الخارج فانها تحاول ن تعوض هنا وتنتقم من المساجين المساكين الذين لا حول لهم ولا قوة .
(54)
6 تشرين الأول
اليوم كان مليئاً.
منذ الصباح تعج الساحة بالأصوات والضرب والصياح والصراخ. فتح باب مهجعنا وخرج الفدائيون لإدخال الطعام تحت ضرب الكرابيج والعصي، أحد الفدائيين تلقى ضربة عصا سقط على إثرها ارضاً وكانت هذه آخر سقطة له، بقي في الخارج وحيداً بين أيدي عناصر الشرطة، وبعد قليل صاح الرقيب:
- ولا كلاب ... تعوا دخلوه.
عاد الى المهجع محمولاً بدلا من أن يكون حاملاً.
تلقفه الأطباء في المهجع، بعد أكثر من ساعة لفظ أنفاسه وأسلم الروح بعد ان أوصى صديقه بصوت متهدج:
- سلم على ابوي ... إذا الله فرج عنك ... احكيلوا عني ... وقل له يرفع رأسه بابنه ...
واحد من الأطباء أتى الى عند رئيس المهجع والحزن باد عليه:
- البفية بحياتك يا أبو محمد ...يوم جديد وشهيد جديد... الله يرحمه ما خلوا محل بجسمه الا وضاربينه ...عدة إصابات ... حتى الخصيتين مهروسات هرس.
- عليه رحمة الله، خلي الشباب يجهزوه مشان ندق الباب ونطالعه.
انغمس المهجع بتجهيز الشهيد، الحديث عن الشهيد، مآثره، وصيته الأخيرة، ثم صلوا عليه سرا وأحضروه قرب الباب، وضعوه في الفسحة الفاصلة بيني وبين أبو محمد رئيس المهجع، علق واحد:
- العمى شو هالحالة ؟! عم نموت واحد ورا واحد متل الخرفان !!.
لم يرد عيه أحد.
وقف أبومحمد ودق الباب بجماع يده، وجاء الصوت من الخارج:
- شو بدك يا ابن الشرموطة ؟... ليش عم تدق الباب ؟.
- يا سيدي ... في عنا واحد شهيد !!! ... عفوا عفوا ...
واحد ميت.
نسي أبو محمد حذره من كثرة ترداد كلمة شهيد في المهجع، انتبه واستدرك ولكن هذا الاستدراك جاء متأخراً.
فتحت الطاقة الصغيرة في الباب الحديدي وظهر رأس الرقيب، وبمنتهى الهدوء توجه بالسؤال الى أبو محمد الذي كان واقفاً:
- مين يللي قال شهيد ... يا رئيس المهجع ؟.
- أنا سيدي.
أغلق الرقيب الطاقة وصاح بالشرطة أن يفتحوا الباب.
في الثواني القليلة التي استغرقها فتح الباب، التفت أبو محمد الى الناس وقال:
- يا شباب سامحوني ... إدعوا لي ... ويللي يضل طيب منكم خليه يروح لعند ولادي ويحكيلهم كيف مات أبوهم!
(55)

توقيع [نافع العطيوي]

إذا ذكر اسم الله في بلدٍ = عددت أرجاءه من لب أوطاني

وإذا شكا مسلمٌ بالصين أراقني = وإن بكى مسلمٌ في الهند أبكاني
مصر ريحانتي والشام نرجستي = وبالجزيرة تاريخي وعنواني

  رد مع اقتباس
قديم 01-10-2011, 10:06 PM   رقم المشاركة : [19]
نافع العطيوي
الإدارة
 

 
بيانات العضو




 


نافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really nice

درع ملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 1 (الـمـزيـد» ...)

فُتح الباب. جمهرة من الشرطة أمامه تنظرالى الداخل، جمهرة من المساجين وفي المقدمة أبو محمد ينظرون إلى الخارج، صاح الرقيب:
- ولا ابن الشرموطة ... اطلع لبره.
قذف أبو محمد نفسه بينهم، صاح الرقيب بالشرطة أن يغلقوا الباب، كل السجناء واقفون إلا العجزة ودكتور الجيولوجيا، جلست أنا ايضا وغطيت نفسي بالبطانية، وبسرعة وبهدوء نزعت الكتلة الاسمنتية قليلاً... قليلاً.
لم أكن أعي أو أدرك ما أفعل، فالشرطة أمام مهجعنا تماماً والثقب كبير يمكن لأي شرطي أن يلاحظه، ولكني فتحت الثقب ونظرت.
أبو محمد كان ضابطاً سابقاً، وكان رجلاً حقيقياً. منذ فترة وعندما حدثت بعض المشاحنات في المهجع بسبب توزيع الطعام القليل أصلاً، أحس انه قد مُسَّ من قبل شخص ما، بقي على أثرها سبعة أيام لم يتناول خلالها ولا ذرة طعام، سبعة أيام بدون طعام بعد أشهر من الجوع.
اتى لعنده مجموعة من كبار المشايخ والناس الأكثر احتراماً في المهجع يطيبون خاطره ويعتذرون نيابة عن كل الناس، ورجاءً خالصاً ان ينسى كل شيء، وانهم لن يذهبوا من عنده قبل ان يأكل، وكان مما قاله ابو محمد رداً عليهم:
- ابو محمد لا يمكن ان يسمح لـ" لقمة أكل " ان تذله ... واذا كان هناك من تصرف او سيتصرف بدناءة، فهذا الشخص لن يكون ابو محمد، الموت ولا الذل.
بعد ان فتحت الثقب كان اول من رأيت هو ابو محمد، بيده عصا غليظة من المؤكد أنه انتزعها من أحد عناصر الشرطة بعد أن فاجأهم بطريقة خروجه، يضرب بها ذات اليمين وذات الشمال، تحيط به دائرة من عناصر الشرطة والبلديات، ثم رأيت واحداً من الشرطة ممدداً على الأرض.
تضيق الدائرة حوله وتنهال عليه بعض الضربات من الجانبين ومن الخلف، يتألم يلتفت ويهجم، تتسع الدائرة، معركة حقيقية ولكنها غير متكافئة عددياً، من طرف رجل يعرف انه سيموت في كل الأحوال، وقرر ألا يموت موتاً سهلاً ورخيصاً، ومن الطرف الاخر مجموعة كبيرة من الأشخاص اعتادوا ان يكون قتلهم للآخرين سهلاً.
والكثرة غلبت الشجاعة. سقط أبو محمد ارضاً بعد زمن قدرته بحوالي ربع الساعة، حضر اثناءها المساعد والطبيب ومدير السجن، على الأرض اربعة اشخاص ممددين، ثلاثة من الشرطة بينهم الرقيب " ابن الشرموطة "، لقد رأيت كيف تقصد ابو محمد أن يهاجمه هو رغم أنه كان بعيداً عنه، وكيف نزلت عصا ابو محمد على رأسه.
فحص الطبيب الجميع، أسعفوا أحد العناصر بسرعة، الرقيب والعنصر الآخر ماتا، ابو محمد مات، قدم الطبيب هذا الشرح لمدير السجن الذي التفت الى المساعد طالباً منه أن يجمع كل من في السجن من عناصر الشرطة والبلديات وأن يقف جميع الحراس المسلحين الموجودين على الاسطحة فوق مهاجع الساحة السادسة.
عرفت ان المشهد لما ينته بعد، أغلقت الثقب جيداً وأزحت البطانية.
(56)
( من الاشياء التي لا يمكن أن أنساها ابداً، شجاعة العميد في الساحة الاولى وشجاعة ابو محمد في الساحة السادسة، وفكرت كما يفكر الجميع هنا، تساءلت : كيف يحدث، او لماذا يحدث، ان يوجد هكذا ضباط في السجن، يُقتلون فيه والكل يعرف اننا في حالة حرب؟
ولكن فوراً قمعت هذا التفكير، محوته من ذهني ) .
اعتبر المقدم مدير السجن أن ما حدث كان تمرداً وسابقة خطيرة يجب أن تجابه بكل قوة، بمنتهى القسوة والعنف كي تكون درساً للجميع.
حوالي الثلاثمائة سجين، يحيط بهم على محيط الساحة أكثر من هذا العدد بكثير من عناصر الشرطة والبلديات، عشرات الحراس المسلحين على الأسطحة.
- لا تتركوا أحداً في المهجع.
جمعونا وسط الساحة، في آخر الصف قريباً من المهجع وضعوا العجزة، القى مدير السجن محاضرة نصفها شتائم، والنصف الآخر تهديد ووعيد، وقد نفذ تهديده، قال للمساعد:
- مابدي حدا يفوت على المهجع وهو ماشي، السليم منهم لازم يفوت زحف على بطنه.
"بعض السجناء سيسمي هذا اليوم لاحقاً بـ / يوم التنكيل / وبعضهم الآخر سيسميه / يوم أبو محمد/". .
استمر التنكيل من قبيل الظهر إلى ما بعد حلول الظلام، وكان أكثر ما يؤلم مشهد المشلولين وهم يُضربون، يحاولون الحركة، يحاولون تفادي الضرب .. ويظلون مكانهم.
دخلنا زحفاً وجرجرةً، من لم يستطع ان يجرجر نفسه أوغيره، تكفل البلديات بـ " قذفه" داخل المهجع، اخذنا نضمد جراحنا، نغسلها، نبحث عن مزقة قماش نلف بها جرحاً ما.
الجوع يعضنا، رغم ذلك نمنا.
7 تشرين اول
في الصباح الجميع ينظر الى الجميع، كل من لديه القدرة يحاول أن يطمئن على جاره، الحصيلة ثلاثة قتلى ماتوا ليلاً، جراحي خفيفة ولا تشكل أي خطر.
أتى المساعد ومعه الشرطة، كل من يستطيع الوقوف وقف، "اكتشفت أن ابو حسين وهو الشخص الذي يوزع الطعام ويرضي الجميع كان قد نقل فراشه ليلاً الى مكان ابو محمد".
تقدم المساعد خطوتين، شمل المهجع بنظرته، ابتسامة على زاوية الفم، نظر إلى ابو حسين، نظر إليّ، أشار إليّ قائلاً:
- إنت بتصير رئيس مهجع.
سكتّ ولم اجب، سكت المساعد وتراجع يريد الانصراف، تحرك ابو حسين مصطنعاً الخوف، رفع يده عالياً وقال:
- يا سيدي اسمحلي بكلمة.
- قول ولا.. كرّ.
(57)
- يا سيدي هادا يللي عينتوا رئيس مهجع .. يا سيدي، مجنون!.
التفت المساعد إليّ، سألني:
- انت مجنون .. ولا؟
لم إجب. لم أعرف بماذا أجيب. قال المساعد:
- طيب .. أصبح انت بدك تصير رئيس مهجع.
- متل ما بدك سيدي .. بس في عندنا ثلاثة ميتين.
- ميتين؟.. ولا شهداء؟
- ميتين سيدي.. ميتين.
- قول نفقوا.. ولا جحش.
- نفقوا سيدي.. نفقوا.
- يالله .. طالعوهم لبره.
وأغلق الباب. أصبح ابو حسين رئيس مهجع، اقترب مني بهدوء وقال:
- انا بعرف إنك مانك جاسوس .. وساويتك مجنون لأنه للضرورة أحكام.
" هاهو واحد اخر منهم يشعرني بالأمان الى جانبه ".
24 شباط
البرد يجمدنا، الجوع يضنينا.
أكثر من عشرة اشهر مرت ونحن جائعون، ربع رغيف أقسمه ثلاثة أقسام، وأقاوم، أقاوم الرغبة بالتهامه كله دفعة واحدة، عشرة شهور لم يصل فيها أحد السجناء الى الشعور بالشبع، الهزال بدا شديداً على الجميع، الوجوه مصفرة وآثار سوء التغذية جلية واضحة.
في البداية تعامل الجميع مع المسألة بأنفة وعزة نفس، شيئاً فشيئاً ومع استمرار الوضع بدأت التصرفات الغريزية تطل برأسها، فالسجن أساساً هو عالم الاشياء الصغيرة، عالم الصغائر، اثنان من اساتذة الجامعة، شخصان محترمان جداً، كبيران في السن .. يتشاجران، يتشاتمان، ينتهي الأمر بالمقاطعة، والمسألة برمتها تكون قد بدأت على الشكل التالي:
- يا اخي كم مرة قلت لك لا تلبس شحاطتي؟!
- ايه ... شو فيها إذا لبسناها؟ .. رح ينقص من قيمتها يعني؟!
- بينقص ما بينقص ... لا تلبسها وبس... صار ميت مرة حكينا ... وإلا انت ما بتفهم حكي؟!
- انا ما بفهم!!... شو شايفني حمار متل حضرتك؟!
- أنا حمار ؟! ... ايه إنت وأبوك وكل عيلتك حمير يا أكبر حمار!!.
وقد يتطور الأمر بين الأستاذين إلى الضرب إذا لم يتدخل أحد بينهما.
لا يمر يوم دون مشاجرة أو أكثر موضوعها الوحيد الطعام .
- ليش اعطيتني قطعة خبز أصغر من غيري؟
(58)

توقيع [نافع العطيوي]

إذا ذكر اسم الله في بلدٍ = عددت أرجاءه من لب أوطاني

وإذا شكا مسلمٌ بالصين أراقني = وإن بكى مسلمٌ في الهند أبكاني
مصر ريحانتي والشام نرجستي = وبالجزيرة تاريخي وعنواني

  رد مع اقتباس
قديم 01-10-2011, 10:10 PM   رقم المشاركة : [20]
نافع العطيوي
الإدارة
 

 
بيانات العضو




 


نافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really niceنافع العطيوي is just really nice

درع ملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 1 (الـمـزيـد» ...)

- ليش تعطي لفلان ملعقة لبنة كاملة وانا يا دوب نص ملعقة؟
- ما بيكفي إنه حصتي ثلاثة حبات زيتون وفوقها تكون صغيرة، حبات غيري سمينة.
قبل شهر اجتمع الاطباء مع رئيس المهجع ابو حسين، شرح احدهم لابو حسين ان استمرار الوضع الحالي ينذر بكارثة مرضية، وأن لديهم اسباباً قوية من خلال ملاحظاتهم وفحوصهم للاعتقاد أن قسماً من السجناء قد أصيب بالسل، وطلبوا منه إبلاغ ادارة السجن بالأمر، وبعد نقاش تقرر اعتماد خطة المرحوم ابو محمد.
أبلغوا جميع المهاجع بالأمر عن طريق "المورس" وتبين أن الإصابات لدى الجميع، وبعد المطالبة حضر المساعد ، شرح له ابو حسين الوضع وأردف:
- يا سيدي الأطباء متأكدين إنه مرض السل.. ومتل ما سيادتكم تعرفوا هادا مرض معدي كتير ... ونحن وانتو بمحل واحد، ومتل ما ممكن السجين يمرض، ممكن لا سمح الله الشرطي كمان ينعدى.
- ابتدأ العلاج ، تفاعل السلين ، الأرشيدين ...
************
أنا منذ أشهر مستمر بالمراقبة والتلصص عى ساحة السجن عبر الثقب، حفظت وجوه عناصر الشرطة كلهم، شاهدت الإعدامات ... ثمان مشانق ... كل اثنين وخميس، أسمع كلام الشرطة بوضوح احياناً، كان الناس هنا يتساءلون: لماذا لم نعد نسمع صيحات الله أكبر لدى تنفيذ حكم الأعدام ؟. الآن عرفت السر، بعد أن يخرج المحكومون بالإعدام من المهجع يغلق الشرطة الباب ويقومون بلصق أفواه المحكومين بلاصق عريض، كأن صرخة الله أكبر من المحكومين قبل اعدامهم تشكل تحدياً واستفزازاً للمحكمة الميدانية وادارة السجن، فمنعوها باللاصق.
المشانق غير ثابتة، لا تشبه المشانق العادية التي يصعد اليها المحكوم بالإعدام. هذه المشانق هي التي تنزل إلى المحكوم، البلديات الأشداء يميلون المشنقة إلى أن يصل الحبل إلى رقبة المحكوم بالإعدام، يثبتون الحبل حول الرقبة جيداً ثم يسحبون المشنقة من الخلف، يرتفع المحكوم عليه وتتدلى رجلاه في الهواء، بعد ان يلفظ الروح ينزلونه الى الارض ... وتأتي الدفعة الثانية ثم الثالثة ... أغلب الذين شاهدت اعدامهم كانوا هادئين، شاهدت أيضاً حالات كثيرة ظهر فيها حب الحياة والضعف الانساني، البعض كانت ترتخي لديه مصرتا البول والبراز، والشرطة في هذه الحالة ينزعجون كثيراً، فالرائحة لاتطاق، يشتمون ويضربون الشخص الذي عملها !. بعضهم الآخر كانوا يبكون، يحاولون الكلام والتضرع فيمنعهم اللاصق العريض، أحد المساجين من صغار السن استطاع أن يفلت من بين ايديهم ويركض في الساحة السادسة، وهي ساحة كبيرة جداً ذات فرعين، الهرب مستحيل واضطر الشرطة والبلديات للركض وراءه لدقائق الى أن أمسكوه، اوقفوه تحت المشنقة فجلس على الارض، رفعه اثنان من البلديات وأدخلوا رقبته في الحبل، بعد قليل لعبط برجليه في الهواء.
20 آذار
(59)
علاج مرضى السل مستمر، وجولات الدكتور سمير الذي قام بالعلاج أيضاً مستمرة، مرّ شهران كاملان لكن الاصابات في تزايد مستمر، وصل الرقم الى ألف وثلاثمائة إصابة في السجن حسب ما قال الدكتور سمير، الوفيات قليلة جداً.
كان الجميع هنا يعزي معالجة التهاب السحايا ومرض السل الى فضل طبيب السجن، الجميع يشيد بانسانيته وذلك حتى عشرين يوماً خلت، حيث وردت رسالة "مورس" مؤلفة من بضع كلمات:
" طبيب السجن قتل اثنين من زملاء دفعته. "
الرسالة واردة من المهجع السابع، بعد ثلاثة أيام وردت رسالة اخرى:
" طبيب السجن قتل ثلاثة من زملاء دفعته. "
الرسالة واردة من المهجع الرابع والعشرين.
أبو حسين، وهو شخص ديناميكي جداً بالاضافة الى انه ذكي، احس بالخطر، فدعا الطبيبن زملاء دفعة طبيب السجن لعنده، تحدث واياهما مطولا، سألهما عن أشياء كثيرة، كانت لديه خشية كبيرة من أن يقوم طبيب السجن بقتل كافة زملاء دفعته ومنهم هذان الطبيبان، استخدم أبو حسين كل لباقته ودهائه كيلا يدخل الخوف الى قلبيهما، وفي الوقت نفسه كان لا يريد أن يكذب عليهما. الحديث كان طويلا جداً، وأهم ما فيه قول أبو حسين لهما:
- أنا لا أريد أن أهون المسألة وأكذب عليكما، يبدو أن زميلكما قد بدأ هناك ومن المحتمل أن ينتهي هنا، - وأرجوا من الله أن يكون ظني خاطئاً - ولكن قد يكون دوركما قادماً - لا سمح الله - ، والآن هل استطيع أنا أو غيري أن نفعل شيئاً؟.
سكت الطبيبان قليلاً ثم تناوبا على الحديث بعد ذلك:
- ليس بيدك أو بيدنا يا أبو حسين إلا أن نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، وستأتي ساعة نقف فيها جميعا بين يدي الله، و يا ويله من تلك الساعة.
- ولكن قولا لي لماذا يفعل هذا؟ هل هو ينتقم؟ وممن؟.
- والله يا أبو حسين لا نعرف الكثير عنه، ما نعرفه ويعرفه جميع زملائنا أنه أتى الى الجامعة وكان فقيرا جداً، كان ريفيا بسيطا وخجولا، قد يكون زملاؤه أبناء المدينة قد تعاملوا معه بفوقية، وبعضُ منهم عامله باحتقار، عرف الجميع أنه من عشيرة الرئيس وهو لم يكن يخفي هذا، كان يدرس الطب على نفقة الدولة، قيل إنه كان يعمل مخبرا لدى الجهات الأمنية، كل أبناء المدينة تجنبوه، والقصة التي لها بعض المعنى في هذا المضوع هو حبه لزميلة من زميلاتنا من بنات المدينة، بقي حتى السنة الثالثة في الجامعة يحبها بصمت، لا يجرؤ على الاقتراب منها أو مصارحتها، في السنة الثالثة انتهز فرصة انفراده بها بأحد المخابر، أمسك يدها وصارحها بحبه، قال إنه يعبدها ... وإنه.... وإنه.
الفتاة وهي من عائلة مدينية محافظة عرفت بالغنى والقوة، كانت ردة فعلها عنيفة جداً، وقد تكون هي السبب في كل ما يحدث ، صدته باحتقار واشمئزاز، اشتكت الى عمادة الكلية، ثم أخبرت أهلها بما حدث.
(60)
عوقب من قبل الجامعة، ولكن ردة فعل الأهل كانت أعنف، ثلاثة من أخوة الطالبة ظلوا يتجولون في أرجاء الكلية بصحبة أختهم مدة ثلاثة أيام، وكان واضحا للجميع أنهم يخفون أسلحة تحت ثيابهم، كانوا يبحثون عنه وبنيّتهم قتله، هكذا قالت الطالبة فيما بعد، لكنه لم يكن موجوداً، لقد اختفى ولم يعد يحضر الى الكلية.
بعد أسبوع حضرالى الكلية وكأن شيئا لم يكن. إخوة الطالبة انسحبوا. عقوبة الإدارة ألغيت.
- راح جاب قرايبه المخابرات، ودخّل وساطات، باس الأيادي حتى عفا عنه أهلي.
هكذا راحت الطالبة تشرح الأمر للآخرين.
تابع دراسته منزوياً لايختلط مع أحد إلا طالباً أو طالبين من منطقته، الكل كان يعامله بعدها باحتقار، وبعض زملائنا الطلاب كانوا أحياناً يسلقونه بتعليقاتهم اللاذعة.
- لكن ... اقسم بالله يا اخي ابو حسين , نحن هذه المجموعة لم نكن ننتبه لهذه الامور لا من قريب ولا من بعيد , كنا في صف واحد أكثر من خمسة وعشرين شاباً مؤمناً بالله نحضر بعد الدوام دروسا دينية في المسجد، ولهذا السبب نحن هنا الان، كم من الاخوة قبض عليه وكم منهم نجا، لست أدري ... كان الله في عون الجميع.
- هم م ... قلت لنفسي إنه قد يكون في الامر امرأة. إن هذا الشخص يشعر بالعار، ولكن هل اذا قتل شهود عاره، يمحي هذا العار ؟... غبي ...
ولكني إعتقد أن هذا السبب على قوته لايكفي! أعتقد ان هناك سبباً اخرَ لا يعرفه احد!
اليوم في 20 آذار، قبل عيد الربيع بيوم واحد، كان موعد هذين الطبيبين مع زميلهما.
أخرج عناصر الشرطة الطبيبين وأغلقوا الباب، أسرعت الى بطانيتي والثقب، رايت الطبيبين يسوقهما عناصر الشرطة إلى أمام طبيب السجن الذي يقف على مبعدة أربعة او خمسة أمتار من المهجع. يقف الطبيب عاقداً يديه على صدره وهو يبتسم. رحب بهما: أهلاً وسهلاً، ثم التفت الى عناصر الشرطة وأمرهما:
- روحوا خلوكم جانب البلديات.
في وسط الساحة سبع من البلديات العمالقة. وقف عناصر الشرطة بالقرب منهم، اسمع الحديث بصعوبة، قال طبيب السجن:
- ايه ... هلق عم تقولوا لحالكم : سبحان مغير الاحوال ... طيب وانا كمان بقول هيك ... بدي اطلب منكم طلب، مين منكم بدو يجوزني اختوه ؟ .
لم يجب الطبيبان بشيء، رأساهما منكسان قليلاً، تابع طبيب السجن:
- ليش ساكتين؟! ... شو يا عدنان ... أنا عم أخطب اختك على سنة الله ورسوله، الزواج عيب شي؟.
- بس انا ما عندي اخت، والحمد لله.
هنا قال طبيب السجن لعدنان شيئاًً لم اسمعه. سادت فترة صمت ثم التفت الى الطبيب الآخر، وقال :
- طيب ... وأنت يا زميل سليم كمان ما عندك أخت؟.
- نعم ... عندي أخت.
- طيب خطبني اياها على سنة الله ورسوله.
(61)

توقيع [نافع العطيوي]

إذا ذكر اسم الله في بلدٍ = عددت أرجاءه من لب أوطاني

وإذا شكا مسلمٌ بالصين أراقني = وإن بكى مسلمٌ في الهند أبكاني
مصر ريحانتي والشام نرجستي = وبالجزيرة تاريخي وعنواني

  رد مع اقتباس
إضافة رد

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الرستن تتعرض لـ"مجزرة حقيقية نافع العطيوي ملتقى: جرائم النظام السوري 1 03-10-2011 06:14 AM
ظلام النهار رواية حقيقية صادقة جاءت متأخرة جميل السلحوت ملتقى ...النـقـد 1 31-10-2010 07:54 AM
رواية حلم. البيلسانّ العتيبي ملتقى .. همس الخواطر 4 25-05-2009 07:19 PM
معاناة شاب فلسطيني يحتسب أمره إلى الله قصة حقيقية تحسين أبو عاصي ملتقى ..القصة والرواية 2 08-12-2008 08:05 PM



الساعة الآن 09:23 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.2
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.

هذا الموقع تحت حماية وتطوير شركة لاين العربية