يا هل ترى .. إلى أين ؟ قلبت الأمر من جميع الوجوه , خرجت بنتيجة انه مهما كان المكان الذي سيأخذوني إليه فإنه حتماً سيكون أفضل .
ارتحت قليلاً، فكرت بنسيم .. ماذا سيقول , و ماذا سيفعل عندما يستيقظ صباحاً فلا يجدني إلى جانبه ؟!.. اشتقت إليه .
استرخيت قليلاً وكان يمكن أن أغفوا ولكن فجأة ترنحت السيارة , السائق أخذ يصيح :
- يا لطيف .. يا ستار .. يا لطيف .
استيقظ الجميع وصرخوا , لقد انفجر الإطار الخلفي للسيارة , استطاع السائق بمهارة فائقة أن يسيطر عليها بعد أن خرجت عن الطريق وتوغلت في رمال الصحراء .
وصلنا العاصمة قبيل الظهر , استغرق اصلاح الإطار عدة ساعات , فقد كنا في الصحراء وأقرب نقطة إلينا تبعد عشرات الكيلومترات .
هذه مدينتي .. لم أعرف شيئاً في الشوارع التي كنا نسير فيها !.. مدينتي التي ولدت فيها وترعرعت وكنت أحسب نفسي ضليعاً في معرفتها , لم أعرف في أي شارع نحن ولا إلى أين نتجه !.. لقد تغيرت إلى درجة يصعب على من غاب عنها هذه المدة أن يعرفها , إلى أن وصلنا إلى الساحة المركزية للمدينة , ها أنا أعود إلى مدينتي التي أعرفها , هذه النوافير .. هي .. هي .. عندما كنت طفلاً كان يطيب لي أن أقف تحت رذاذها المتطاير .. فأشعر بالإنتعاش , ومن هذه الساحة عرفت أن السيارة تتجه نحو مركز المخابرات الذي حللت فيه لدى عودتي .
ترى هل مازال أبو رمزت و أيوب هناك ؟ .. خيزرانة أيوب التي تبدو لي الآن كلعب الأطفال أمام ما شاهدت وذقت .. هناك !.
السيارة تتوقف عند اشارات المرور , انظر إلى الناس , اتفحص وجوههم , ما هذه اللامبالاة .. ترى كم واحداً منهم يعرف ماذا جرى ويجري في السجن الصحراوي ؟ .. ترى كم واحداً منهم يهتم ؟ أهذا هو الشعب الذي يتكلم عنه السياسيون كثيراً ؟ .. يتغنون به .. يمجدونه .. يؤلهونه ! ... ولكن هل من المعقول أن هذا الشعب العظيم لا يعرف ماذا يجري في بلده ؟! إذا لم يكن يعرف فتلك مصيبة , و إذا كان يعرف ولم يفعل شيئاً لتغيير ذلك فالمصيبة أعظم , استنتجت أن هذا الشعب إما أن يكون مخدراً .. أو أبلهَ ! ... شعب من البلهاء , هل يعرف أحد من هذه الجموع .. هذا البقال .. هذه الفتاة التي تسير سعيدة مبتسمة وهي تتأبط حبيبها .. من هو نسيم ؟ ... نسيم الذي يقبع الآن في السجن الصحراوي ينتظر من يناوله دواءه , نسيم الذي جن لأنه لم يستطيع أن يتصالح مع هذا الواقع .
انتبهت لنفسي , مالي أفكر غاضباً هكذا ! هل أصبحت سياسياً ؟ ... ابتسمت رغماً عني , هل أتوقع أن يخرج هذا الشعب في مظاهرات عارمة للمطالبة بإطلاق سراحي من السجن ؟ .. من أنا ؟ ! .
يا إلهي ما أكثر الناس , أحدق في الوجوه , بيتنا قريب من المكان الذي تتجه إليه السيارة , قد يحالفني الحظ فأحظي بمشاهدة أمي أو أبي أو أحد أخوتي , لا بل يكفي أي وجه أعرفه .
(117)
انحرفت السيارة عن الطريق الذي كنت أتوقعه و الذي يؤدي إلى ذلك المبنى الكئيب القريب من بيتنا , سارت بإتجاه الجنوب الغربي مخترقة المدينة من الشمال إلى الجنوب , مررنا بمعالم كثيرة أعرفها , أحن إليها , ها هي الجامعة و الطلاب و الطالبات داخلين خارجين , لا أذكر من حياتي إلا أنني كنت طالباً والآن أمشي سريعاً في العقد الخامس من عمري ! .
مبنىً ضخم , حراسات مشددة , الدخول صعب ومعقد حتى على سيارات الأمن , انتظرنا أكثر من عشر دقائق , اتصالات واستفسارات , سمحوا للسيارة بتجاوز الحاجز , دخلنا وأصبحنا أمام البناء , أنزلوني أمام باب زجاجي عريض , البلاط يلمع , كل شيء يوحي بالنظافة و النظام , ذهب الطويل حاملاً معه الأوراق , دخل أول غرفة إلى اليسار , لم يطلب مني أحد أن أغمض عيني أو أنكس رأسي , لكن رأسي نصف منكس بحكم العادة , عاد الطويل وقال للاثنين اللذين معي بعد ان ناولهما الأوراق :
- نزلوه عــ السجن .
مباشرة قبالة المكان الذي كنا نقف فيه , نزلنا الأدراج .. أدراج .. ثم نلف ثم أدراج .. باب عبارة عن قضبان حديدية , قفل ضخم , يدقون الباب , يحضر سجان سمين يحمل بيده كدسة من المفاتيح , يعطوه الأوراق , يفتح الباب يدفعوني إلى الداخل , يغلق الباب , ينصرف الاثنان .. ثم :
- انتظر هون .. لا تتحرك .
يذهب حاملاً الأوراق إلى غرفة في صدر رواق طويل , يظهر على باب الغرفة التي دخل إليها , يناديني , أذهب إليه , يدخلني الغرفة فأرى رجلاً أشيب وراء طاولة ينظر إلي , يطلب مني أن أخرج من جيوبي جميع أغراضي .
- ما عندي شيء .
- ابداً .. أبداً ؟ ما عندك مصاري ؟ .. ما عندك أغراض ؟ .
- ما عندي شيء .
- طيب .. ما عندك هوية ؟ .. جواز سفر ؟ .
- لا لا ما عندي شيء , جواز سفري وهويتي أخذوها مني في السجن الصحراوي .
- ما رجعوها إلك ؟ .
- لا ما رجعوها سيدي .
- طيب .. جسمك نظيف ؟ .
- نظيف سيدي .. نظيف , البارحة تحممت .
- يعني .. ما عندك قمل ؟
- قمل ؟ .. في عندي قمل كثير .. سيدي .
- وبتقول انك نظيف !!.
- التفت إلى السجان , طلب منه أن يأخذني إلى الحمام وبعد أن أنتهي من الحمام أن يضعني في المنفردة رقم /17/ , ثم قال لي :
(118)
الحمام ساخن , فوت عــ الحمام .. أول مرة اغسل كل ثيابك بشكل جيد , بعد غسيل الثياب تحمم أنت .. بــ تظل تتحمم وتغسل الثياب حتى تحس أنه ما ظل عندك ولا قملة , أحسن ما تملي السجن هون قمل .
- حاضر سيدي .
أخذني السجان , أدخلني الحمام المليء بالبخار , قبل أن يغلق الباب علي قال :
- أعمل مثل ما قال لك المساعد , بس تخلص دق الباب .. مفهوم ؟ .
- نعم سيدي .
الحمام كان ممتعاً , انتهيت، دققت الباب، لملمت ثيابي التي غسلتها جيداً , لم أستطع أن أعصرها بقوة لأنها مهترئة , فتح السجان الباب ورآني أحاول أن ألبس الثياب المغسولة , أمرني أن أمشي قبل أن ألبس .. قلت له لا يجوز , صرخ :
- اطلع ولا .. شو مانك رجّال ؟ .. بعدين على شو خايف ؟ !.. على هــ الطيز متل طيز القرد !!.
سترت عورتي من الأمام بثيابي المبللة , مشيت خلف السجان , وصلنا باباً عليه رقم /17/ ففتحه , دفعني , وأغلق الباب ورائي .
ها أنا لوحدي .. في زنزانة مطلية باللون الأخضر الفاتح , البطانيات على الأرض , الزنزانة واسعة قد تبلغ أكثر من ثلاثة أمتار مربعة , في سقفها فتحتان اكتشفت أنهما للتهوية , واحدة لسحب الهواء الفاسد و الآخرى لضخ الهواء الخارجي .
نشرت ثيابي المبللة على الأرض , جلست على البطانيات .. تغطيت بواحدة , الجو هنا حار , بعد قليل تمددت وغفوت .
استيقظت على الصوت المرعب , صوت قرقعة المفتاح الحديدي في الباب الحديدي , صرير الحديد بالحديد , جلست وأحكمت لف البطانية حول وسطي , انفتح الباب وظهر رجلان , أحدهما كهل و الأخر شاب ومعهما سجل , سألني عن اسمي وعمري , مكان ولادتي , كل المعلومات الخاصة المتعلقة بي سجلها , أغلق السجل وسألني عن سبب نومي عارياً , أجبته بأن الثياب الوحيدة التي أملكها مغسولة .. وهي لم تجف بعد , التفت إلى الشاب وقال :
- روح عــ المهجع , قول لهم أنه في واحد سجين ما عنده ثياب .
- حاضر .
أغلق الباب , بعد ربع ساعة عاد الشاب حاملاً صرة من الثياب , بيجاما رياضية , غيار داخلي .. سليب وليس سروالاً شرعياً يصل حد الركبة , جميعها جديدة .. ظهرتُ بمظهر جديد .
20 آيار .
ثلاثة أيام منذ أن غادرت السجن الصحراوي ومجيئي إلى هنا لم أر خلالها أحداً غير السجانين , ثلاث مرات في اليوم يفتحون الباب لإدخال الطعام , وبعد ساعة تقريباً من ادخال الطعام يفتحونه ثانية لإخراج الصحون و للخروج للمرحاض و المغاسل – يسمون المرحاض هنا " الخط " لم أستطع أن أعرف سبب هذه التسمية!.
الطعام هنا أفضل من هناك , يصل إلى السجين القليل من قطع اللحم , و الطعام أكثر نظافة .. وتنوعاً .
(119)