الباب الثالث
تقدم في الفصلين السابقين نموذجان للمعارك الأدبية ، أفردت لكل منهما فصلا لأهميتهما ، ولسبقهما تأريخياً ، وللعدد الكبير من الشعراء الذين اشتركوا فيهما.
واذا كان من العسير على دارس واحد ان يوفي هذا الموضوع حقه ، فهو من الطول والعرض والعمق بحيث يتسع لجهود عدد من الدارسين ، وسنين طويلة من البحث ، وهو خليق بعدة أبحاث يتناول كل منها جانباً يتعمق في البحث ، ويبسط القول فيه ، لكي تكتب تلك الصفحات من تاريخ الأدب العربي في العراق خلال الحقبة التي ندرسها بتفصيل ، اذا كان من العسير على دارس واحد ان يفي الموضوع حقه ، فحسبي اني أوردت نماذج لمعارك أدبية أخرى لم تكن بتلك السعة والشمول وهي أقرب الى روح المساجلات التي تجري في سياق شعر الاخوانيات
ومن الضروري الإشارة إلى ان ما يأتي في هذا الفصل ما هو الا عرض لنماذج من تلك المعارك ، على سبيل التمثيل ، وليس على سبيل الحصر والاستقصاء . فان الاستقصاء يستدعي اطالة لا طائل من ورائها ، وقد يعسر الايفاء بها ( ) .
وسنختم هذا الفصل بتحليل نصوص هذه المعارك ، ومتابعة آثارها في الحركة الادبية ، وقد كان من الضروري للدراسة ان تلجأ الى ترتيب هذه المعارك ترتيباً تاريخياً ، لكي تستكشف ملامح التطور الذي حدث خلال تلك الحقبة ، اذ ان الترتيب التاريخي يتيح توفير رؤية متسلسلة للتطور الفني .
المعــــــــــارك
( 1 )
وكان الشيخ محمد محيي الدين ( ت 1219 هـ ) ( )ولوعا بإثارة الخصومات والمعارك الادبية مع أصدقائه من شعراء وعلماء أعلام في الحقبة التي عاش فيها وكانت له مداعبات ومساجلات مع كثير منهم :
فقد أرسل الى السيد حسين بن السيد سليمان الحكيم( ) ( 1162 – 1236 هـ ) يستهديه ( سعفاً ) كان قد اعتــاد ارســاله اليه في كل عام وقد تأخر عن الموعد ، قائلاً :
قل للحسين أخي الإحسان والشرف لا تنس ما بي من الإخلاص والشغفِ
حاشا علاك من الإحجام عن صلتي بعد التعاهد والإتحاف بالتحـــف
لا زلت تنجز ما وظّفت من عـدةٍ هلا تفضّلت بالإسعاف بالســعف
فعجّل البرّ قبل البرد مبتــــدراً فالشيخ يشفى بلا نار على التلـف
كم للأكارم من أهليك من هبــةٍ جادوا بها سلفاً ناهيك من سلــفِ
نسجت مجداً على طرز الذي نسجوا فأنت تخلفهم بوركت من خلــف
طربت حتى يراعي ظلّ ممتدحــاً لا تحسبن كان الحاحي من الصلـف
قد صنتَ عِرْضَك عن شحٍّ يدنّسه حتى جنحتَ إلى التبذير والسـرف
فأجابه السيد حسين بقوله :
محمدٌ يا زكيّ الوسْط والطَــرَفِِ لا تَجْعَلَنْ ودّنا وقفاً على(طَرَفِ ) ( )
من سرَّه أن يرى كل الورى جمعت في واحدٍ فليرى ما فيك وليقـف ( )
من همّه في اكتساب المجد مرتقيـاً وهم بعضهم في الباه والعلــف( )
وكتب السيد حسين في مناسبة اخرى معاتباً صديقه الجامعي بقوله:
خليليّ كيف اخترتما منهج الجفا وكيف لدى الخلان ساغت علاقمهْ
وما لكما جانبتما جانب الوفا أكان الوفا قد جاز في الحكم قاسمه
وجافيتما من كان يأمل منكما مساعدة ان يأت خصم يصادمه ( )
وبدّلتما بالخفض مرفوع قدره وهجر كما أضحى له وهو جازمه ( )
وظنكما حصناً له من عــدوه وإنكما ان قامت الحرب صارمه
فصح لديه منكما عكس ظنـه وأصبح ذو الرأي الأكيد يصادمه
سأسقيكما منّي الوداد وان يكن (وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمـه)( )
فأجابه الشيخ محمد بقوله :
أتاني عتاب من خليل رجوتـــه ظهيراً على السرّ الذي أنا كاتـمـه
وعهدي به يغضي على العمد والخطا وما نفثت بالسُّمّ يوما أراقمـــه( )
وعوّدني الصفحَ الجميل وربّمـــا يرى الصفح أحرىمن ترامت مكارمه
فهبني تعاطيت الصدود لحــادثٍ مخافة ان تسطو علي قشاعمــــه
أفي الحق أن أعزى الى الهجر والجفا وما بيننا الودّ الذي أنت عالمـــه
فعذراً بلا ذنب وان كنت عاتبـاً وعفواً عن الجاني وجلت مآثمـــه
ورفقا بصبٍّ لا يزال متّيمــــاً وخفّض فخير الغيظ ما أنت كاظمـهْ( )
فرد عليه الحكيم :
أمولى الورى من لي بخلٍّ يعيننــي ويقضي بحق لي على من أحاكمـــه
ومن لي بخلٍّ في البريّةِ منصـــفٍ يكاتمني سرّ الهوى وأكاتمــــــهْ
ويمنحني من نفسه ودَّ صـــادق ولم يبد هجرانا وان لام لائمــــه
ويرفع مقداري بما أنا أهلــــه ويجنح للإنصاف حين الازمــــه
وذلك شيءٌ مستحيلٌ بعصرنـــا وطيف خيال قد تمناه حالمـــــه
وقفتُ على نظم أتانيَ منكــــم ( وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه )
ومذ وقعت عيني عليه حسبتهـــا كريماً رأى ضيفاً فدرت مكارمـــه
وقد هاج لي لما تأمّلت نظمـــه من الشوق والتبريح ما الله عالـمــه
تلوم على عتبي عليك وذو الهــوى أعقّ خليليه الصفيين لائمــــــه
أجلّك عن أبناء دهري فالوفـــا له بينهم قامت عليه مآتمــــــه
جرى الناس في مضمار غدر وحيلة ولم يثنهم عن ذي الجلال محارمـــه
وحادوا عن النهج القويم عُقَيْبَ مـا تجلت لديهم واستثارت معالمــــه
فسلني فقد ميّزتهم وبلوتهـــــم مراراً كما قد ميّز اليوم صائمــــه
وقلّبتهم ظهراً لبطن وذقتهــــم كما ذاق طعم الحنظل المرّ طاعمــه
فلم ينج من مكروههم غير ذي حجىً به الله من كل المخاوف عاصمــه( )
فأجابه الشيخ محمد :
أبى المجد الا ان تلوح علائمــــه فيعشو له أعرابه وأعاجمــــه( )
ويحظى به من ساعد الجد حـــده ( على قدر أهل العزم تأتي عزائمه )
ومن مؤنس ناراً إلى جنب طــوره تجلّى له منه الأله يكالمــــــه
وطارت بأطراف الفخار وحلّقــت قريشٌ ويسموها لؤيّ وهاشمــــه
وتحت العبا كان الأمين محمــــدٌ وعترته والروح فيها يزاحمــــه
وانك قد احرزت مجداً مؤثــــلاً على هامة العيّوق شيدت دعائمــه
أيا هاشمياً لا يدافعُ فضلُــــــه طغام على علم به ويراغمـــــه
أتطلب في ذا الدهر–أفديك – منصفاً يصافيك في نهج الوفا وتسالمــــه
وهيهات ان تلقى قليلاً مرافقـــاً يطيب به من أرغد العيش ناعمـــه
فمهلاً بلا أمر عليك فقـــلّمــا ينال الفتى في الدهر ما هو رائمـــه
واني ومَن سَنَّ الوفــاء إليّـــةً على مثل ما تختاره أنا عازمـــه( )
وخطت يد الأقدار ما كان بيننـــا وهل يُمْحَ ما الله المهيمن راقمــه( )
تعال تُعاهدني على الهجر جهـــرةً وفي الغيب كن عوني على من اخاصمه
فخذ نظم درٍّ من حبيب مهاجـــر ( الا في سبيل الله ما أنا ) ناظمـه( )
( 2 )
" اجتمع في دار السيد حسين بن السيد راضي القزويني النجفي ( ) فريق من أعلام الشعراء منهم السيد جعفر [ الحلّي ] والشيخ عبد الحسين صادق [ العاملي ] وكان قد صنع لهم شاياً في( سماور تنك ) فقال العاملي مداعباً :
سماورٌ بات يحكي دَرَّ مرضــعةٍ مشبوبة القلب تنعى صبية هلكوا
ما خص أهل اللحى في دَرّه أبدا لكن أهل اللحى في دَره اشتركوا
فأجازه الحلي :
كأنما عقله من عقل صاحـــبه كلاهما ان تفتش عنهما تنــك
فقال المترجم له مشطراً بيت الحلي :
سماورٌ ظل يحكي دَرَّ مرضـــعة مشبوبة القلب تنعى صبية هلكـوا
كأنما عقله من عقل صاحـــبه من جوهر الفكر والأعراض منسبك
والعاملي مع الحلّـــي عقلهما كلاهما ان تفتش عنهما تنــك ( )
( 3 )
وقال السيد القزويني في القهوة :
فدع عنك الســلافة ليس شيءٌ أعلّ لغلتي من شرب قهـــوه( )
أدرها وإسقنيــــها لا دهاقاً ولكن حســوة من بعد حسوه
وكان الى جنبه العلامة الشيخ محمد حسن كبه( ) فقال مجيزاً على الروي والقافية :
فوا عجباً لمثلك أريحـــــياً يشف لطــافةً ويروق صبوه ( )
تبيع سلاف ريقـــتها المصفّى بآجنة نسميـــــها بقهوه( )
على إن الســلاف وان عداها فمي كرماً لَتُعْطي الروحَ نشـوه
وتلك وويل تلك ومن حســاها تزيد غلالة وتقل شــــهوه
هلمّ نحكّم الخـــــرّيت فينا فذاك السيف لا تعروه نبــوه
فقال الشيخ جعفر الشرقي ( ) وهو الذي ارتضياه حكماً ووصفه الشيخ محمد حسن كبة بالخرّيت :
عجبت وأنتما مــــاء وخمر قد استوصفتما ودّ الاخــــوّه ( )
فكيف يبين بينكما خـــلاف برشف سلافــــة راقت وقهوه
عذرتكما عليه فكل صـــبّ تميل به لمن يصبيه صبـــــوه( )
اجل والشرك في المحـبوب شرك أَبَتهْ غيرة حُمدت ونخـــــوه
ولكني إذا حكّمتـــــماني سعيت لذاك بين صفا ومـــروه
أرى ما زفها الساقي عروســاً سلافاً زفّ أو قد زفّ قهـــوه
فان تكن الســلافة فهي روح وجدت لروحها فرحاً ونشــوه ( )
وان تك قهوة كالمسك فاحـت فمن يده وان مرّت لحــــلوه ( )
وما ذهب السواد لــه بشـيء فان الخال زاد الخدّ حظــــوه ( )
فسل كم قد بلونا الكاس منـها وقد رشفت لمى المحبوب بلـــوه
وأي أخٍ معي قد رقَّ طبـــعاً بذمِّ الراح خمر الريق جــــلوه( )
( 4 )
و" جرت في مجلس ( الميرزا أحمد النواب )( ) معركة أدبية تناقلها الأدباء والشعراء في مجاميع ذلك العصر وهذه تفاصيلها:
كان في مجلس رجل من الأجلاء يدعى بالميرزا احمد النواب ، جماعة من الأدباء والعلماء منهم الشيخ محمد رضا النحوي ( ) الحلي الشاعر المشهور وذلك في النجف الأشرف فأنشدت قصيدة للسيد نصر الله الحائري ( ) في مدح أرض كربلاء أولها ( يا تربة شرفت بالسيد الزاكي حتى انتهى إلى هذا البيت:
أقدام من زار مغناك الشريف غدت تفاخر الرأس منه طاب مثواك
فقال أديب كان حاضراً ان قوله ( طاب مثواك ) غير مرتبط تمام الارتباط بالبيت فلو بدّلت بخير منها لتناسق البيت فبدّلها بعضهم بقوله : ( حين وافاك ) فاستحسنها ذلك الأديب فقال النواب : القافية الأولى أوفق بالبيت واستدل بمرجحات كثيرة وقابله ذلك الأديب بمثلها حتى طال بينهما النزاع فقال النواب : الحكم بيننا السيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي فارتضوا به حكماً فقال النواب للنحوي تكتب له ( انا جعلناك يا مولى الورى حكما ) ( ) وطلب من الشيخ محمد رضا ان يبني عليه أبياتاً تتضمن الواقعة وطلب الحكم من السيد فقال الشيخ محمد رضا النحوي وغير الشطر تغييراً يسيراً :
إنا رضيناك يا أقضى الورى حكـما فأنت أعدل من بالعدل قد حكما
انا اجتمعنا ببيت قد علا شـــرفاً هام الثريا بمن قد حلّـــه وسما
وقد حوى من علا النواب بدر عـلاً ومن بهاء ابنه نجماً سما ونمـــا
وضمّ كل أخي علــم وذي أدب حتى غدا حرماً للعلم والعُـــلما
وعاد سفليّه علويّ كـــل عــلاً وأرضه من نجوم الفضل وهي سمـا
فانشدوا بيت شـــعر فيه قـافية أتم فيها نظام البيت من نظــما
فقال ذو أدب منهم ومعـــرفة لو بدّلت صحّ نسج البيت وانسجما
فثم بدّلها من كان بدّلهــــــا بغيـرها فاستقام النظمُ وانتظـما
فمذ رآها أديبٌ منهم فطــــنٌ مازال يستخدم القرطاس والقـلما
سما لترجيحه الأولى وقال هي الــ أولى فأكرم به من حاكم حكـما
فقال ذاك الأديب الحبر كيف بل الـ أخرى أحق فطال الخلف واختصما
والكل منهم غدا يدلي بحـــجته فيها ويزعم ان الحق ما زعـــما
فاعتاص ظاهرها عنهم وباطــنها وباعدت ما غدا من أمــرها أمما
والتاث منطقهم عنها ومنــطقها عنهم ومعربها قد عاد منعــجما
وكلّما إستنطقوها أظهرت خَـرَساً وكلّما أسـمعوها جددت صمما
فوجهوها الى عليــــاك غامضةً عجماء أعيا مداها العرب والعجما
فاكشف نقاب الخفا عن وجهها وأمط عن عينها لا لقيت السوء كلّ عمى
واختر لذا البيت من هاتين قافيـــة يغدو بها مثل سمط الدرّ منتظــما
فأنت عون لنا ان أزمة أَزَمــــت وأنت غوث لنا ان حادث هجـما
وامنن بعفو إذا طال الخطاب بنـــا دأب المحبين ان لا يوجزوا الكـلما
فحال موسى العصا حال السـؤال له عنها فأسهب وصفاً بالذي عـلما
هذي عصاي التي فيها التوكــؤ لي وقد أهش بها في رعيي الغنــما
ولي مأرب أخرى كي يسائلــــه عنها فيظهر فيها كل ما كتــما
ولما وصلت الأبيات للسيد بحر العلوم أمر الشيخ محمد رضا النحوي ان ينظم هذه المعاني على وزن قصيدة السيد نصر الله وقافيتها فقال :-
يا نبعة نبعت من أحمد الـــزاكي ونفحة نفحت من عرفه الذاكــي
ومن غدت قبلة للقــصد وجهته ونجعة روضها غضّ لهــــلاّك
ومن برى خلقه الوالي لمعــدلة وأخذ حق من المشكوّ للشاكــي
إنّا إليك تقاضينا فأنت فتــــىً منّزه الحكم عن شكٍّ واشـــراك
قد ضمّنا منزل يزداد منزلــــةً بباسم بوجوه الوفد ضحّــــاك
صدر الممالك محمود المسالك خـوّ اض المهالك غوث الصارخ الباكـي
قد زينت علماء العصر ناديـــه كأنهم في ذراه شهب أفــــلاك
فعاد منهم ومنه حين ضمهـــم وضمه ربع أفلاك وأمـــــلاك
وانشدوا بيت شعر كان أولـــه ( يا تربة شرفت بالســيد الزاكي)
( أقدام من زار مغناك الشريف غدت تفاخر الرأس منه طاب مثــواك )
فعاب قافية البيت الأخير فتــىً مبرّءٌ قوله عن أفك أفّـــــاك
وقال لو بدّلت صحّ النظام بهــا وعاد كالدر منظوماً بأســـلاك
فبدّلت وأستقام البيت حين حكـى باقي البيوت وكان الفضل للحـاكي
( أقدام من زار مغناك الشريف غدت تفاخر الرأس منه حين وافـــاك )
ومذ رأى الحال صدر الملك مال إلى نصر القديمة عن حـــذق وادراك
وكرّ للبحث في التحقيق مطلبــه بمقول مثل حد السيف بتّـاك ( )
وللأخيرة ذاك الحبر رجّح عـــن رأي لسرِّ الخفــــايا أيّ درّاك
وقام يملي عليها من أدلّتـــــه كالغيث ان جاد لا يمنى بإمســاك
وطال بينهما فيها النزاع وقـــد كرّا بعزم يروض الصعب فتّـــاك
وكلما قرّباها منهم بعــــدت كالصيد منفلتاً من قيد أشـــراك
وكلما اسمعوها أبرزت صممـــاً عن قول كل بليغ القول سفّاك( )
وارتج البــاب حتى ليس يفتحه سكاك فتح ولا مفتاح سكّاكي( )
فأرسلوها وهم في أسرها ثقـــةً منهم بمولى لقيد الأسر فكّـــاك
فافلق برأيك عن ظلمائها فلقــاً وأكشف دجى شكّها عن كل شكاك
واختر لذا البيت من هاتين قافيـةً يغدوا بها كعروس حال إمـــلاك
وخذ صفايا العلا واترك نفايتهـا فانت افضل أخاذ وتـــــرّاك
ولا تزال بك الأيام صالحـــةً يذكو شذا عرفها من عرفك الذاكي
ولاتزال الليالي فيك باسمــــةً رضا وطرف العدا من غيضها باكـي
فلما وصلت الأبيات إلى السيد بحر العلوم أجاب عليها فقال :-
ملّكتما في القوافي غير مــلاك ولا محكّــــــك رأي فيه سفّاك
وقلتما : اختر لنا من تين قافيــة حتى تميز لنا الازكى من الزاكــــي
كلتاهما نسج داود وناسجهــــا مقدّر السرد في نظم باســـــلاك
وللأخيرة في فن القريض سمـــت بحسن رأي فتىً للنظم حبّــــــاك
فتى إذا قال بذّ القائليــــن وان يمسك فعن كرم يدعو لإمســــاك
ما رجح الصدر صدر الملك متخـذاً أولاهما فهو في غلـــــواء إدراك
لكن حمى ضعفها إذ لاث لوثتهــا وهو الحمى للضعيف الضارع الشـاكي
مهما شككتُ وليس الشك من خلقي فانني لست في حكمي بشكّــــاك
لكنني لا أرى للبيت قافيـــــة مثل التي ليس يحكي فضلها حـــاكي
أقدام من زار مغناك الشريف غـدت تفاخر الرأس إذ داست بمغنـــــاك
أضحت تطاول شـأواً كل ذي أدبٍ وان سما رتبة من فوق أفــــــلاك
استغفر الله ما قصدي الفخـار ولا فخري القوافي وان خصّت بأملاكي( )
ولما وقف على هذه المحاكمة الشيخ محمد علي الأعسم النجفي( ) قال يذكر الواقعة ويمدح السيد مهدي ويثني على النحوي ويقرظ المحاكمة :
ما ذات ضوء جبين مشرق حاكي شمساً تجلت لنا من فوق أفــــلاك
حييةً ما رآها غير حليتهــــا ولم يذق ريق فيها غير مســــواك
ولو تمر على النساك لافتـــتنوا وأصبحوا في هواها غير نسّــــاك
يوماً بأبهى سناً من قطعة نظمـت فيها محاكمة ما بين أمـــــلاك
لما وقفت عليها طرت من فـرح لكن تداركني صحبي بامســــاك
ان قلت سحرٌ وحاشا ليس يشبهها سحر فما أنا في قولي بأفّـــــاك
تحكي بأحسن نظم رفقة عجـزوا عنها بنثر وكان الفضل للحاكـــي
تبدي اختلافا وشكوى والرضا معها ولا اختلاف ولا شكوى ولا شاكـي
ولا نكير إذا خاضوا بمعضلـــةٍ لم يدركوها وكانوا أهـــل إدراك
فالحق ينتظر المهدي فيــــه إذا أعيا على كل نقّــــــادٍ ودرّاك
وقف على الشيخ نجل الشيخ ثَمّ وقل ( يا نبعة نبعت من أحمد الزاكي ) ( )
ويا ذبالته من نوره اتقّــــدت ونفحة نفحت من عرفه الذاكـــي
ملكتم النظم والنثر البديع وكـم سما لدعواه قوم غير مـــــلاّك
وكم لكم آية غرّاء بان بـهــا نهج الهدى لم تدع شكاً لشكّـــاك
فامنن بعفو فلسنا من فوارسهــا ونحن عزل وكل منكم شاكــــي
" وقال الأديب الكامل الشيخ محمد هادي بن الشيخ احمد النحوي ( ) يمدح السيد الطباطبائي ويقرظ المحاكمة:
أكرم بحاكم عدل منصف الشاكـــي أمن المروع أمان الخائف الباكـــي
أكرم بــــــه ربّ آراء وإدراك لكل معجمة غــــــرّاء درّاك
فكّاك معضلة حلاّل مشكلـــــةٍ أكرم بحلاّل اشكال وفكّـــــاك
حكّمتما عادلا في حكمه ثقـــــة لم يبق شكّاً لمرتاب وشكّـــاك
وليس تأخذه في الله لائمــــــة لا زال ينتصف المشكوّ للشـــاكي
كم قد هدى برشاد الحق كل أخــي غيّ وكم ردّ من افك وأفّــــاك
وكم أنار لنا طخياء مظلمــــــةً منارها لم يبن يوماً لســــلاّك
أماط عنها قناع المشكلات كمــــا قد صان حوزتها عن هتك هتّــاك
وراض كل شماس من عزومتهــــا بطرف فكر لما قد نــــدّ درّاك
وكلما جنحت تبغي المطار غـــدت مصفودة مثل صيد وسط أشــراك
غمّت على العلماء الراسخين كما الــ تاثت على كل رغّــــاب ودرّاك
أعيت على الكل حتى قال قائلهـــم سدت على طرق آرائي وإدراكــي
وكم قضيت لنا بالحق معدلــــة كأنما صدرت عن وحي أمـــلاك
حكيت جدك اقضى العالميـــن وذا فضل به انفرد المحكي والحاكـــي
وكم أفضت على الدنيا هدى ونـدى كانا حياة لضلاّل وهـــــلاك
ما فاته ابداً حاشاه ذو كـــــرم كلا ولا فاته نسك لنسّـــــاك
كلّ السحب ان تحكي نداه وهــل يحكي ندىضاحك في جوده باكي( )
تمنت شآه اقتحام يوم ملحمــــة بل قد شأى كل مقدام وفتّــاك( )
فما من الفتك والجدوى لديه غــداً يهمي بعارض سفّاح وسفّـــاك
من جده حيدر الكرار من عجبــت من كرّه كل أملاك بأفــــلاك
قد غادر الشوس والبهم الكماة علــى نشز من الأرض صرعىبين دكداك( )
مجزّرين على الاكام تحسبهـــــم هدياً تقرب فيه كف نسّــــاك
كم وقعة هدمـــت دين الضلال وكم يوم به كثر المبكيّ والباكــــي
ببارق قد محا ليلَ القتام كمـــــا به محا ليلَ إلحاد وإشـــــراك
تخاله في السنا فجراً وكم فجـــرت به دماءٌ لمرتابين شكّــــــاك
كم بات شاكي جراح منه كل فتــى مدجج مستعد للوغى شــــاكي
وكم بخطّيه قد شك مهجـــــة ذي خطى بدين الهدى والحق شكّــاك
لا بدع ان راح يحكيه ويشبهــــه بحد بأس لعمر الجور بتّـــــاك
يغشى الهياج بوجه ضاحـــك وإذا جن الدجى بات فيه خائفاً بــاكي
يحيي الدجى يرقب الإصباح تحسبـــه ينظّم النجم عن فجرٍ بأســـلاك
قد حاز كل مزايا الفخر في كرم الـــ أخلاق لم يبق مِن أزكى ولا زاكـي
ودّ النسيم بأن يحكي خلائقـــــه فأصبح الفضل للمحكيّ لا الحاكـي
سر الدقائق مصداق الحقائق مــــأ مون البوائق عزّ الضارع الشاكــي
من معشر قد زكت أعراقهم وذكــت أعرافهم حبذا الزاكـي على الذاكي
زكوا فهوماً كما قد شاء عرفهــــم يا طيب ذلك من ذاكٍ على زاكي ( )
طوبى لها دوحة في الخلد منبتهــــا طوباك من دوحة في الخلد طوبــاك
الله طهّرهم عما يدنّـســـــهم من شوب شرك وعن أثواب إشـراك
وقيل أوحى الى أياته كرمــــــاً لولا علاكم لما فلكت أفلاكـــي
فضائل انتشرت رغماً لكاتمـــــها هل يكتم العرف من مسك بإمسـاك
شكراً لبارٍ حباني حبكم كرمــــاً فحبكم من لظىً في الحشر فكّاكـي
قد ارتضى ليَ لطفاً بي امامتــــكم وما ارتضى لـي هلاكاً بين هـلاّك
هل أملك الشرك لو عمرت طول مدىالـ آباد حتى أوافي فيه مـــــلاّكي
تالله لن تملكي يا نفس أيســـــره الاّ بعون من الرحـمن مـــولاك
قد أوجب الله مفروض الولاء لهـــم كيما يميز خبيث الأصل والــزاكي
فخذ بقيت نظاماً واعف عن زللـــي بلطف صفح فذي غايات ادراكـي
فالنظم في جنب ما نظّمت محتـــقرٌ فهل يباري الـحصى درّيُّ أفـلاك
سبى عقولاً بمسبوك النـــــظام ألا فاعجب لسابـي عقول فيه سبـّاك
قد غادر الشعراء المفـــــلقين به عُجْماً كأنّـهم من بعض أتــراك
فحالتي مثل حال الغيث يمــطر في الـ بحر المحيط بما يهدي لمـــــلاّك
ومن غدا لرياض الزهر يتـــــحفها وللأراك بورد أو بـمــــسواك
وناقل التمر يهديه إلى هــــــجرٍ هل فعله كان عــن حـزم وإدراك
تركت كل أخي فخرٍ لمفتــــــخرٍ هذا لهذا عيــــــوفاً ايّ ترّاك
يستحقر الكل كّلاً في فخـــار فتــىً دون البرية كــــل الفضل درّاك
فاسلم على جدة الأيام ما صـــدحت ورق الحمائم وهناً أو حكى حاكي( )
آثار هذه المعارك وأهميتها في حركة الأدب
يمكن تسجيل الملاحظ الآتية في رصد ابرز ملامح هذه المعارك والإشارة إلى أثرها في تطور الحركة الأدبية ومدى مساهمتها في إنضاج مضامين أكثر رقياً في هذه الحركة، وهي بإيجاز :
1. تفاهة الموضوعات التي يحاول هؤلاء الشعراء معالجتها ، والإفادة منها في ملء الفراغ ، والتنفيس عن مشاعرهم الحبيسة في ذلك الظرف المظلم ، والمحيط المجدب .
2. تأثر هذه المعارك بمعركة الخميس الأدبية ، وذلك يظهر في اللجوء إلى حكم يدلي برأيه ، زيادة على ما طبع معركة الخميس من تناغم في المعاني الواردة في قصائدها.
3. ان موقف السيد بحر العلوم في هذه المعركة يشبه موقفه في معركة الخميس ، فهو يميل إلى المصالحة والتوفيق ، وعدم القطع لأسباب كثيرة منها:
أ. انه يرى في نفسه الموجّه الأعلى للمجتمع بحكم مسؤوليته الدينية كمرجع أعلى – وقد أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول – وهو بذلك مطالب بأن يرضي الجميع، ويزيد من أسباب الألفة ، ويطمس معالم الخصومة بجانبها السلبي الضار ، في المعارك حتى وان كانت أدبية.
ب. طبيعة فكره الإسلامي الذي يتسم بأعلى مستوى أخلاقي يمنعه من مناصرة قوم على آخرين.
ت. تخطيطه – وهو الموجّه والمحّرك – لهدف أعلى من هذه المعارك ولا سيما انه كان قطباً في كلتا المعركتين، وهو مشدود إلى هدفه الأسمى ، وليس إلى هذه الاختلافات الجزئية ، التي قد لا تعني شيئاً ، ولا تخدم غرضاً الا انها وسيلة إلى هدف عام ، يدور كل واحد منهم في فلكه المخطط والمحسوب ، وقد ألمحنا إلى تلك الأهداف بإسهاب في دراسة معركة الخميس الأدبية .
4. ان السيد بحر العلوم مازال يمارس دوره في تنشيط ورعاية الحركة الأدبية وإعادة الاعتبار للشعر في وسط تلك العجمة السائدة والشاملة ، وذلك الانصراف التام إلى العلوم الشرعية، ودراستها بعيداً عن الأدب ، مما أدى الى فقدان الذائقة الأدبية ، وضعف الملكة الفنية.
5. ويمكن القول ان هذه المعركة استمرار لنهج معركة الخميس الأدبية وإنضاج وترسيخ لآثارها، ولا سيما إنها نهجت السبيل نفسه الذي انتهج في معركة الخميس ، بل ان بعض أعضائها كان من المشاركين في معركة الخميس كالشيخ محمد رضا النحوي والسيد بحر العلوم.
6. ويلحظ في هذه المعارك ضياع هذه القدرات والملكات الشعرية الفريدة في أمور أقل ما يقال فيها إنها عديمة الأهمية ، لا تستدعي إستنفاد تلك الطاقات الشعرية بهذه الصورة، ولعل ذلك راجع إلى ظروف الحقبة التي عاشوا فيها ، وانعدام الرؤية الشمولية الجذرية للواقع بأبعاده المختلفة ، وما يفرزه من فكر مطالب بأن يتتبع ملامح أسلوب تجاوز ذلك الواقع والخروج برؤية عامة تستقطب موقفاً عاماً ، له جماهيره ، يوظف طاقات المجتمع بشكل خلاّق من أجل النهوض والتقدم ، بيد ان طبيعة تفكير القوم ، في ظل ظروف العقم الشامل في حياتهم أدّى إلى ان يوظفوا طاقاتهم الشعرية وينفسوا عنها في مسارب ذات طابع فردي ، يفتقر الى الشمول والجذرية والطموح الى التجاوز ، وتلك ضريبة يدفعها المبدع ، حين يعيش في ظل مجتمع متخلف ، أسيراً لنظرة سلفيّة ضيّقة ، ومقطوع الصلة بأحوال العالم البعيد أو القريب منه ، تلك الأحوال التي يمكن تلمس طبيعتها في أية نظرة لواقع البلد الذي يعيش فيه هؤلاء الناس في محيطه الأدنى ،ومحيطه الأوسع ، أمته الإسلامية.
7. وتأسيساً على الفقرة السابقة يمكن القول ان رؤية المشاركين في تلك المعارك ( المعارك الأدبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ) كانت مغلفة بضبابية ، ترجع في جملة من أسبابها إلى ظروف العصر ، وغياب القضايا العامة ، للفردية التي وسمت مشاكل العصر في ظل غياب النظرية الشاملة التي تصل إلى أعماق الأمور ولذلك كان الاهتمام بالجزئيات.
8. ومن الملاحظ اللافتة والجديرة بالإشارة ان الناحية الفنية لم تكن محط أنظار المتحاكمين ( المتعاركين ) ، ولم تكن محط نظر السيد بحر العلوم نفسه والا فأن كل المعاني ( المقترحة منها أو التي حكّم بها ) لا تختلف بعضها عن بعض فضلاً عن ان المعاني مكرورة ، ومألوفة ، وليس فيها من ملامح الإبداع شيئاً كثيراً .
9. ومن الناحية الفنية يمكن تسجيل الملاحظ الآتية على هذه النصوص:
أ. التزام هذه المساجلات بما كانت تلتزمه النقائض في عصور الشعر الذهبية من حيث وحدة القافية والوزن.
ب. لا يندر وقوع الأخطاء النحوية فيها، بالرغم من ان أطرافها قد قطعوا شوطاً متقدماً في دراسة علوم اللغة العربية . من ذلك ما ورد في قول السيد حسين المتقدم :
من سرّه ان يرى كل الورى جمعت في واحد فليرى ما فيك وليقف
والصواب : فلير ، وهل يمح ، والصواب : هل يمحى .
ت. لم يخل نظمهم من ذلك الميل إلى المحسنات اللفظية الذي شهدناه عند شعراء الحقبة التي سبقتها فتجد في قطعة لا تزيد على ثلاثة أبيات: الطرف : طرف ، يرى : ورى.
ث. شيوع التضمين في شعرهم ، وجل ما ضمنوه في هذه القطع أشطار شائعة من قصيدة للمتنبي ، وكان تضمينهم لأشطار من قصيدة المتنبي خالياً من الفن، بل انه حطّ من القيمة الفنية لما ضمنوه وكان خاليا من كل إضافة فنية لافتة ، تتاح لللاحق وهو ينسج على منوال السابق.
10. مايزال النقد الأدبي ودور الناقد الأدبي غائباً تماماً وحين يغيب النقد ، والناقد ، يبقى الأدب يراوح في مكانه لا يتقدم قيد أنملة . واللافت ان الحقبة خلت تماماً من أي دور – مهما صغر- للنقاد، وان لاحت نظرات نقدية متفرقة هنا وهناك فهي لا تتعدى نقداً لمفردة أو اقتراح لمفردة أو جملة مكان أخرى ، ولا يتعدى ذلك أيضاً قافية البيت ، إلى النظر في نسيجه.