همسة إدارية .. ...... أخي الزائر الف مرحباً بك ،الآن بإمكانك مشاركتنا الرأي وإبداء رأيك والمشاركة على كل المواضيع في الملتقى بدون الحاجة للتسجيل وإذا أردت التسجيل إنظر لمتلقى الوزار في الأسفل وشكراً لكم .. شاكرين حسن تعاونكم ... .......
« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: نختلف مع الإخوان المسلمين ونتفق مع شعبنا (آخر رد :أبو صالح)       :: ما تبقى له (آخر رد :أبو صالح)       :: اللغة العربية من منظار الواقع السياسي-الاجتما (آخر رد :أبو صالح)       :: في المصطَلَح الجديد وضْعاً وتعريباً (آخر رد :أبو صالح)       :: المستوطنون يعودون للعمل باعتبارهم قوة احتياط (آخر رد :جميل السلحوت)       :: ملاحظات على حرب غزة قد تبدو غريبة (آخر رد :أبو صالح)       :: بدون مؤاخذة-الأولوية لوقف المحرقة (آخر رد :جميل السلحوت)       :: عقيدة (آخر رد :جميل السلحوت)       :: المنتصر على الطفولة (آخر رد :أبو صالح)       :: قبور الشهداء (آخر رد :جميل السلحوت)      


 

العودة   ملتقى أدباء ومشاهير العرب > المنتديات الخاصة > ملتقى الركن الخاص
 

 

 


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-11-2008, 02:27 AM   رقم المشاركة : [11]
محمد علي محيي الدين
عضو إتحاد كتاب الإنترنت العرب كاتب .العراق
 

 
بيانات العضو




 


محمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the rough

وسام التميز وسام المشاركة القيمة وسام منبر وملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 3 (الـمـزيـد» ...)

الباب الثالث

تقدم في الفصلين السابقين نموذجان للمعارك الأدبية ، أفردت لكل منهما فصلا لأهميتهما ، ولسبقهما تأريخياً ، وللعدد الكبير من الشعراء الذين اشتركوا فيهما.
واذا كان من العسير على دارس واحد ان يوفي هذا الموضوع حقه ، فهو من الطول والعرض والعمق بحيث يتسع لجهود عدد من الدارسين ، وسنين طويلة من البحث ، وهو خليق بعدة أبحاث يتناول كل منها جانباً يتعمق في البحث ، ويبسط القول فيه ، لكي تكتب تلك الصفحات من تاريخ الأدب العربي في العراق خلال الحقبة التي ندرسها بتفصيل ، اذا كان من العسير على دارس واحد ان يفي الموضوع حقه ، فحسبي اني أوردت نماذج لمعارك أدبية أخرى لم تكن بتلك السعة والشمول وهي أقرب الى روح المساجلات التي تجري في سياق شعر الاخوانيات
ومن الضروري الإشارة إلى ان ما يأتي في هذا الفصل ما هو الا عرض لنماذج من تلك المعارك ، على سبيل التمثيل ، وليس على سبيل الحصر والاستقصاء . فان الاستقصاء يستدعي اطالة لا طائل من ورائها ، وقد يعسر الايفاء بها ( ) .
وسنختم هذا الفصل بتحليل نصوص هذه المعارك ، ومتابعة آثارها في الحركة الادبية ، وقد كان من الضروري للدراسة ان تلجأ الى ترتيب هذه المعارك ترتيباً تاريخياً ، لكي تستكشف ملامح التطور الذي حدث خلال تلك الحقبة ، اذ ان الترتيب التاريخي يتيح توفير رؤية متسلسلة للتطور الفني .









المعــــــــــارك
( 1 )
وكان الشيخ محمد محيي الدين ( ت 1219 هـ ) ( )ولوعا بإثارة الخصومات والمعارك الادبية مع أصدقائه من شعراء وعلماء أعلام في الحقبة التي عاش فيها وكانت له مداعبات ومساجلات مع كثير منهم :
فقد أرسل الى السيد حسين بن السيد سليمان الحكيم( ) ( 1162 – 1236 هـ ) يستهديه ( سعفاً ) كان قد اعتــاد ارســاله اليه في كل عام وقد تأخر عن الموعد ، قائلاً :
قل للحسين أخي الإحسان والشرف لا تنس ما بي من الإخلاص والشغفِ
حاشا علاك من الإحجام عن صلتي بعد التعاهد والإتحاف بالتحـــف
لا زلت تنجز ما وظّفت من عـدةٍ هلا تفضّلت بالإسعاف بالســعف
فعجّل البرّ قبل البرد مبتــــدراً فالشيخ يشفى بلا نار على التلـف
كم للأكارم من أهليك من هبــةٍ جادوا بها سلفاً ناهيك من سلــفِ
نسجت مجداً على طرز الذي نسجوا فأنت تخلفهم بوركت من خلــف
طربت حتى يراعي ظلّ ممتدحــاً لا تحسبن كان الحاحي من الصلـف
قد صنتَ عِرْضَك عن شحٍّ يدنّسه حتى جنحتَ إلى التبذير والسـرف
فأجابه السيد حسين بقوله :

محمدٌ يا زكيّ الوسْط والطَــرَفِِ لا تَجْعَلَنْ ودّنا وقفاً على(طَرَفِ ) ( )
من سرَّه أن يرى كل الورى جمعت في واحدٍ فليرى ما فيك وليقـف ( )
من همّه في اكتساب المجد مرتقيـاً وهم بعضهم في الباه والعلــف( )
وكتب السيد حسين في مناسبة اخرى معاتباً صديقه الجامعي بقوله:
خليليّ كيف اخترتما منهج الجفا وكيف لدى الخلان ساغت علاقمهْ
وما لكما جانبتما جانب الوفا أكان الوفا قد جاز في الحكم قاسمه
وجافيتما من كان يأمل منكما مساعدة ان يأت خصم يصادمه ( )
وبدّلتما بالخفض مرفوع قدره وهجر كما أضحى له وهو جازمه ( )
وظنكما حصناً له من عــدوه وإنكما ان قامت الحرب صارمه
فصح لديه منكما عكس ظنـه وأصبح ذو الرأي الأكيد يصادمه
سأسقيكما منّي الوداد وان يكن (وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمـه)( )

فأجابه الشيخ محمد بقوله :

أتاني عتاب من خليل رجوتـــه ظهيراً على السرّ الذي أنا كاتـمـه
وعهدي به يغضي على العمد والخطا وما نفثت بالسُّمّ يوما أراقمـــه( )
وعوّدني الصفحَ الجميل وربّمـــا يرى الصفح أحرىمن ترامت مكارمه
فهبني تعاطيت الصدود لحــادثٍ مخافة ان تسطو علي قشاعمــــه
أفي الحق أن أعزى الى الهجر والجفا وما بيننا الودّ الذي أنت عالمـــه
فعذراً بلا ذنب وان كنت عاتبـاً وعفواً عن الجاني وجلت مآثمـــه
ورفقا بصبٍّ لا يزال متّيمــــاً وخفّض فخير الغيظ ما أنت كاظمـهْ( )
فرد عليه الحكيم :
أمولى الورى من لي بخلٍّ يعيننــي ويقضي بحق لي على من أحاكمـــه
ومن لي بخلٍّ في البريّةِ منصـــفٍ يكاتمني سرّ الهوى وأكاتمــــــهْ
ويمنحني من نفسه ودَّ صـــادق ولم يبد هجرانا وان لام لائمــــه
ويرفع مقداري بما أنا أهلــــه ويجنح للإنصاف حين الازمــــه
وذلك شيءٌ مستحيلٌ بعصرنـــا وطيف خيال قد تمناه حالمـــــه
وقفتُ على نظم أتانيَ منكــــم ( وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه )
ومذ وقعت عيني عليه حسبتهـــا كريماً رأى ضيفاً فدرت مكارمـــه
وقد هاج لي لما تأمّلت نظمـــه من الشوق والتبريح ما الله عالـمــه
تلوم على عتبي عليك وذو الهــوى أعقّ خليليه الصفيين لائمــــــه
أجلّك عن أبناء دهري فالوفـــا له بينهم قامت عليه مآتمــــــه
جرى الناس في مضمار غدر وحيلة ولم يثنهم عن ذي الجلال محارمـــه
وحادوا عن النهج القويم عُقَيْبَ مـا تجلت لديهم واستثارت معالمــــه
فسلني فقد ميّزتهم وبلوتهـــــم مراراً كما قد ميّز اليوم صائمــــه
وقلّبتهم ظهراً لبطن وذقتهــــم كما ذاق طعم الحنظل المرّ طاعمــه
فلم ينج من مكروههم غير ذي حجىً به الله من كل المخاوف عاصمــه( )
فأجابه الشيخ محمد :
أبى المجد الا ان تلوح علائمــــه فيعشو له أعرابه وأعاجمــــه( )
ويحظى به من ساعد الجد حـــده ( على قدر أهل العزم تأتي عزائمه )
ومن مؤنس ناراً إلى جنب طــوره تجلّى له منه الأله يكالمــــــه
وطارت بأطراف الفخار وحلّقــت قريشٌ ويسموها لؤيّ وهاشمــــه
وتحت العبا كان الأمين محمــــدٌ وعترته والروح فيها يزاحمــــه
وانك قد احرزت مجداً مؤثــــلاً على هامة العيّوق شيدت دعائمــه
أيا هاشمياً لا يدافعُ فضلُــــــه طغام على علم به ويراغمـــــه
أتطلب في ذا الدهر–أفديك – منصفاً يصافيك في نهج الوفا وتسالمــــه
وهيهات ان تلقى قليلاً مرافقـــاً يطيب به من أرغد العيش ناعمـــه
فمهلاً بلا أمر عليك فقـــلّمــا ينال الفتى في الدهر ما هو رائمـــه
واني ومَن سَنَّ الوفــاء إليّـــةً على مثل ما تختاره أنا عازمـــه( )
وخطت يد الأقدار ما كان بيننـــا وهل يُمْحَ ما الله المهيمن راقمــه( )
تعال تُعاهدني على الهجر جهـــرةً وفي الغيب كن عوني على من اخاصمه
فخذ نظم درٍّ من حبيب مهاجـــر ( الا في سبيل الله ما أنا ) ناظمـه( )


( 2 )
" اجتمع في دار السيد حسين بن السيد راضي القزويني النجفي ( ) فريق من أعلام الشعراء منهم السيد جعفر [ الحلّي ] والشيخ عبد الحسين صادق [ العاملي ] وكان قد صنع لهم شاياً في( سماور تنك ) فقال العاملي مداعباً :
سماورٌ بات يحكي دَرَّ مرضــعةٍ مشبوبة القلب تنعى صبية هلكوا
ما خص أهل اللحى في دَرّه أبدا لكن أهل اللحى في دَره اشتركوا

فأجازه الحلي :
كأنما عقله من عقل صاحـــبه كلاهما ان تفتش عنهما تنــك
فقال المترجم له مشطراً بيت الحلي :
سماورٌ ظل يحكي دَرَّ مرضـــعة مشبوبة القلب تنعى صبية هلكـوا
كأنما عقله من عقل صاحـــبه من جوهر الفكر والأعراض منسبك
والعاملي مع الحلّـــي عقلهما كلاهما ان تفتش عنهما تنــك ( )
( 3 )
وقال السيد القزويني في القهوة :
فدع عنك الســلافة ليس شيءٌ أعلّ لغلتي من شرب قهـــوه( )
أدرها وإسقنيــــها لا دهاقاً ولكن حســوة من بعد حسوه
وكان الى جنبه العلامة الشيخ محمد حسن كبه( ) فقال مجيزاً على الروي والقافية :
فوا عجباً لمثلك أريحـــــياً يشف لطــافةً ويروق صبوه ( )
تبيع سلاف ريقـــتها المصفّى بآجنة نسميـــــها بقهوه( )
على إن الســلاف وان عداها فمي كرماً لَتُعْطي الروحَ نشـوه
وتلك وويل تلك ومن حســاها تزيد غلالة وتقل شــــهوه
هلمّ نحكّم الخـــــرّيت فينا فذاك السيف لا تعروه نبــوه
فقال الشيخ جعفر الشرقي ( ) وهو الذي ارتضياه حكماً ووصفه الشيخ محمد حسن كبة بالخرّيت :
عجبت وأنتما مــــاء وخمر قد استوصفتما ودّ الاخــــوّه ( )
فكيف يبين بينكما خـــلاف برشف سلافــــة راقت وقهوه
عذرتكما عليه فكل صـــبّ تميل به لمن يصبيه صبـــــوه( )
اجل والشرك في المحـبوب شرك أَبَتهْ غيرة حُمدت ونخـــــوه
ولكني إذا حكّمتـــــماني سعيت لذاك بين صفا ومـــروه
أرى ما زفها الساقي عروســاً سلافاً زفّ أو قد زفّ قهـــوه
فان تكن الســلافة فهي روح وجدت لروحها فرحاً ونشــوه ( )
وان تك قهوة كالمسك فاحـت فمن يده وان مرّت لحــــلوه ( )
وما ذهب السواد لــه بشـيء فان الخال زاد الخدّ حظــــوه ( )
فسل كم قد بلونا الكاس منـها وقد رشفت لمى المحبوب بلـــوه
وأي أخٍ معي قد رقَّ طبـــعاً بذمِّ الراح خمر الريق جــــلوه( )
( 4 )
و" جرت في مجلس ( الميرزا أحمد النواب )( ) معركة أدبية تناقلها الأدباء والشعراء في مجاميع ذلك العصر وهذه تفاصيلها:
كان في مجلس رجل من الأجلاء يدعى بالميرزا احمد النواب ، جماعة من الأدباء والعلماء منهم الشيخ محمد رضا النحوي ( ) الحلي الشاعر المشهور وذلك في النجف الأشرف فأنشدت قصيدة للسيد نصر الله الحائري ( ) في مدح أرض كربلاء أولها ( يا تربة شرفت بالسيد الزاكي حتى انتهى إلى هذا البيت:
أقدام من زار مغناك الشريف غدت تفاخر الرأس منه طاب مثواك
فقال أديب كان حاضراً ان قوله ( طاب مثواك ) غير مرتبط تمام الارتباط بالبيت فلو بدّلت بخير منها لتناسق البيت فبدّلها بعضهم بقوله : ( حين وافاك ) فاستحسنها ذلك الأديب فقال النواب : القافية الأولى أوفق بالبيت واستدل بمرجحات كثيرة وقابله ذلك الأديب بمثلها حتى طال بينهما النزاع فقال النواب : الحكم بيننا السيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي فارتضوا به حكماً فقال النواب للنحوي تكتب له ( انا جعلناك يا مولى الورى حكما ) ( ) وطلب من الشيخ محمد رضا ان يبني عليه أبياتاً تتضمن الواقعة وطلب الحكم من السيد فقال الشيخ محمد رضا النحوي وغير الشطر تغييراً يسيراً :
إنا رضيناك يا أقضى الورى حكـما فأنت أعدل من بالعدل قد حكما
انا اجتمعنا ببيت قد علا شـــرفاً هام الثريا بمن قد حلّـــه وسما
وقد حوى من علا النواب بدر عـلاً ومن بهاء ابنه نجماً سما ونمـــا
وضمّ كل أخي علــم وذي أدب حتى غدا حرماً للعلم والعُـــلما
وعاد سفليّه علويّ كـــل عــلاً وأرضه من نجوم الفضل وهي سمـا
فانشدوا بيت شـــعر فيه قـافية أتم فيها نظام البيت من نظــما
فقال ذو أدب منهم ومعـــرفة لو بدّلت صحّ نسج البيت وانسجما
فثم بدّلها من كان بدّلهــــــا بغيـرها فاستقام النظمُ وانتظـما
فمذ رآها أديبٌ منهم فطــــنٌ مازال يستخدم القرطاس والقـلما
سما لترجيحه الأولى وقال هي الــ أولى فأكرم به من حاكم حكـما
فقال ذاك الأديب الحبر كيف بل الـ أخرى أحق فطال الخلف واختصما
والكل منهم غدا يدلي بحـــجته فيها ويزعم ان الحق ما زعـــما
فاعتاص ظاهرها عنهم وباطــنها وباعدت ما غدا من أمــرها أمما
والتاث منطقهم عنها ومنــطقها عنهم ومعربها قد عاد منعــجما
وكلّما إستنطقوها أظهرت خَـرَساً وكلّما أسـمعوها جددت صمما
فوجهوها الى عليــــاك غامضةً عجماء أعيا مداها العرب والعجما
فاكشف نقاب الخفا عن وجهها وأمط عن عينها لا لقيت السوء كلّ عمى
واختر لذا البيت من هاتين قافيـــة يغدو بها مثل سمط الدرّ منتظــما
فأنت عون لنا ان أزمة أَزَمــــت وأنت غوث لنا ان حادث هجـما
وامنن بعفو إذا طال الخطاب بنـــا دأب المحبين ان لا يوجزوا الكـلما
فحال موسى العصا حال السـؤال له عنها فأسهب وصفاً بالذي عـلما
هذي عصاي التي فيها التوكــؤ لي وقد أهش بها في رعيي الغنــما
ولي مأرب أخرى كي يسائلــــه عنها فيظهر فيها كل ما كتــما
ولما وصلت الأبيات للسيد بحر العلوم أمر الشيخ محمد رضا النحوي ان ينظم هذه المعاني على وزن قصيدة السيد نصر الله وقافيتها فقال :-
يا نبعة نبعت من أحمد الـــزاكي ونفحة نفحت من عرفه الذاكــي
ومن غدت قبلة للقــصد وجهته ونجعة روضها غضّ لهــــلاّك
ومن برى خلقه الوالي لمعــدلة وأخذ حق من المشكوّ للشاكــي
إنّا إليك تقاضينا فأنت فتــــىً منّزه الحكم عن شكٍّ واشـــراك
قد ضمّنا منزل يزداد منزلــــةً بباسم بوجوه الوفد ضحّــــاك
صدر الممالك محمود المسالك خـوّ اض المهالك غوث الصارخ الباكـي
قد زينت علماء العصر ناديـــه كأنهم في ذراه شهب أفــــلاك
فعاد منهم ومنه حين ضمهـــم وضمه ربع أفلاك وأمـــــلاك
وانشدوا بيت شعر كان أولـــه ( يا تربة شرفت بالســيد الزاكي)
( أقدام من زار مغناك الشريف غدت تفاخر الرأس منه طاب مثــواك )
فعاب قافية البيت الأخير فتــىً مبرّءٌ قوله عن أفك أفّـــــاك
وقال لو بدّلت صحّ النظام بهــا وعاد كالدر منظوماً بأســـلاك
فبدّلت وأستقام البيت حين حكـى باقي البيوت وكان الفضل للحـاكي
( أقدام من زار مغناك الشريف غدت تفاخر الرأس منه حين وافـــاك )
ومذ رأى الحال صدر الملك مال إلى نصر القديمة عن حـــذق وادراك
وكرّ للبحث في التحقيق مطلبــه بمقول مثل حد السيف بتّـاك ( )
وللأخيرة ذاك الحبر رجّح عـــن رأي لسرِّ الخفــــايا أيّ درّاك
وقام يملي عليها من أدلّتـــــه كالغيث ان جاد لا يمنى بإمســاك
وطال بينهما فيها النزاع وقـــد كرّا بعزم يروض الصعب فتّـــاك
وكلما قرّباها منهم بعــــدت كالصيد منفلتاً من قيد أشـــراك
وكلما اسمعوها أبرزت صممـــاً عن قول كل بليغ القول سفّاك( )
وارتج البــاب حتى ليس يفتحه سكاك فتح ولا مفتاح سكّاكي( )
فأرسلوها وهم في أسرها ثقـــةً منهم بمولى لقيد الأسر فكّـــاك
فافلق برأيك عن ظلمائها فلقــاً وأكشف دجى شكّها عن كل شكاك
واختر لذا البيت من هاتين قافيـةً يغدوا بها كعروس حال إمـــلاك
وخذ صفايا العلا واترك نفايتهـا فانت افضل أخاذ وتـــــرّاك
ولا تزال بك الأيام صالحـــةً يذكو شذا عرفها من عرفك الذاكي
ولاتزال الليالي فيك باسمــــةً رضا وطرف العدا من غيضها باكـي

فلما وصلت الأبيات إلى السيد بحر العلوم أجاب عليها فقال :-
ملّكتما في القوافي غير مــلاك ولا محكّــــــك رأي فيه سفّاك
وقلتما : اختر لنا من تين قافيــة حتى تميز لنا الازكى من الزاكــــي
كلتاهما نسج داود وناسجهــــا مقدّر السرد في نظم باســـــلاك
وللأخيرة في فن القريض سمـــت بحسن رأي فتىً للنظم حبّــــــاك
فتى إذا قال بذّ القائليــــن وان يمسك فعن كرم يدعو لإمســــاك
ما رجح الصدر صدر الملك متخـذاً أولاهما فهو في غلـــــواء إدراك
لكن حمى ضعفها إذ لاث لوثتهــا وهو الحمى للضعيف الضارع الشـاكي
مهما شككتُ وليس الشك من خلقي فانني لست في حكمي بشكّــــاك
لكنني لا أرى للبيت قافيـــــة مثل التي ليس يحكي فضلها حـــاكي
أقدام من زار مغناك الشريف غـدت تفاخر الرأس إذ داست بمغنـــــاك
أضحت تطاول شـأواً كل ذي أدبٍ وان سما رتبة من فوق أفــــــلاك
استغفر الله ما قصدي الفخـار ولا فخري القوافي وان خصّت بأملاكي( )
ولما وقف على هذه المحاكمة الشيخ محمد علي الأعسم النجفي( ) قال يذكر الواقعة ويمدح السيد مهدي ويثني على النحوي ويقرظ المحاكمة :
ما ذات ضوء جبين مشرق حاكي شمساً تجلت لنا من فوق أفــــلاك
حييةً ما رآها غير حليتهــــا ولم يذق ريق فيها غير مســــواك
ولو تمر على النساك لافتـــتنوا وأصبحوا في هواها غير نسّــــاك
يوماً بأبهى سناً من قطعة نظمـت فيها محاكمة ما بين أمـــــلاك
لما وقفت عليها طرت من فـرح لكن تداركني صحبي بامســــاك
ان قلت سحرٌ وحاشا ليس يشبهها سحر فما أنا في قولي بأفّـــــاك
تحكي بأحسن نظم رفقة عجـزوا عنها بنثر وكان الفضل للحاكـــي
تبدي اختلافا وشكوى والرضا معها ولا اختلاف ولا شكوى ولا شاكـي
ولا نكير إذا خاضوا بمعضلـــةٍ لم يدركوها وكانوا أهـــل إدراك
فالحق ينتظر المهدي فيــــه إذا أعيا على كل نقّــــــادٍ ودرّاك
وقف على الشيخ نجل الشيخ ثَمّ وقل ( يا نبعة نبعت من أحمد الزاكي ) ( )
ويا ذبالته من نوره اتقّــــدت ونفحة نفحت من عرفه الذاكـــي
ملكتم النظم والنثر البديع وكـم سما لدعواه قوم غير مـــــلاّك
وكم لكم آية غرّاء بان بـهــا نهج الهدى لم تدع شكاً لشكّـــاك
فامنن بعفو فلسنا من فوارسهــا ونحن عزل وكل منكم شاكــــي
" وقال الأديب الكامل الشيخ محمد هادي بن الشيخ احمد النحوي ( ) يمدح السيد الطباطبائي ويقرظ المحاكمة:
أكرم بحاكم عدل منصف الشاكـــي أمن المروع أمان الخائف الباكـــي
أكرم بــــــه ربّ آراء وإدراك لكل معجمة غــــــرّاء درّاك
فكّاك معضلة حلاّل مشكلـــــةٍ أكرم بحلاّل اشكال وفكّـــــاك
حكّمتما عادلا في حكمه ثقـــــة لم يبق شكّاً لمرتاب وشكّـــاك
وليس تأخذه في الله لائمــــــة لا زال ينتصف المشكوّ للشـــاكي
كم قد هدى برشاد الحق كل أخــي غيّ وكم ردّ من افك وأفّــــاك
وكم أنار لنا طخياء مظلمــــــةً منارها لم يبن يوماً لســــلاّك
أماط عنها قناع المشكلات كمــــا قد صان حوزتها عن هتك هتّــاك
وراض كل شماس من عزومتهــــا بطرف فكر لما قد نــــدّ درّاك
وكلما جنحت تبغي المطار غـــدت مصفودة مثل صيد وسط أشــراك
غمّت على العلماء الراسخين كما الــ تاثت على كل رغّــــاب ودرّاك
أعيت على الكل حتى قال قائلهـــم سدت على طرق آرائي وإدراكــي
وكم قضيت لنا بالحق معدلــــة كأنما صدرت عن وحي أمـــلاك
حكيت جدك اقضى العالميـــن وذا فضل به انفرد المحكي والحاكـــي
وكم أفضت على الدنيا هدى ونـدى كانا حياة لضلاّل وهـــــلاك
ما فاته ابداً حاشاه ذو كـــــرم كلا ولا فاته نسك لنسّـــــاك
كلّ السحب ان تحكي نداه وهــل يحكي ندىضاحك في جوده باكي( )
تمنت شآه اقتحام يوم ملحمــــة بل قد شأى كل مقدام وفتّــاك( )
فما من الفتك والجدوى لديه غــداً يهمي بعارض سفّاح وسفّـــاك
من جده حيدر الكرار من عجبــت من كرّه كل أملاك بأفــــلاك
قد غادر الشوس والبهم الكماة علــى نشز من الأرض صرعىبين دكداك( )
مجزّرين على الاكام تحسبهـــــم هدياً تقرب فيه كف نسّــــاك
كم وقعة هدمـــت دين الضلال وكم يوم به كثر المبكيّ والباكــــي
ببارق قد محا ليلَ القتام كمـــــا به محا ليلَ إلحاد وإشـــــراك
تخاله في السنا فجراً وكم فجـــرت به دماءٌ لمرتابين شكّــــــاك
كم بات شاكي جراح منه كل فتــى مدجج مستعد للوغى شــــاكي
وكم بخطّيه قد شك مهجـــــة ذي خطى بدين الهدى والحق شكّــاك
لا بدع ان راح يحكيه ويشبهــــه بحد بأس لعمر الجور بتّـــــاك
يغشى الهياج بوجه ضاحـــك وإذا جن الدجى بات فيه خائفاً بــاكي
يحيي الدجى يرقب الإصباح تحسبـــه ينظّم النجم عن فجرٍ بأســـلاك
قد حاز كل مزايا الفخر في كرم الـــ أخلاق لم يبق مِن أزكى ولا زاكـي
ودّ النسيم بأن يحكي خلائقـــــه فأصبح الفضل للمحكيّ لا الحاكـي
سر الدقائق مصداق الحقائق مــــأ مون البوائق عزّ الضارع الشاكــي
من معشر قد زكت أعراقهم وذكــت أعرافهم حبذا الزاكـي على الذاكي
زكوا فهوماً كما قد شاء عرفهــــم يا طيب ذلك من ذاكٍ على زاكي ( )
طوبى لها دوحة في الخلد منبتهــــا طوباك من دوحة في الخلد طوبــاك
الله طهّرهم عما يدنّـســـــهم من شوب شرك وعن أثواب إشـراك
وقيل أوحى الى أياته كرمــــــاً لولا علاكم لما فلكت أفلاكـــي
فضائل انتشرت رغماً لكاتمـــــها هل يكتم العرف من مسك بإمسـاك
شكراً لبارٍ حباني حبكم كرمــــاً فحبكم من لظىً في الحشر فكّاكـي
قد ارتضى ليَ لطفاً بي امامتــــكم وما ارتضى لـي هلاكاً بين هـلاّك
هل أملك الشرك لو عمرت طول مدىالـ آباد حتى أوافي فيه مـــــلاّكي
تالله لن تملكي يا نفس أيســـــره الاّ بعون من الرحـمن مـــولاك
قد أوجب الله مفروض الولاء لهـــم كيما يميز خبيث الأصل والــزاكي
فخذ بقيت نظاماً واعف عن زللـــي بلطف صفح فذي غايات ادراكـي
فالنظم في جنب ما نظّمت محتـــقرٌ فهل يباري الـحصى درّيُّ أفـلاك
سبى عقولاً بمسبوك النـــــظام ألا فاعجب لسابـي عقول فيه سبـّاك
قد غادر الشعراء المفـــــلقين به عُجْماً كأنّـهم من بعض أتــراك
فحالتي مثل حال الغيث يمــطر في الـ بحر المحيط بما يهدي لمـــــلاّك
ومن غدا لرياض الزهر يتـــــحفها وللأراك بورد أو بـمــــسواك
وناقل التمر يهديه إلى هــــــجرٍ هل فعله كان عــن حـزم وإدراك
تركت كل أخي فخرٍ لمفتــــــخرٍ هذا لهذا عيــــــوفاً ايّ ترّاك
يستحقر الكل كّلاً في فخـــار فتــىً دون البرية كــــل الفضل درّاك
فاسلم على جدة الأيام ما صـــدحت ورق الحمائم وهناً أو حكى حاكي( )

آثار هذه المعارك وأهميتها في حركة الأدب
يمكن تسجيل الملاحظ الآتية في رصد ابرز ملامح هذه المعارك والإشارة إلى أثرها في تطور الحركة الأدبية ومدى مساهمتها في إنضاج مضامين أكثر رقياً في هذه الحركة، وهي بإيجاز :
1. تفاهة الموضوعات التي يحاول هؤلاء الشعراء معالجتها ، والإفادة منها في ملء الفراغ ، والتنفيس عن مشاعرهم الحبيسة في ذلك الظرف المظلم ، والمحيط المجدب .
2. تأثر هذه المعارك بمعركة الخميس الأدبية ، وذلك يظهر في اللجوء إلى حكم يدلي برأيه ، زيادة على ما طبع معركة الخميس من تناغم في المعاني الواردة في قصائدها.
3. ان موقف السيد بحر العلوم في هذه المعركة يشبه موقفه في معركة الخميس ، فهو يميل إلى المصالحة والتوفيق ، وعدم القطع لأسباب كثيرة منها:
أ‌. انه يرى في نفسه الموجّه الأعلى للمجتمع بحكم مسؤوليته الدينية كمرجع أعلى – وقد أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول – وهو بذلك مطالب بأن يرضي الجميع، ويزيد من أسباب الألفة ، ويطمس معالم الخصومة بجانبها السلبي الضار ، في المعارك حتى وان كانت أدبية.
ب‌. طبيعة فكره الإسلامي الذي يتسم بأعلى مستوى أخلاقي يمنعه من مناصرة قوم على آخرين.
ت‌. تخطيطه – وهو الموجّه والمحّرك – لهدف أعلى من هذه المعارك ولا سيما انه كان قطباً في كلتا المعركتين، وهو مشدود إلى هدفه الأسمى ، وليس إلى هذه الاختلافات الجزئية ، التي قد لا تعني شيئاً ، ولا تخدم غرضاً الا انها وسيلة إلى هدف عام ، يدور كل واحد منهم في فلكه المخطط والمحسوب ، وقد ألمحنا إلى تلك الأهداف بإسهاب في دراسة معركة الخميس الأدبية .
4. ان السيد بحر العلوم مازال يمارس دوره في تنشيط ورعاية الحركة الأدبية وإعادة الاعتبار للشعر في وسط تلك العجمة السائدة والشاملة ، وذلك الانصراف التام إلى العلوم الشرعية، ودراستها بعيداً عن الأدب ، مما أدى الى فقدان الذائقة الأدبية ، وضعف الملكة الفنية.
5. ويمكن القول ان هذه المعركة استمرار لنهج معركة الخميس الأدبية وإنضاج وترسيخ لآثارها، ولا سيما إنها نهجت السبيل نفسه الذي انتهج في معركة الخميس ، بل ان بعض أعضائها كان من المشاركين في معركة الخميس كالشيخ محمد رضا النحوي والسيد بحر العلوم.
6. ويلحظ في هذه المعارك ضياع هذه القدرات والملكات الشعرية الفريدة في أمور أقل ما يقال فيها إنها عديمة الأهمية ، لا تستدعي إستنفاد تلك الطاقات الشعرية بهذه الصورة، ولعل ذلك راجع إلى ظروف الحقبة التي عاشوا فيها ، وانعدام الرؤية الشمولية الجذرية للواقع بأبعاده المختلفة ، وما يفرزه من فكر مطالب بأن يتتبع ملامح أسلوب تجاوز ذلك الواقع والخروج برؤية عامة تستقطب موقفاً عاماً ، له جماهيره ، يوظف طاقات المجتمع بشكل خلاّق من أجل النهوض والتقدم ، بيد ان طبيعة تفكير القوم ، في ظل ظروف العقم الشامل في حياتهم أدّى إلى ان يوظفوا طاقاتهم الشعرية وينفسوا عنها في مسارب ذات طابع فردي ، يفتقر الى الشمول والجذرية والطموح الى التجاوز ، وتلك ضريبة يدفعها المبدع ، حين يعيش في ظل مجتمع متخلف ، أسيراً لنظرة سلفيّة ضيّقة ، ومقطوع الصلة بأحوال العالم البعيد أو القريب منه ، تلك الأحوال التي يمكن تلمس طبيعتها في أية نظرة لواقع البلد الذي يعيش فيه هؤلاء الناس في محيطه الأدنى ،ومحيطه الأوسع ، أمته الإسلامية.
7. وتأسيساً على الفقرة السابقة يمكن القول ان رؤية المشاركين في تلك المعارك ( المعارك الأدبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ) كانت مغلفة بضبابية ، ترجع في جملة من أسبابها إلى ظروف العصر ، وغياب القضايا العامة ، للفردية التي وسمت مشاكل العصر في ظل غياب النظرية الشاملة التي تصل إلى أعماق الأمور ولذلك كان الاهتمام بالجزئيات.
8. ومن الملاحظ اللافتة والجديرة بالإشارة ان الناحية الفنية لم تكن محط أنظار المتحاكمين ( المتعاركين ) ، ولم تكن محط نظر السيد بحر العلوم نفسه والا فأن كل المعاني ( المقترحة منها أو التي حكّم بها ) لا تختلف بعضها عن بعض فضلاً عن ان المعاني مكرورة ، ومألوفة ، وليس فيها من ملامح الإبداع شيئاً كثيراً .
9. ومن الناحية الفنية يمكن تسجيل الملاحظ الآتية على هذه النصوص:
أ‌. التزام هذه المساجلات بما كانت تلتزمه النقائض في عصور الشعر الذهبية من حيث وحدة القافية والوزن.
ب‌. لا يندر وقوع الأخطاء النحوية فيها، بالرغم من ان أطرافها قد قطعوا شوطاً متقدماً في دراسة علوم اللغة العربية . من ذلك ما ورد في قول السيد حسين المتقدم :
من سرّه ان يرى كل الورى جمعت في واحد فليرى ما فيك وليقف
والصواب : فلير ، وهل يمح ، والصواب : هل يمحى .
ت‌. لم يخل نظمهم من ذلك الميل إلى المحسنات اللفظية الذي شهدناه عند شعراء الحقبة التي سبقتها فتجد في قطعة لا تزيد على ثلاثة أبيات: الطرف : طرف ، يرى : ورى.
ث‌. شيوع التضمين في شعرهم ، وجل ما ضمنوه في هذه القطع أشطار شائعة من قصيدة للمتنبي ، وكان تضمينهم لأشطار من قصيدة المتنبي خالياً من الفن، بل انه حطّ من القيمة الفنية لما ضمنوه وكان خاليا من كل إضافة فنية لافتة ، تتاح لللاحق وهو ينسج على منوال السابق.
10. مايزال النقد الأدبي ودور الناقد الأدبي غائباً تماماً وحين يغيب النقد ، والناقد ، يبقى الأدب يراوح في مكانه لا يتقدم قيد أنملة . واللافت ان الحقبة خلت تماماً من أي دور – مهما صغر- للنقاد، وان لاحت نظرات نقدية متفرقة هنا وهناك فهي لا تتعدى نقداً لمفردة أو اقتراح لمفردة أو جملة مكان أخرى ، ولا يتعدى ذلك أيضاً قافية البيت ، إلى النظر في نسيجه.

توقيع [محمد علي محيي الدين ]



  رد مع اقتباس
قديم 03-11-2008, 02:32 AM   رقم المشاركة : [12]
محمد علي محيي الدين
عضو إتحاد كتاب الإنترنت العرب كاتب .العراق
 

 
بيانات العضو




 


محمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the rough

وسام التميز وسام المشاركة القيمة وسام منبر وملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 3 (الـمـزيـد» ...)

معركة الشعر العربي الحديث في العراق
( 1 )
برغم اني لا أريد ان أؤرخ لحركة الشعر الحديث وأعرضها عرضاً مجرداً – اذ ان كثيراً من الأبحاث والدراسات أرخت لها وعرضتها – أجد من الضروري الإشارة بإيجاز إلى بداياتها وجذورها الأولى تمهيداً لتناولها من حيث انها معركة من المعارك الأدبية المهمة التي ملأت الساحة الأدبية في العراق والأقطار العربية في القرن العشرين.
وأول ما يواجه الدارس لمعركة الشعر العربي الحديث في العراق من أمر لافت هو تسمية الأشكال الجديدة في النظم التي ظهرت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وقد اتخذت الأشكال التي سبقتها أسماءً كثيرة مثل : الشعر المنطلق ، الشعر المرسل وغيرها من المسميات التي لُحظ فيها جانب من التفاوت في مفاهيم كل من هذه الأشكال ، وظهرت في حقبة تكفلت بدراسة المعارك التي دارت فيها رسالة ماجستير بعنوان ( المعارك الأدبية حول الشعر في العراق بين الحربين العالميتين ) ( ) .
أما الحقبة التي جاءت بعد الحرب العالمية الثانية – وهي موضوع هذا الفصل – فقد كثرت فيها المسميات الجديدة أيضاً ، لعل أبرزها ما دعي بحركة الشعر الحر ، إلى جانب مسميات أخرى ، كحركة الشعر الجديد أو حركة الشعر المعاصر ( ) أو شعراء اليوم ( ) أو الشعر المنطلق ( ) أو المدرسة المنطلقة ( ) أو الشعر العربي الحديث والمعاصر ( ).
و"شاعت تسمية الشعر الحر في العراق والبلدان العربية ، منذ أوائل الخمسينيات وقد استعملت وما تزال للدلالة على نمط من الشعر خرج على النظام التقليدي للقصيدة العربية ، الذي يعتمد فيه البيت الشعري شطرين متوازيين عروضياً وتنتهي بقافية مطردة ، إلى ذي شطر واحد ليس له طول ثابت ، وإنما يصح ان يتغير عدد التفعيلات من شطر إلى شطر ودون ( ! ) [ ومن دون ] التزام بنظام ثابت في القافية ، والتسمية تفتقر إلى الدقة ، فهي ليست بالاصطلاح الإنكليزي الذي أطلق على شعر خال من الوزن والقافية " ( ).
وقد آثرت ان يكون عنوان الفصل ( معركة الشعر الحديث ) لأن كلاً من تلك الأسماء لحظ شكلاً معيناً من أشكال النظم ، زيادة على ان لكل منها تعريفاً يكاد يختلف عن غيره ، أما تسمية الشعر الحديث فهي أكثر سعةً وشمولاً لكل أشكال النظم التي ظهرت في هذه الحقبة ولاسيما ان بينها كثيراً من الاختلاف الذي أشار إليه دارسو شعر الحقبة التي حددناها ، وعليه فان ( الشعر الحديث ) مفهوم زمني يعبر عن تلك الأشكال الجديدة جميعاً .
وقد امتدت معركة ( أو قل معارك ) الشعر الحديث في العراق على حقبة طويلة ، تتحدد بداياتها مع بداية القرن العشرين ، ومازالت نهاياتها لم تتحدد معالمها بعد ، بيد ان دراستنا – لما تقدم – ستنحصر بالمعارك التي حدثت بعد الحرب العالمية الثانية ، وأجد من الضروري ان أقدم للفصل بجملة من الملاحظ ومنها :
1- ان المعارك الأدبية بوجه عام ولاسيما ما ورد في هذه الدراسة ، تختلف عن المعارك التي تقع في ساحة الحرب أو غيرها من سوح النزال والصراع ، فتلك معارك بالأيدي والعضلات والسلاح ، وغيرها من وسائل العراك ، وهذه تتمثل في صراع الأفكار والآراء.
2- ان معظم المعارك الأدبية التي مرت في فصول الرسالة انمازت بالمواجهة الواضحة بين شخصين أو أشخاص يتبادلون الأخذ والرد بالكلام أو الشعر ، في حين انمازت معركة الشعر العراقي الحديث بأنها قد تغيب فيها صيغة المواجهة بين شخصين ، وإنما هي مساجلات وخصومات وعراك بالأفكار ، قد لا تظهر فيها ملامح الشخصيات كما ظهرت في المعارك الأخرى ، وقد لا يظهر فيها المتخاصمون صراحة في أخذ ورد .
3- ان هذا لا يعني ان كل معارك الشعر العراقي الحديث من هذا النوع بل انها ضمت أيضاً من معارك المواجهة صوراً كثيرة ، فقد نجد ان كثيراً من الآراء والمقالات قد انصبت على أشخاص بأعيانهم ، من أشخاص يقفون قبالتهم ويردون عليهم مباشرة ، وهذا يعني ان معركة الشعر العراقي الحديث قد ضمت ألواناً ونماذج مختلفة من المعارك.
4- تعد ظاهرة الشعر الحديث ، بما مثلته من تغيير خطير في شكل القصيدة العربية ومضمونها ، من أبرز التحولات التي شهدها الأدب العربي طول تاريخه الضارب في القدم ، من حيث طبيعة التغيرات التي حدثت ، واتساع المشاركة فيها ، وامتداد ذلك الى أجيال متتابعة من الأدباء والشعراء والنقاد .
5- ليس مما يعني الرسالة الخوض في تفصيلات حركة التجديد في الشعر العراقي الحديث أو البحث في مسوغات نشوئها، بل سيدور البحث في هذا الفصل على ما توافرت فيه صورة المعركة والخصومة والخلاف ، وان تعرضت الرسالة لبعض جزئيات التغير الحاصل وسماته ، فان ذلك يُدرس بقدر ما له علاقة بعرض أفكار المتعاركين وبيان مواقفهم .
6- وقد يرد في هذا الفصل عرض لآراء أدباء وكتّاب غير عراقيين ، ومسوغ ذلك ان هذه الآراء تنصب على الشعر العراقي الحديث ، ومن ثم لابد من التطرق إليها ، استيفاءً للبحث وعرضاً لكل أبعاده ، أولاً ، ولأنها تسهم في توضيح أبعاد المعركة ثانياً ... أما الآراء التي وردت لغير العراقيين مما ليس له علاقة بالشعر في العراق ، فلم أجد مسوغاً للإشارة إليها .
7- بعد كل ما تقدم ، يبدو ان الأقرب والأنسب ان يكون عنوان الفصل معركة الشعر الحديث ، بالرغم من ان بعض هذه المعارك كان محدوداً بحدود موقف معين أو رأي ، وهذا ما أدى إلى ان تكون أشبه بالمعركة الواحدة التي تعددت جوانبها ، وعليه كان عنوان الفصل .
( 2 )
من المسلمات ان حركة الشعر الحديث ، لم تبرز بغتةً ، ولم تنشأ من فراغ ، فقد سبقتها محاولات كثيرة امتدت على طول تأريخ الشعر العربي ، وقد استوعبت القصيدة العربية " أكبر التحولات التي طرأت على المجتمع العربي والبيئة الإسلامية وأخطرها ، فقد شهدت نزول النص المعجز وواجهت دوراً جديداً ، اذ عهد إليها مهمة الدفاع عن الإسلام ... ومع هذا حافظت على بقائها لأنها المجرى الذي أحكمته قرون طويلة من الثقاف والتهذيب والاستيعاب لقرائح العرب قاطبة " ( ) .
وترجع البدايات الحقيقية ( للثورة ) على الوزن والقافية إلى القرن الثالث وكانت كثير من المحاولات السابقة إرهاصاً بتلك الرغبة في التغيير ، ومن تلك المحاولات ما بدأ في العصر العباسي في شعر أبي العتاهية الذي كان يقول ( أنا أكبر من العروض ) ( ) وقد سمع صوت المدق فحاكى وزنه في شعره فقال :
للمنون دائرات يَدُرْنَ حولـها
حيـن ينتقينـنا واحداً فواحدا
"وقيل ان أبا العتاهية اخترع أوزاناً جديدة ، وان لأبي نواس قصيدة خرج بها على نظام الأوزان المعروفة قبله وحاول بعض الشعراء الخروج على نظام القافية الواحدة ... فظهرت المزدوجات ، ولعل بشار بن برد أوّل من نظم المزدوج ثم تبعه أبان بن عبد الحميد فنظم ( كليلة ودمنه ) ... ولابن المعتز مزدوجة طويلة في ذم الصبوح ، وأخرى أطول منها في سيرة المعتضد ... " ( ) .
وقد أكثر العباسيون من النظم في الأوزان التي لم تستكثر منها العرب ، أو لم تألفها آذانهم ، فنظموا على الأوزان المعروفة بندرة ما نظم عليها ( كالمضارع والمجتث إلى ما هنالك ، ونظموا على ما سمي أيضاً بالبحور المهملة في دوائر الخليل ، فقد نظم المولدون على أوزان : المستطيل والممتد والمتوفر ، والمتئد ، والمنسرد والمطرد ، ومما نظم على وزن المستطيل قول الشاعر :
لقد هاج اشتياقي غرير الطرف أحور أدير الصدغ منه على مسك وعنبر
ومما نظم على وزن الممتد وهو عكس المديد قول الشاعر :
قد شجاني حبيبي واعتراني أدكار ليته إذ شجاني ما شجته الديار
واخترعت أوزان أخرى كبعض أوزان اخترعها مسلم بن الوليد ونظم عليها، واخترعت الفنون السبعة التي لم ينظم على وزنها الا المولدون ، ولا يعدها العروضيون من الشعر وهي ( السلسلة ، الدوبيت ، القوما ، الموشح ، كان وكان ، المواليا ، والزجل ) ، و" استحدثت أمور في نظام القوافي منها ( الشعر المسمّط ) وهو أن يبتديء الشاعر ببيت مصرع ثم يأتي بأربعة أقسمة على غير قافيته ، ثم يعيد قسماً ( شطراً ) من جنس ما ابتدأ به وهكذا إلى أخر القصيدة ، ويقال ان أول من فعل ذلك امرؤ القيس ... ولعله مما حمل عليه بعد ان ظهر التسميط ، ورووا له في ذلك قوله :
توهّمت من هند معالم أطـلال عفاهنّ طول الدهر في الزمن الخالي
مرابع من هند خلت ومصايفُ يصيح بمغناها صــدى وعوازفُ
وغيّرها هوجُ الرياح العواصفُ وكل مسفّ ثم آخـــر رادفُ
باسحم من نوء السماكين هطّالِ
وربما كان السمط بأقل من أربعة أقسمة وبلا بيت مصرع كقول بعضهم :
غزال هاج لي شجنا فبتّ مكابداً حزنـا
عميد القلب مرتهنا بذكر اللهو والطربِ
وجرى على ذلك ، ويسمى بالمسمط ، تشبيهاً له بالسِّمْط( ) . ومنها المخمس ، وهو ان يؤتى بخمسة أقسمة من وزن وقافية ثم بخمسة أخرى من الوزن وقافية أخرى إلى آخر القصيدة وقد أكثروا منه . ومنها المزدوج وهو أن يؤتى بشطرين من قافية ثم بآخرين من قافية أخرى ، وأكثروا منه جداً في نظم كتب الأدب والعلوم كما نظم ابن مالك ألفيته "( ) .
وقد استوعب كلا الشاعرين أبو العلاء والمتنبي " تمام الاستيعاب الثورة الشعرية الأولى في الأدب العربي التي امتدت بين أبي نواس وأبي تمام وهي الثورة التي استهدفت نقل مضمونات الفكر والحياة المعاصرة لها ، إلى الشعر مع المحافظة على الوزن العربي الذي وضعه الجاهليون ،وقد أثبت الزمان انهم بمحافظتهم على ذلك الوزن قد برهنوا على صحة رأي وصدق حدس في دخائل الشعر والإبداع الجماعي : إذ مادامت سرعة الحياة لم تتغير فلا حاجة لتغيير الإيقاع " ( ) .
وهكذا نجد ان التراث العربي قد شهد كثيراً من المجددين في تاريخه الطويل وقد غيّر أولئك قليلاً أو كثيراً ، كل بحسب قدرته وموهبته ، ولكنهم جميعاً كانوا ينطلقون من قواعد الخليل بن أحمد العروضية وعليه يمكن القول ان الحركات التجديدية منذ العصر العباسي إلى بدايات القرن العشرين لم تخرج قط على جوهر التراث الشعري العربي ، فان طاقات القصيدة العربية الفنية التأثيرية لم تزل حاضرة ، ولا يمر جيل الا وتهيئ لها أعماقها الفنية موهبة أو أكثر لتجدد بها شبابها ، وقدرتها على التعبير عن الجديد ، ذلك بان ما تبنيه الأمة بعيداً عن المؤثر الخارجي والذوق الخارجي وأصول اللغات الأخرى سيظل يعبر عن طبيعة الأمة ولغتها وذائقتها إلى ما شاء الله ، لذلك تجد كثيراً من صيحات التجديد وأشكالها المستقاة من الخارج لا تبقى أكثر من عمر من دعا إليها ، بل تضمحل في حياتهم وهم ينظرون " ( ).
وتجسيد ما تقدم نجده متمثلاً في دعوة الشعر الحر ، ولاسيما في كتاب نازك الملائكة ، الذي بدأ منظراً للدعوة ، وانتهى متأسفاً على النهاية التي آلت إليها .
( 3 )
لم تكن الحقبة التي بدأت ببواكير القرن العشرين وانتهت بانتهاء الحرب العالمية الثانية ، حقبة صمت ، لم يرتفع فيها صوت يدعو إلى التجديد ، بل حفلت بكثير من هذه الأصوات في العراق والشام ومصر ، " ولكن هذه الأصوات لم تسمع ، لا بسبب ضعف فيها أو عيب ، وإنما كان المناخ الثقافي مهيئاً لإحياء الكنوز القديمة والعودة إلى النبع العذب "( ) .
ففي مصر نشأت مدرسة ( الديوان ) نسبة إلى كتاب نقدي أصدره زعيمها العقاد وزميله المازني تناولا فيه شاعريتي شوقي وحافظ إبراهيم ، دعا إلى أمور كثيرة تتعلق بالقصيدة العربية ، ووجوب تجديدها " ولقد وجدت هذه الأفكار صداها ، وتعلّمها عنه الجيل المعاصر له وبقيت حيّةً معمولاً بها حتى يومنا هذا ... بحيث أصبحت بديهيات تخفي المشاق والمتاعب والمعارك التي خاضتها مدرسة الديوان التي رأسها العقاد " ( ).
وما كاد عقد مدرسة الديوان يتناثر ، ويتفرق شملها ... حتى كانت مدرسة شعرية جديدة قد شغلت القوم متذرعة بذرائع مدرسة الديوان نفسها هي مدرسة ابولو( ) .
وقد حملت اسم مجلة مكرسة لفن الشعر أصدرها احمد زكي أبو شادي ولعل أبرز ما اتسمت به مدرسة ( ابولو ) دعوتها إلى التجديد الموسيقي " ولم يكن هذا الصوت رغم ضخامته وجهوريته ذا اثر في الشعر العربي ، والذين يذكرون هذه المدرسة إنما يسترجعون ذكريات شخصية ، فليس لشعرهم المرسل أو شعرهم الحر قيمة " ( ) .
ثم كانت بعدها دعوة ( الشعر المهموس ) التي دعا إليها الناقد محمد مندور " والشعر المهموس في رأي مندور من الناحية السلبية شعر صادق لا خطابة فيه ، وأما من الناحية الايجابية فهو أدب يصاغ من الحياة وكأنه غير الخطابة التي تغلب على شعرنا فتفسده ... " ( ) .
ولم يواصل مندور منحاه الجديد ولم يستطع ان يجد تطبيقاً لدعوته الاّ في الشعر المهجري ، وهذا ما أضعف دعوته ، وقد أغرت مندور الماركسية فحاول ان يتجاوز دعوته الأولى في الشعر المهموس إلى تبني ( الواقعية الجديدة ) وبذلك " فقد كل سحره وأفسح المجال لمن هم أعلم منه بالماركسية وألصق منه رحماً بها ... " ( ) .
وقد حاول آخرون ان يطوروا اتجاهات الديوان وابولو والشعر المهموس ، أو ان يتخذوا موقفاً وسطاً ، ولكنهم لم ينجحوا ومنهم مارون عبود ، وطه حسين ، والسحرتي ، واحمد الشايب ، وعبد الرحمن بدوي وأمين الخولي وغيرهم( ).
أما في المهاجر العربية فقد تأسست عام 1929 ( الرابطة القلمية ) لتجمع شعراء أمريكا الشمالية من المغتربين العرب ومنهم فوزي المعلوف وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ، وتأسست بعدها بسنوات قليلة ( عام 1933 ) ( العصبة الاندلسية ) لتجمع شعراء أمريكا الجنوبية من المغتربين العرب هناك ، وكانت الرابطة القلمية " شديدة الاندفاع نحو الجديد وتدعو إلى قطع الصلة بالماضي" في حين كانت ( العصبة الاندلسية ) أقل اندفاعاً وأكثر اتزاناً في سبيل التجديد " ( ) .
ويبدو ان دعوة المهجريين إلى التجديد قد أعطت زخماً جديداً للدعوة إلى التجديد " فنجد في مجلة ( المقتطف ) بتاريخ يناير 1902 مقالاً يدعو إلى تجديد الشعر العربي بالانفتاح على الشعر الأجنبي . ونجد المنفلوطي يقول : ( ما كل موزون شعراً ... وان الوزن أشبه بالحلي في جيد الغانية والوشي في ثوب الديباج المعلّم ) ، وبثورة المهجريين على الوزن والقافية أوجدوا لنا مفهوم ( الشعر المنثور ) أو ( النثر الشعري ) كما يظهر في كتابات جبران والريحاني ... " ( ).
وفي لبنان في حدود عام 1928 بدأت المجلات الأدبية " تتحدث عن الرمزية في الأدب ، وهو المذهب الذي كرسه سعيد عقل في مقدمة ( المجدلية ) عام1937 ،كما ( ! ) صرنا نسمع عن الرومانسية كمذهب أدبي ربما كان من أوائل روّاده جبران ولكننا نجد تكريساً لهذا المذهب في مقدمة ( أفاعي الفردوس ) لإلياس أبي شبكة ، وهكذا سارت الحال بالشعر العربي الذي حافظ على القديم شكلاً ومضموناً في الأعم الأغلب كما عند شوقي . والى جانب المحافظة على القديم نجد الآراء الجديدة تناولت الشعر العربي ، بالتطوير على أيدي المهجريين ومن يتبعهم من شعراء لبنان وبقيت الحال كذلك حتى الحرب العالمية الثانية " ( ).
وقد دارت معارك كثيرة في الوطن العربي في إطار الصراع بين القديم والجديد " يكفينا ان نذكر الآن تلك المعارك التي دارت بين مصطفى صادق الرافعي ، حامل لواء القديم وموسى سلامة ( ! ) [ والصواب سلامة موسى ] حامل لواء الجديد ، وما نشر ( الهلال ) عنها حينه [ في حينه ] مدى العنف الذي تخلل هذه الخصومة وكذلك ما دار من النقد العنيف لكتاب ( في الشعر الجاهلي ) الذي عدّله الدكتور طه حسين فيما بعد ، وعدّل بعض المعممات المطلقات فيه " ( )
ولابد من ان نذكر – في هذا السياق – الحملات التي أثارها عباس محمود العقاد على احمد شوقي ، وكانت بدايتها عام 1912 ، ولم تخل تلك المحاولات النقدية من فائدة لأنها دفعت الأقلام في تلك الحقبة .
( 4 )
يمكن دارس الشعر الحديث في العراق أن يشخص ثلاث مراحل حمل التغيير في كل منها سماتٍ قد تختلف عن الأخرى ، ويمكن تحديد هذه المراحل الثلاث بالآتي :
المرحلة الأولى : 1911 – 1945 وفي هذه المرحلة :
1- ظهر ما يدعى بالشعر المرسل و" أول من دعا في العراق إلى هذا الشعر " الزهاوي " ولكنه اشترط شروطاً ، ولم يترك الشعور يجري على حسب أهواء الشعراء فقد رأى ان الشعر المنظوم اشد تأثيراً من المنثور ، لما فيه من اللحن والموسيقى ... وقد وصف الزهاوي الداعين إلى تقليد الغرب بضعاف النزعة ( ! ) العربية ، وقال ان بيئة الغرب تأثرت بالآلة ولم يتأثر بها العرب ،وعد شعر الغرب نسيج الآلات ، وشعر العرب شعر الأرواح ، ومن قتل الشعر العربي فقد قتل العرب ... ودعا الزهاوي في تجديده إلى ترك القافية والاكتفاء بالوزن ... ونشر قصيدة أيّد فيها رأيه " ( ). ويمثل الزهاوي في هذا من يمكن ان نسميهم الجيل الأول ، ويمكن حصرهم زمنياً بالحقبة الواقعة بين بداية القرن العشرين وانتهاء الحرب العالمية الثانية ، وقد دارت في هذه الحقبة معارك حول الشعر في العراق ، بين الزهاوي والرصافي وأنصار كل منهما ، ثم امتدت ، في الحقبة نفسها إلى خارج العراق فاشترك فيها أدباء وشعراء من مصر والبلاد العربية الأخرى ( ) .
2- وقد أيد الزهاوي في دعوته كثيرون " ومن المؤيدين للشعر المرسل شكري الفضلي فانه نشر مقالة في جريدة العراق وأخرى في مجلة الحرية آزر فيها الزهاوي ... وقد شرح رأيه بان ترك القافية يمهد الطريق للشعور والإحساس ...واعتبر ( ! )[ عدّ ] الوزن نوعاً من الغناء ولما كان الوزن كاملاً من دون ( ! ) قافية فلم يجد ضرورة للقافية لان القافية مصيبة الأدب العربي " ( ) على ما كان يرى ." ولجأ للشعر الحر في العراق حينئذ ضعاف الشعراء الذين لم تكن لهم ثقافة عربية أصيلة ولا إطلاع عميق على آدابها ، والأغلب هم ممن لم يتعلم في المساجد وأنظمتها" ( ) .
3- و" كان لهذه الخصومات أثر كبير في الحياة الأدبية في العراق وفي حركة النقد خاصة ... وكانت الصحافة سجلاً حافلاً لكل ما دار ، وكانت تلك المساجلات النقدية أو المناظرات الأدبية تصل في بعض الأحيان إلى مشاحنات شديدة وجدال " ( ).
ونشرت الجرائد والمجلات لشعراء كثيرين من العراق والبلاد العربية الأخرى " وقد اهتمت ( صدى بابل ) بنشر نماذج من هذا الشعر لان صاحبها ( داود صليوه ) كان ذا ثقافة عربية ضعيفة محدودة ، وكان ركيك الأسلوب فوجد في الشعر المرسل شيئاً جديداً يوافق ثقافته الفقيرة التي لا تعرف قوة النسج ورصانة الأسلوب ... " ( )
"ويتبارى الشعراء الضعاف في التحرر من الأوزان والقوافي ، حتى ينتقل الشعر إلى نثر مسطور على شكل الشعر ، وقلما وجدنا فيه بعض القوافي والموسيقى والوزن ، وفتح روفائيل بطي صدر مجلة( الحرية) التي يشرف على إصدارها لمثل هذا الخلط ... "( ) .
4- ونشر الرصافي مقالاً جعله على شكل شعر بعنوان ( الشيطان أمثاله وأشعاره ) وقد سار في تيار العصر ونظم في الطريقة ، وان لم يقدر مثل هذا الشعر " فقد خلط بين النثر والشعر المرسل ، وكان في الذي نظم كثير من الوزن والقافية "( ) .
5- ونشرت مجلة ( الحرية ) قصيدة للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني ، أسمتها الشعر المطلق بعنوان ( محاورة قصيرة مع ابن لي بعد وفاة أمه ) ( ).
6- ونشرت مجلة ( اليقين ) " لصاحبها محمد الهاشمي قطعة من الشعر الجيد لم يذكر اسم كاتبها ... وقد بدأت المجلة بنشر نماذج من البند العراقي في عددها الأول "( ).
7- " وتنشر الجرائد العراقية أنواعا غريبة وأنماطاً عجيبة من هذا الشعر الجديد الغريب الأنماط متأثرة بالريحاني المتأثر بالشعر الأمريكي الذي اعتبره [ عدّه ] روفائيل بطي زعيم مدرسة الشعر الجديد في العالم العربي ، فنجد في مجلة ( الصحيفة ) قطعة بعنوان ( أيتها الفتاة ) ...وأخرى بعنوان ( اشتكي ) " ( ) .
8- وتنشر جريدة الاستقلال قصيدة بتوقيع أبي سلمى وقد وضعت في باب الشعر المرسل ... وقصيدة لخضر صالح بعنوان ( جهادي في بلادي ) ... وقصيدة ( لمدحة ) بعنوان ( إلى فتاة الشرق ) ( ).
9- " وينشر بسيم الذويب قصيدة في المزمار سنة 1929 ... "( ).
10- " ويصدر روفائيل بطي مجموعة الربيعيات فيها من الشعر المرسل "( ) .
11- " ولم يقف تيار هذا الشعر الحر أو ( النثر المشعور ) كما يسميه الدكتور مصطفى جواد ، بل مضى في طريقه ... وإحصاء ما نشر خلال ربع القرن الماضي ليس أمراً يسيراً ... وبقيت حركة التجديد محدودة مع ان الجرائد كانت تنشر لنقولا فياض والمازني وغيرهم من شعراء البلاد العربية في المهجر " ( ).
المرحلة الثانية وهو جيل الرواد :
ويتحدد زمنياً بالحقبة الواقعة بين نهاية الحرب العالمية الثانية ونهاية الستينيات من القرن العشرين ، وقد دارت فيه عدة معارك ، ستكون مجال الدراسة التي تعد أوسع في هذا الفصل ،وقد لمع في هذه المرحلة نجم الشعراء الرواد وأبرزهم بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري وغيرهم .
وقد تشعبت هذه المعارك ، فكانت منها معارك جزئية تعلقت بمواضيع بعينها ، يربط بينها جميعاً رابط مشترك هو انها دارت حول الشعر الحديث في العراق ، وصاحبتها محاولات تنظيرية لافتة ، حاولت ان تضع أسسا لحركة الشعر ، وكانت موضع أحذ ورد .
ومن سمات هذه المرحلة – أيضاً – وضوح تيارين يبتعدان في كثير من الأحيان ويلتقيان أحياناً ، " ولكنهما على أي( ! ) [ أية ] حال ينزعان إلى هدفين مختلفين ومن هنا كان الصراع عنيفاً بينهما في أول الأمر ، ولاسيما بعد ان طلعت نازك الملائكة بدعوتها الجديدة ونشرت هي والسياب والبياتي وغيرهما شعراً جديداً لم يألفه الرعيل الأول من شعراء هذا الجيل ، ولكن الصراع خف وكادت الموجة ان تأخذ قرارتها في السنوات الأخيرة ، ولم يبق لهذا الجيل أو للجيل القادم الا ان يأخذ بالأدب الذي يثبت في معترك الحياة ، وبالصيغ والأشكال التي يقبلها ذوق العصر وتقبلها الأذن العربية الأصيلة " ( ) .
وقد حمل هذا الجيل لواء حركة التجديد في الشعر العراقي الحديث ودخل معارك سنعرض لها في هذا الفصل ، وسار على نهجه عدد كبير من الشعراء منهم " الدكتور داود سلوم والدكتور عبد الجبار المطلبي وهلال ناجي ولميعة عباس عمارة وحسين مردان وشفيق الكمالي وعلي الحلي وأنور خليل وسعدي يوسف وصالح جواد الطعمة وجميل شلش والدكتور رزوق فرج رزوق وحسن البياتي وعبد الجبار داود البصري وراضي مهدي السعيد وكاظم السماوي ومحمد النقدي وغازي الكيلاني وزكي الصراف " ( ) .
المرحلة الثالثة : وهو جيل السبعينيات وما بعدها :
وهو الجيل الذي ذهب في عملية التجديد في مسارب متباينة أدّت به إلى ولوج تجارب شعرية جديدة ، لعلها لم تدر بخلد الشعراء الرواد من حيث انفلاتها المطلق من كل قيد أو أسر ، فعادت القصيدة ( إذا صحت تسميتها بقصيدة ) على أيديهم كلمات متناثرة لا رابط بينها ، أنتجت ( صرعات ) جديدة في عالم الشعر ، "وقد أساء إلى حركة هذا الشعر ضعاف الثقافة والتفكير ... فأضاعوا معايير الشعر نفسه ، ولم نعد نرى غير سطور ضبابية الفكرة ،ترص مهلهلة النسيج ضعيفة التراكيب فاستحال الشعر إلى نثر ، وسموا النثر شعراً ... ولم يكن الكثير( ! ) منهم يملك الموهبة الشعرية ، فكان شعرهم خلطاً غريباً عجيباً كثرت فيه الفواصل والنقط وعلامات التعجب ، وكأن الشعر بكثرة هذه الفواصل ، وكان حرّيا بهم جعل القوافي فواصلهم في الكتابة ، لان الإصلاح يجب ان يأتي من داخل الشيء ومن روحه وحاجته لا من الخارج " ( ) ،وأبرز ما يميز هذا الجيل ظهور ما يسمى بالشعر الكونكريتي والشعر الأوتوماتيكي والشعر الهاتفي ، والشعر المضاد ، وشعر الرفض ، والقصيدة الهندسية التي تكتب على شكل دوائر ومثلثات وأشكال هندسية أخرى كما دعا إليها المهندس قحطان المدفعي " ( ) بل ظهرت في هذه الحقبة قصائد سأطلق عليها قصائد التعاويذ ومنها على سبيل المثال :
ق
د ح
ت
ك ر
سـ
صـ
و ت
با
ب
ل ( )
ومن تقليعات ( الشعر الحر ) انهم " عمدوا إلى صف بعض الكلمات صفاً هندسياً وتكرارها هي بذاتها على عدة سطور كما فعل فاضل العزاوي ، أو كما يؤثر ان يشير إلى نفسه على انه ( ف . العزاوي ) وكأنه يريد ان يكون شيئاً من ت. س . اليوت :



لماذا؟
لماذا؟ لماذا؟
لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
لماذا؟ لماذا؟
لماذا؟
فواضح انه تقليد مؤسف يجري إلى لا غاية ، ولا عبرة بمن قد يقول ، أو بما يقال من انها انفجارات تساؤلية( ! ) في حالات أو حالة نفسية معينة أو غير ذلك ، إذ لو كان لمثل هذا التخريج وغيره أي معنى أو جدوى لجاز لنا ان نبرز الهذيان والسخف والقصور الفكري ... نحن نخشى مع اتساع إطلاع شعرائنا المحدثين على شعراء الغرب ان يزيدوا في تقليعاتهم وان يعدّوا ما يعتقده البعض ( ! ) غاية في التجديد شيئاً محافظاً أو متخلفاً ، فهذه ، مثلاً قصيدة كتبها ( لان هاملتون فنلي ) وهي عبارة في مجملها كلمة ( اكر وبات ) ( بهلوان ) فلم يجد الشاعر الا كتابتها بشكل بهلواني دلالة على عبقريته الشعرية :
A a a a a
c c c c c
r r r r r
o o o o o
b b b b b
a a a a a
" ( ) t t t t t
بل ان احدهم لم يخجل ، بعد ( 116 ) صفحة من التفاهات والكلمات المتناثرة والمتنافرة التي يسميها قصائد ، ان يكتب ( إشارات ) في آخر ديوانه أنقلها لكم :
• كتبت قصائد المجموعة بين 1967 – 1975 ، نشر معظمها في : الكلمة ، المثقف العربي ، مواقف ، الشعر 69 ، الأقلام ، الألف باء ( ! ) ، الفكر الحي ، مع ( قصائد) لم تنشر من قبل .
• تعدى ( ! ) استعمال بعض المفردات اللغوية ( ! ) إلى المدلول الشعبي ( ! ) .
• في قصيدة ( أوقات ) اقتباس من غارسيا لوركا – قصيدة ثنائية لبحيرة جنة عدن .
• قصيدة ( على الطرقات أرقب المارة ) مبنية على أساس المأثورة الطريفة ( لعيبة الصبر ) بترتيلتها السوداء ( ! ) التي تشبه السونيا أو الشاي السنقين ( ! ).
• إلى آخر هذا السخف ( ).
هذا ما انحدر إليه ( الشعر الحر ) على أيدي جيل الستينيات والسبعينيات ومن جاء بعدهم .
ولكل جيل من هذه الأجيال خصائص تميزه من غيره ، فجيل الرواد ولد في أحضان القيم الأدبية الموروثة ، وكانت بداياته الأولى في النظم على الطريقة التقليدية ( الالتزام بالعروض الخليلي ) ، بل ان معظم أبناء ذلك الجيل لم ينقطع عن الكتابة بالشكل التقليدي ، وهذا ما جعله لا ينفلت تماماً وهو يستجيب لإرهاصات التغيير و( التطور )، بل انه لم يعدم جهداً تنظيرياً واعياً ، تمثل في كتاب نازك الملائكة ( قضايا الشعر المعاصر ) ( ) ومقدمة السياب لديوانه ( أساطير ) إذ عرض لموضوع الوزن الشعري وبحث عن نظام عروضي جديد ولم يقطع جيل الرواد جذور الشكل الجديد عما ورثه الشعراء من عروض خليلي ، بل انه ظل مقيداً إليه بطريقة ضيّقت عليه ذلك الفضاء الرحب الذي تتيحه الأوزان الستة عشر ، فحصرها في عدد معين من البحور ، لذلك ظلّ يرسف في تلك القيود التي حاول دعاة التجديد التخلص منها .
وفي مقابل الشعراء المجددين ، ومتزامناً مع أجيالهم الثلاثة التي ذكرناها وقف كبار الشعراء المعاصرين ... موقف المناهض لهذه الحركة التجديدية لكونها في نظرهم تحارب الوزن والقافية . وأول سؤال مشروع يدور في أذهان كثير من هؤلاء هو : هل استنفد الشاعر العربي كل طاقات الأوزان الخليلية ، فلجأ إلى البحث عن البدائل ؟
ولابد – للإجابة عن هذا السؤال – من عرض سريع للطاقات الموجودة في الأوزان الخليلية :
- تبلغ أوزان الشعر العربي ستة عشر بحراً .
- تتفرع منها المجزوءات والمنهوكات وغيرها مما يرفع هذا العدد إلى ( 36 ) عروضاً و( 63 ) ضرباً .
- هناك عدد كبير من البحور المهملة التي توجد في الدوائر العروضية .
- وهناك بعض القصائد العربية القديمة خارجة عن هذه الحدود والمعايير التي وضعها الخليل منها :
• قصيدة عبيد بن الأبرص التي مطلعها
أقفر من أهله ملحوب فالقطّبيات فالذنوب
• قصيدة عدي بن زيد العبادي :
قد حان ان تصحو ولو تقصر
• قصيدة المرقش :
هل بالديار ان تجيب صمم
وربما تجاهلها الخليل لأنه أراد ان يجنبها كلمات الخطأ والاضطراب أو لم يرد ان يضع مقاييس لحالات نادرة فيحمّل العروض ما لا ضرورة له كما فعل النحويون واللغويون .
كل هذه الحصيلة الكبيرة تجاهلها شعراء الشعر الحديث فقيدوا أنفسهم بثمانية بحور ، بل ستة صافية فقط ، وهو ما جعل أنصار الوزن الخليلي يأخذون على جماعة التجديد ضيق مجال موسيقاهم لأنها لم تمتد على سعة البحور الستة عشر .

توقيع [محمد علي محيي الدين ]



  رد مع اقتباس
قديم 03-11-2008, 02:33 AM   رقم المشاركة : [13]
محمد علي محيي الدين
عضو إتحاد كتاب الإنترنت العرب كاتب .العراق
 

 
بيانات العضو




 


محمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the rough

وسام التميز وسام المشاركة القيمة وسام منبر وملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 3 (الـمـزيـد» ...)

توقيع [محمد علي محيي الدين ]



  رد مع اقتباس
قديم 03-11-2008, 02:34 AM   رقم المشاركة : [14]
محمد علي محيي الدين
عضو إتحاد كتاب الإنترنت العرب كاتب .العراق
 

 
بيانات العضو




 


محمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the rough

وسام التميز وسام المشاركة القيمة وسام منبر وملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 3 (الـمـزيـد» ...)

- معركة الريادة في حركة الشعر الحديث :
بعد عرضنا لتاريخ حركات التجديد في الأدب العربي ، وإذ يتفق الدارسون على ان جذورها ضاربة في عمق التاريخ الأدبي العربي ، فهم يتفقون أيضا " على ان الشعر الحر بشكله المعروف نشأ في العراق ، ولكنهم اختلفوا في بدايته ، وقد ذهب قوم إلى ان نازك الملائكة كانت رائدة هذا اللون ، وذهب آخرون إلى ان بدر شاكر السياب كان مبتدعه "( ) وقد اشتجر الخلاف بين هؤلاء وأولئك ، وبدأ بين جيل الرواد أنفسهم ، ثم تدخل فيه الشعراء والأدباء والنقاد فكانت حصيلة ذلك معركة أدبية واسعة أدلى فيها كثيرون بآرائهم زقد تناول قضية الريادة آخرون ، بيد أننا نتناولها هنا في سياق المعارك التي دارت في القرن العشرين وسنتجنب التكرار ونبدأ بعرض آراء أصحاب الدعوى أنفسهم أولاً :
1- تقول نازك الملائكة:
" كانت بداية حركة الشعر الحر سنة 1947 في العراق ومن العراق بل في بغداد نفسها ، زحفت هذه الحركة وامتدت حتى غمرت الوطن العربي كله وكادت ، بسبب تطرف الذين استجابوا لها ، تجرف أساليب شعرنا العربي الأخرى جميعاً .
وكانت أول قصيدة حرة الوزن تنشر ، قصيدتي المعنونة ( الكوليرا ) نظمتها يوم 27/ 10 / 1947 وأرسلتها إلى بيروت فنشرتها مجلة العروبة في عددها الصادر في أول كانون الأول 1947 وعلقت عليها في العدد نفسه "( ).
"وفي النصف الثاني من الشهر نفسه صدر في بغداد ديوان بدر شاكر السياب ( أزهار ذابلة ) وفيه قصيدة حرة الوزن له من بحر الرمل عنوانها ( هل كان حباً ؟ ) وقد علّق عليها في الحاشية بانها من ( الشعر مختلف الأوزان والقوافي )" ( )وهي ترى " ان ظهور هاتين القصيدتين لم يلفت نظر الجمهور وكان تعليق مجلة ( العروبة ) على قصيدتي التعليق الوحيد على هذه النقلة في أسلوب الوزن ، ومضت سنتان صامتتان لم تنشر خلالهما الصحف شعراً حراً على الإطلاق " ( ) ثم تستطرد " وفي صيف سنة 1949 صدر ديوان ( شظايا ورماد ) وقد ضمنته مجموعة من القصائد الحرّة ، وقفت عندها في مقدمة الكتاب المسهبة وأشرت إلى وجه التجديد في ذلك الشعر وبينت موضع اختلافه عن أسلوب الشطرين ، ثم جئت بمثال من تنسيق التفعيلات "( )
وتصف صدور ديوانها فتقول " وما كاد هذا الديوان يظهر حتى قامت له ضجة شديدة في صحف العراق ... وكان كثير من المعلقين ساخطين ساخرين يتنبأون للدعوة كلها بالفشل الأكيد غير ان استجابة الجمهور الكبير كانت تحدث في صمت وخفاء خلال ذلك فما كادت الأشهر ... تنصرم حتى بدأت قصائد حرّة الوزن يكتبها شعراء يافعون في العراق ويبعثون بها إلى الصحف وبدأت الدعوة تنمو وتتسع"( ) .
" وفي آذار 1950 صدر في بيروت ديوان أول لشاعر عراقي جديد هو عبد الوهاب البياتي وكان عنوانه ( ملائكة وشياطين ) وفيه قصائد حرة الوزن ، تلا ذلك ديوان ( المساء الأخير ) لشاذل طاقة في صيف 1950 ، ثم صدر ( أساطير ) لبدر شاكر السياب في أيلول 1950 وتتالت بعد ذلك الدواوين " ( ).
ويُلحظ – هنا – ان نازك تحاول إبعاد السياب تماماً ، وتلفت الانتباه إلى عبد الوهاب البياتي لصدور ديوانه قبل ديوان السياب ( أساطير ) وتتجاهل تماماً ما ورد من شعر للسياب على هذا النمط في ديوانه ( أزاهير ذابلة ) .
2- أما السياب فيرى " انه أول من نظم الشعر الحر في العراق ، لان الأستاذ علي احمد باكثير هو أول من كتب على طريقة الشعر الحر في ترجمته لرواية شكسبير ( روميو وجوليت ) التي صدرت في كانون الثاني عام 1947 ، بعد ان ظلت تنتظر النشر عشر سنوات ، ويرى ان الشعراء العراقيين الذين كتبوا على طريقة الشعر الحر لم يتأثروا خطا نازك ولا خطا باكثير ، وإنما تأثروا خطاه "( ) وعلى هذا فهو أحق بالريادة .
ومن الواضح ان السياب – هو أيضاً – يحاول إبعاد نازك الملائكة تماماً ، ويتجاهل قصيدتها التي نشرت قبل صدور ديوانه ، ويشير إلى علي احمد باكثير الذي صدرت مسرحيته المترجمة قبلهما بعشرة أشهر زيادة على ان هذه المسرحية " ظلت تنتظر النشر عشر سنوات " بيد ان ادعاءه بان الشعراء العراقيين تأثروا خطاه ، وليس خطا نازك وباكثير ، يبقى إدعاءً يعوزه الإثبات ويصعب تأكيده .
ويلحظ أيضاً ان كلاً من نازك والسياب قد تجاهلا محاولات الشعراء الذين سبقوهم بعقدين أو أكثر ، وقد اشرنا إلى محاولاتهم فيما تقدم .
وقد " ذهب غيره إلى ان عبد الوهاب البياتي واضرابه لم يتأثروا الا بنازك وطريقتها التي لم تكن غيرها أمام البياتي حينما نظم قصائده " ( ).
ويقول السياب مرة أخرى مصراً على انه أول من نظم الشعر " في عام 1946 كتبت أنا قصيدة اعتمدت فيها التفعيلة ( ! ) وحدة موسيقية وتحررت فيها من قيود القافية إلى حد ما وكنت يومها طالباً في دار المعلمين العالية التي تخرج فيها معظم الشعراء العراقيين الذين يكتبون الشعر الحر اليوم . وكانت نازك ورزوق فرج رزوق قد تخرجا ، وصحيح ان قصيدتي المذكورة لم تنشر الا عام 1947 في ديواني الأول ( أزهار ذابلة ) ولكنها كانت خلال هذه الفترة ( ! ) قد انتشرت بين أدباء الطلبة ووجدت صدًى في نفوس الشعراء منهم ، وكان عبد الوهاب البياتي وعبد الرزاق عبد الواحد وشاذل طاقة بين هؤلاء الشعراء الطلاب "( )بيد ان السيّاب ليّن من لهجته وبدا أكثر ميلاً للمصالحة في الموضوع في موقفه الجديد من قضية الريادة فهو يقول "ومهما يكن ، فان كوني ، أنا ونازك أو باكثير أول من كتب الشعر أو آخر من كتبه ليس بالأمر المهم . وإنما الأمر المهم هو ان يكتب الشاعر فيجيد فيما كتبه ، ولن يشفع له – ان لم يُجد – انه أول من كتب على هذا الوزن أو تلك القافية ( ! ) ولنكن متواضعين ونعترف بأننا ما نزال جميعاً في دور التجربة ، يحالفنا النجاح حيناً ، ويصيبنا الفشل أحياناً كثيرة . ولابد للشاعر الذي قدّر له ، ان يكون شاعر هذا الجيل العربي ، ان يولد ذات يوم مكبراً جهود الذين سبقوه ، أو لعله مازال يمسك القلم بيده حتى الآن "( ) .
3- وممن يرى ان السياب كان صاحب المحاولة الأولى ، موسى النقدي في رده على نهاد التكرلي الذي كان يرى ان البياتي هو المبشر بالشعر الجديد ( ).
4- و" فند الأستاذ صالح عبد الغني كبه هذه الدعوى وقال بان كل متتبع لتاريخ الشعر الحديث في العراق بعد الحرب العالمية الثانية لا يمكن ان يمر بهذا الحكم دون ان يستغرب من هؤلاء الذين لا يدرون ان نازك هي التي بدأت هذه الحركة " ( ).
5- وذهب الأستاذ مصطفى عبد اللطيف السحرتي " إلى انه أول من دبج الشعر الحر في مصر منذ أوائل عام 1935 ، بعد دعوة الدكتور أبي شادي وقبل ان يخط شاعر معاصر قلمه في هذا الدرب " ( ).
6- غير ان نازك الملائكة ترى ان دعوة الشعر الحر التي دعا إليها أبو شادي لم تكن الاّ دعوة إلى المزج بين بحور الشعر العربي في القصيدة الواحدة ... وماتت هذه الدعوة في مهدها وسرعان ما هجرها الشعراء الذين تقبلوها كالشاعر خليل شيبوب( ) ... وهناك محاولات في هذا الميدان ... ولكن جميع هذه المحاولات والدعوات إلى التجديد في الشعر لم تكن كالشعر الحر الذي نشأ في العراق بعد الحرب العالمية الثانية ، ولم يشهد العراق قبل هذه الحقبة الا محاولات غير واضحة ... باسم النظم الطليق.
7- ووقف أصدقاء السيّاب يؤيدون انه أول من نظم الشعر الحر ومنهم محمود العبطة( ) في كتابه الذي صدر عام 1965 ، تحدث في الفصل الثاني منه الذي أسماه ( الحركة الشعرية الجديدة في العراق ) عن قضية الريادة في هذا الشعر " فأرجعها للسياب لا لنازك ، وأكد ان السياب بعد ان نشر أولى قصائده الحرة ضمن ديوان ( أزهار ذابلة ) نشر خمس قصائد أخرى على الطريقة الجديدة وذلك قبل ظهور قصيدة( الكوليرا ) للشاعرة نازك الملائكة وبهذا تبدد الزعم القائل ان الشاعرة المذكورة هي رائدة الشعر الحر " ( )بيد انه لم يذكر اين نشر هذه القصائد الخمس؟ ومتى؟.
8- ويستغرب د. جلال الخياط ان تعتبر نازك تاريخ صدور ديوانها موافقاً لتاريخ نظم قصيدة منشورة فيه ، فالسياب حتماً كان قد نظم قصيدته قبل صدور ديوانه إلى الأسواق في كانون أول 1947 وقد صرح الشاعر نفسه بأنه نظم قصيدته تلك في تشرين الثاني عام 1946 ( ).
9- وقد علق ماجد احمد السامرائي على رأي د. جلال الخياط بقوله : " ان مسألة نظم القصيدة قبل نشر الديوان ، لا يمكن تخمينها أو تحديدها مطلقاً خصوصاً ( ! ) إذا لم تكن مؤرخة ، فيكون نشر الديوان هو تاريخها كذلك بالنسبة لقصيدة نازك ، المهم ان نشر قصيدة نازك جاء قبل نشر قصيدة السياب وهذا دليل على سبق نازك " ( ).
ولا أجد في حجة السامرائي وجه قوة ، إذا علمنا ان قصيدة ( هل كان حباً ) مؤرخة في الديوان في ( 29 / 11 / 1946 ) . هذا من ناحية ، ثم ان مقدمة الديوان بقلم ( روفائيل بطي ) مؤرخة في 31/ تشرين أول / 1947 وقد بدأها بقوله " حمل إلى ثلاثة من الطلاب العراقيين الذين يتلقون العلم في الجامعة المصرية مجموعة هي مادة ديوان لشاعر عراقي شاب ، يطبع في إحدى مطابع القاهرة ، وطلبوا مني تقديماً لها" ( ).
وبعملية حساب بسيطة نجد ان الفارق بين التاريخ الذي قالت نازك انها نظمت قصيدتها فيه ( 27 / 10 / 1947 ) لا يتعدى أربعة أيام فقط ، ولا شك ان تاريخ المقدمة التي كتبها ( روفائيل بطي ) لا يمكن ان يكون ساعة وصول المجموعة إليه ، ومن هذا نستنتج ان نازك عندما كتبت قصيدتها الأولى على هذا النمط ، كانت الأوراق عند روفائيل بطي في القاهرة ، ولا شك في ان السياب كتب قصيدته قبل تاريخ وصول المجموعة إلى القاهرة ووصولها إلى صاحب المقدمة ( وهذا دليل على سبق السياب ) على ان أمر الريادة لا قيمة له اطلاقاً كما سنرى.
10- وممن أيد السياب وريادته لحركة الشعر الحر ناجي علوش الأديب الفلسطيني الذي كتب مقدمة طبعة دار العودة لديوان بدر شاكر السياب وقد تعرض لحركة الشعر الحر بإسهاب وقال في قضية ريادة هذا الشكل الجديد من النظم :
" هنالك اتفاق من الناحية الزمنية على ان محاولات الدكتور لويس عوض وعلي احمد باكثير هي الحائزة قصب السبق في هذا المجال ، ولكن هذه المحاولات كانت كالصيحة في الوادي ، فالدكتور لويس عوض ، وعلي باكثير لم يخوضا معركة التجديد .. ولم يدخلا معركة التجربة الشعرية الجديدة بالشعر ، لقد توقفا من حيث كان البدء ، ويبدو ان محاولاتهما لم تكن ذات أثر في العراق ... ولقد أعلن بدر إشارة البدء – بعد ان أعلنها الدكتور لويس عوض ولكنه لم يدخل الميدان – وما كاد يدخل الميدان حتى وجد عدداً من الشعراء يخوض الشوط معه ، وكان كل شاعر من هؤلاء ذا تجربة خاصة ، وله من الإمكانيات ما لبدر ،أو بعض ما لبدر وخلال الشوط الطويل تكوّن هؤلاء الشعراء ، ونضجت تجربة ( الشعر الحر ) كان كل واحد منهم يأخذ من النهر ، منمياً طاقاته الخاصة ، ولكن كل واحد منهم يحاول اللحاق ببدر ويتأثر به بشكل أو بآخر " ( ).
ويلحظ على قوله انه لم يشر إلى نازك الملائكة من قريب أو بعيد .
11- ويقف د . إحسان عباس على النقيض من هذا تماماً فهو يرى " ان للسياب قصيدة واحدة نظمها قبل 1948 يزعم فيها انه اهتدى إلى شكل جديد ولكنها قصيدة لم تنشق على الشكل القديم الا انشقاقاً جزئياً طفيفاً لا يوحي لأحد من الناس بالجدّة ، بينما( ! ) أصدرت نازك عام 1949 ديواناً يحتوي أكثره على هذا الشكل الجديد وفيه مقدمة نقدية تدل على وعي بأبعاد الطريقة الجديدة "( ).
12- ومن اللافت للنظر ان يتفق دارسان للسياب على رأي يبعد الشاعر عن منزلة الريادة ، فزيادة على الدكتور إحسان عباس يأتي التونجي في دراسته العميقة والواسعة للسياب ليضع نازك الملائكة على كرسي الريادة فيقول " تعتبر أول حركة ظهرت للشعر الحر في الوطن العربي كانت في بغداد عام 1947 ، أي بنفس ( ! ) العام الذي صدرت ( ! ) قصيدة نازك الملائكة ولم يكن في هذا الديوان الا قصيدة ( هل كان حباً ) التي نظمها على هذا الاتجاه " ( ).ثم يقول بعد سطور " وعلى هذا فان ميلاد الشعر الحر كان في العراق وعلى يدي شاعريها نازك والسياب ، وهما ما نعلم من إجادة قرض الشعر الكلاسيكي، ولم تمض سنوات حتى استوى الاتجاه في شعر السياب وتقوّم ، فإذا الشاعر يرسل القصيدة تلو الأخرى ، وليكون في النهاية رائد الاتجاه الأخير في هذا اللون "( ) .
13- ويرى الدكتور يوسف عز الدين ان الشاعرين بدر ونازك " لابد من ان اطلعا على حركة الشعر العربي في المهجر وفي مصر وسورية ، وأميل إلى انهما عرفا بالحركة التي ظهرت في العراق ، ولا أشك في اطلاعهما على شعر المازني ، ونقولا فياض وأمين الريحاني وجماعة ( ابولو ) ، كما انهما عرفا شعر محمد بسيم الذويب وطارق عبد الحافظ نور الدين وتأثرا بحركات التجديد التي ظهرت قبلهما ، ولهما فضل مواصلة النظم ولنازك فضل وضع الحدود والقواعد ... وجاء جيل جديد لم يفهم حركة التجديد وشطّ حتى جاءت نازك مرة أخرى فوضعت كتابها العروضي ( قضايا الشعر المعاصر ) "( ).
ولابد من التوقف عند قول الدكتور عز الدين ( لنازك فضل وضع الحدود والقواعد ) ثم قوله ( حتى جاءت نازك ... ) فهل قعّـدت نازك ونظرت مرتين ؟ اغلب الظن انه يعني في المرة الأولى مقالاتها التي كانت مفرقة في المجلات ، وفي الثانية جمع تلك المقالات والزيادة عليها في كتابها المذكور . وفي كل الأحوال فهو لم يحسم القول في الريادة لأي منهما .
14- والى جانب هذه الآراء نجد أراءً لآخرين تقلل من أهمية تحديد الريادة في الحركة فتحت عنوان ( متى بدأ شعرهم الحر ؟ ) قال عمر فروخ موجزاً رأيه في قضية الريادة في الشعر الحر بعد ان نقل قول نازك الملائكة في كتابها ( قضايا الشعر المعاصر ) قال : " في التاريخ السياسي يمكن ان يكون هنالك أحداث تبدأ في زمن محدود أو يوم معدود ، كتأليف وزارة أو موت زعيم أو نشأة جريدة . أما في التاريخ الحضاري والثقافي فان ذلك غير مقبول ، ان نازك الملائكة نشرت أول قصائدها الحرة في عام 1947 ، ويبدو انها نظمتها أيضا عام 1947 ، فقد قالت هي انها نظمتها في يوم 27/ 10 / 1947 ... أما الدواوين التي نشرت عام 1950 فيجب ان تكون قد نظمت قبل ان تنشر في كتاب مطبوع ويقال ان بدر شاكر السياب قد نظم قصيدة حرة في عام 1947 أيضاً ولكن تأخر نشرها ، كل هذا لا يبدل شيئاً في المدرك الحضاري من التاريخ . ان الحركات لا تبدأ ، كما تبدأ الحوادث المادية ، في ساعة من نهار أو في يوم من شهر ، ان للحركات جذوراً تذهب في الماضي إلى زمن يصعب ان نعيّنه... " ( ). ويظهر من قوله انه لا يقر مبدأ الريادة من أساسه ، ويرفض ان ينسب نشوء ظواهر حضارية من هذا النوع لشخص معين ، وهو رأي صائب.
15- ولا يجد الدكتور عبد الواحد لؤلوة أيضا أهمية في تحديد أسبقية أي من الرواد إلى ابتكار العمود المطور كما يسميه فيقول : " لقد كثر الحديث عن أيهما أسبق إلى ( ابتكار ) العمود المطور نازك الملائكة أم بدر شاكر السياب ... الواقع ان نازك وبدر من جيل واحد وقد تخرجا معاً في دار المعلمين العالية ببغداد ، نازك عام 1943 وبدر عام 1947 . وعندما صدر ديوان بدر الأول ( أزهار ذابلة ) عام 1947 بعد أسبوعين من نشر قصيدة ( الكوليرا ) لنازك ، كان الديوان يحوي قصيدة بأسلوب ( العمود المطور ) هي قصيدة ( هل كان حباً ؟ ) وليس هذا مجال السباق في أي الشاعرين ابتكر العمود المطور قبل الآخر لأن الأهم من ذلك في نظري هو أي الشاعرين نما شعره أكثر بغض النظر عن الأسلوب . أكثر السياب من الشعر بالعمود المطور ، ولكنه لم يهجر العمود الخليلي تماماً ، بل برع في الاثنين ، ثم صرنا نقرأ لنزار قباني شعراً بالعمود المطور هذا ، ثم برز عبد الوهاب البياتي ، ثم برز في مصر احمد عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور . هذه قائمة صغيرة جداً لان عدداً كبيراً من المتشاعرين ، لا أستطيع حصرهم ، إذ لا فائدة من ذلك ، ظنوا ان العمود المطور أسهل منالاً من العمود الخليلي في كتابة الشعر "( ).
16- ولكن يوسف الصائغ ينظر إلى قضية الريادة من زاوية أخرى ، وان كان رأيه قريباً من رأي سابقَيه في التقليل من أهمية الريادة فبعد ان يعرض قضية ادعاء الريادة بين من ادّعاها يصل إلى القول " لقد شغل عدد من مؤرخي الشعر الحر بمناقشة قضية السبق هذه ، كما شغل بها الشعراء الرواد ردحاً من الزمن ، ولا أحسب ان قضية السبق هذه تستحق كل ما أوليت من اهتمام ، فنحن حين نضع في اعتبارنا ما سبق نموذجي ( بدر ونازك ) من محاولات ندرك ان تجارب الشاعرين العراقيين انما جاءت لتكمل ما سبقها ، وما فضل ( نازك وبدر ) وسواهما الا في انهم استطاعوا ، عبر ظروف ملائمة ، ان يحولوا هذه التجارب إلى نقطة جذب واهتمام ، ومن ثم إلى ظاهرة ... ان لمجموع الرواد فضلاً في غرس هذه البذرة ورعايتها ، وانه لمن العبث لذلك ، البحث عن أول شاعر وأول قصيدة وأحسن قصيدة ذات أسلوب حر ، إذ لولا مجموع هذه المحاولات على اختلاف مستوياتها ، ولولا المثابرة على تقديمها ، ولولا ملاءمة الظروف ... لما قد ر لهذه المحاولات ان تعيش ، ولماتت وضاعت شأن ما سبقها من محاولات على اننا يجب ان نسجل لنازك سبقها إلى تقديم تجربة الشعر الحر ، عبر مقدمتها التي كتبتها لمجموعة ( شظايا ورماد ) ... وما من شك في ان نازك ان لم تكن سبقت ( بدر ) في تقديم نماذج الشعر الحر الأول ، فهي قد سبقت في مجال الإعلان المركز عن ظاهرة جديدة "( ).
17- ويغرق الشاعر كاظم جواد ( )في العموميات فيقول في موضوع الريادة :
" ان بعض الأدعياء ينكرون حقائق الأدب والتاريخ ويدّعون – حباً بزعامة شعرية فارغة قذرة – انهم هم الذين بدأوا حركة التجديد تلك مستعينين بجهل القارئ العربي عن ( ! ) هذه الناحية ، وسكوت المحاولين الحقيقيين عن الإعلان عن أنفسهم كما يفعل بعض الأدعياء" ( )وقد يستوحي قارئ رأيه هذا انه يشير إلى نفسه .
18- ويقول محيي الدين صبحي عن نازك الملائكة وقصيدتها ( مر القطار ) :
" نظمت قصيدة ( مر القطار ) بكل ما فيها من تجديد فني عام 1948 ، وتكاد ان تكون أول قصيدة تحقق القيم الفنية للشعر الحديث باللغة العربية ( ! ) في ذلك الوقت المبكر حين كانت رياح علي محمود طه تهب من مصر لتلتقي بالرمزية والرومانتيكية في لبنان والتقليدية في سوريا ... فجاءت نازك الملائكة وأنزلت الشعر من السماء إلى الأرض ، انسنته وشيأته بعد ان كان لا إنسانياً ولا مادياً بل هو هلام من المرئيات الغائمة في عالم مليء بالعرائس والشياطين ، لقد أحدثت نازك الملائكة في ديوانها الثاني مع السياب والبياتي وعن طريق بعض القصائد أخطر انقلاب عرفه تاريخ الأدب العربي منذ وجوده إلى اليوم ... [ وهي ] منذ عام 1948 قدمت لنا إحساساً ناضجاً بحركة العالم ، فنقلت الشعر العربي من مرحلة القرون الوسطى إلى الأزمنة الحديثة ، ولا نزال اليوم – بعد مضي عشرين عاماً – نفتقد في أكثر الشعراء المعاصرين ذلك الوعي العميق للعصر الحاضر ومفهوم الحياة فيه ... وهذا كله يجعل للشاعرة قيمة طليعية حضارية ، فضلاً عن القيمة الفنية التي ساعدها في نشرها شعراء العراق : البياتي والسياب ثم شعراء لبنان : الخال والحاوي وغيرهم ... "( ).
19- أما طراد الكبيسي فيرى " ان هذا السبق لا قيمة عملية له ، ذلك ان القصائد التي رشحت للبداية : ( الكوليرا ) لنازك أو ( هل كان حباً ؟ ) للسياب ، أصبحت فيما بعد بمثابة ( ناقوس النصر ) الذي دق ... والذي سوف تكسبه قصائد تالية ، وعلى ذلك فانه لا يمنح صاحبه ، حتى في افتراض وجوده للسياب مثلاً ، الريادة لأبناء جيله ... وشهدنا ظهور مجاميع كانت الخطوة الأولى في الطريق الجديد و... الدفعة الأولى على حساب الشعر الحر ، وهي رغم قلتها وفقر معظمها الفني ، الا انها تحمل دلالتين أولاهما : التأكيد على التحول الجديد في أسلوب التعبير ، وثانيهما : الفردية في هذا التحول ، اقصد ان كل واحد منهم كان يبحث بنفسه عن أسلوبه الخاص ووفق فهمه الخاص " ( ).
20- وأشار جاك بيرك إلى بداية الشعر الحر قائلاً :
" كان الوزن العربي للشعر قد بقي على حاله منذ القديم ، وحدث في عام 1947 ، أن مهد شاعران عراقيان – من أكبر الشعراء قيمة – للشعر الحر ، كل من جانبه ، وكان لقصيدة نازك الملائكة عن الكوليرا في مصر وقصيدة ( هل كان حباً ؟ ) للسياب اثر هما في إدخال إيقاع جديد للشعر ، تلاهما البياتي بسرعة ، الذي زاد عن السابقين في انه أضاف إلى حداثة الشكل حداثة المعنى " ( ).
21- واختم هذه الآراء برأي أجده أكثر نضجاً وتوفيقاً في مسألة الريادة إذ قال الدكتور احمد سليمان الأحمد " انني لا أعلق كبير وزن على اكتشاف أول من كتب هذا الشعر الحديث ، لاننا في الواقع لن نهتدي إليه ، وإذا اهتدينا فلن نتفق ، وإذا اتفقنا فلا بد ان يجيء آخرون يجتهدون في الموضوع ، ولن يكون بوسعنا ان نقول بانهم مخطئون وان خالفونا الرأي ، فسيان كان الرائد هو خليل شيبوب في قصيدته المنشورة في مجلة ابولو ( العدد الثالث السنة الأولى ) ... أم كان ( أبو شادي ) أم ذهبنا ابعد من ذلك بكثير فعزونا الريادة إلى ( البند ) الذي وجد في العراق ، في القرن الحادي عشر الهجري وما بعده ، أم عقدنا التاج بالتالي لنازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي فلن يفيد ذلك في حقيقة كون هذا الشعر الحر بعيد الجذور في تاريخنا الأدبي ، الشيء الذي يجعل منه شيئاً أصيلاً ، كفيلاً أو يجب ان يكون كفيلاً باكتساب الاعتراف من أولئك الذين يمجدون القديم وهم مستعدون لتبني ما يتبناه "( ).
هذه المامة بمجمل الآراء التي قيلت في قضية الريادة في حركة الشعر الحديث وشغلت جانباً كبيراً من اهتمام دارسيه ، فأدت بهم إلى ان يبذلوا جهداً كبيراً كان من الأجدى ان يبذل في جوانب أخرى أكثر أهمية وأكثر نفعاً وجدوى ، ولا أخال اني قد عرضت لآراء جميع الذين أدلوا بآرائهم في الموضوع ، ولكن حسبي اني عرضت لأبرز اتجاهات هذه الآراء.
ولا بد – في الأخير – من الإشارة إلى ظاهرة لافتة في قضية الريادة ، فقد تبين من خلال عرض الآراء ، ان كثيراً من العرب قد بدأوا محاولات في حركة الشعر الحديث بعضها سابق بمدة كبيرة لما حصل في العراق ، غير ان الأمر الغريب ان أولئك لم يدّعوا الريادة في الشعر الحديث ،وبينهم كثير من ذوي الأقلام الكبيرة التي تستطيب تبني الدعوات الغريبة والجديدة ( كالدكتور لويس عوض وغيره ) على حين شُغل الشعراء العراقيون في هذه القضية ، ولا أجد سبباً لهذا الاّ ان أقول ان الشعراء العرب ( في الأقطار العربية التي شهدت كثيراً من هذه المحاولات ) كانوا أكثر وعياً وفطنة لقضيتهم ، فلم يدّعوا الريادة في حركة لم تستطع ان ترسخ جذورها في التربة العربية ، ومازال مصيرها مجهولاً ، وهي عرضة للزعازع التي تهب عليها من كل مكان ، ولعلهم كانوا أكثر ادراكاً لتاريخ الأدب العربي والمحاولات التجديدية التي شهدها ، في حين راح أصحابنا يتنازعون مقام الريادة ، فشغلوا بها عن إنضاج المحاولة والإجادة .

توقيع [محمد علي محيي الدين ]



  رد مع اقتباس
قديم 03-11-2008, 02:35 AM   رقم المشاركة : [15]
محمد علي محيي الدين
عضو إتحاد كتاب الإنترنت العرب كاتب .العراق
 

 
بيانات العضو




 


محمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the rough

وسام التميز وسام المشاركة القيمة وسام منبر وملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 3 (الـمـزيـد» ...)

- معركة السيّاب والبياتي :
ومن المعارك التي دارت بين جيل الرواد العراقيين ، خارج معركة الريادة في الشعر الحر ، كتابات أخذ ورد أخذت غطاء النقد ظاهراً ، وأبطنت روح التنافس التي تشيع بين أدباء الجيل الواحد ومنها ما قاله السياب في رده على أسئلة الأستاذ خضر الولي إذ قال :
" لقد ( ثرنا ) على القافية والوزن التقليديين لأسباب من أهمها تحقيق وحدة القصيدة ، ولكن دعونا نقرأ هذه القصيدة ( سوق القرية ) للشاعر عبد الوهاب البياتي :
الشمس ، والحمر الهزيلة ، والذباب
وحذاء جندي قديم ،
وصياح ديك فرّ من قفص ، وقديس صغير،
وخوار أبقار ، وبائعة الأساور والعطور
كالخنفساء تدب : ( قبرتي العزيزة يا سدوم )
وبنادق سود ، ومحراث ، ونار
تخبو ، وحداد يراود جفنه الدامي النعاس
والشمس في كبد السماء،
وبائعات الكرم يجمعن السلال ،
والسوق يقفر ، والحوانيت الصغيرة ، والذباب
يصطاده الأطفال، والأفق البعيد ،
وتثاؤب الأكواخ في غاب النخيل.
فأية وحدة في القصيدة ، وحدة نضحي ، من اجلها ، بالوزن التقليدي والقافية التقليدية وجزالة الأسلوب ؟ لولا هذه ( الواوات ) التي لا تكاد تقوى على ربط هذه الحزمة العجيبة من الصور الفوتو غرافية ، لانفرط كل بيت وتدحرج يبحث له عن مكان ، انها ظاهرة نراها في بعض شعر البياتي وشعر مقلديه تجعلنا نتحسر على القصيدة العربية بمفهومها التقليدي وإنما استشهدت بالبياتي لأنني أرى فيه شاعراً مبدعاً حين يكتب عن تجربة صادقة وبأسلوب لا يجعله التفكير بـ ( القارئ البسيط ) ينحدر إلى مستوى النثر " ( ).
وبالأسلوب نفسه رد البياتي على السياب مستشهداً أحد نصوصه الشعرية ، فقد رد على من يتهم الشعر الحديث بانه قد هجر الأسلوب الشعري وانحدر نحو النثر والسطحية فقال :
" يظهر ان الشعر الحديث قد ابتلي أو ألصقت به هذه التهم ، كما ( ! ) ابتليت الواقعية وألصقت بها تهم شتى ...ولعل السبب يعود إلى الشعراء أنفسهم لا إلى الشعر الحديث أو الواقعية ... ويؤكد قولي هذا الرجوع إلى إنتاج شعرائنا المحدثين ، ولنأخذ مثلاً صديقنا الشاعر بدر شاكر السياب ، فأغلب قصائده التي كتبها منذ ثلاثة أعوام يظهر فيها اثر هجر الأسلوب الشعري والانحدار نخو النثر والسطحية والغموض ومن يرجع إلى قصيدة( رؤيا فوكاي ) مثلاً سيأخذه العجب حين يقرأ في تضاعيفها مثل هذه الأبيات :
مازال طائر الحديد يذرع السماء( ).
وفي قرارة المحيط يعقد الكرى
أهداب طفلك اليتيم – حيث لا غناء
الا صراخ ( البابيون ) : " زادك الثرى
فازحف على الأربع ... فالحضيض والعلاء
سيان والحياة كالفناء"
سيان ( جنكيز ) و( كولغاي)
هابيل قابيل ،وبابل كشنغهاي"
إلى أخر هذا السخف والهراء ، كذلك حين نقرا للشاعر نفسه وفي نفس ( ! ) القصيدة :
و( اريل ) الحديد
الهدرجين واهب المياه للقفار
وبذلك حين نقراً له من قصيدة ( قافلة الضياع ) :
يا مكتباً للغوث في سيناء ، هب للتائهين
مناً وسلوى من شعير ، والمشيمة للجنين
واجعل لها المطاط سره
وارزقه ثدياً من زجاج واحش بالادريج صدره
اشهد بأنني أوردت الأبيات السالفة ، كما هي واردة في القصائد ، ومن شاء المزيد من هذا التردي والإسفاف والهذيان والنثر فليرجع إلى قصائد أخرى أمثال : مرثية جيكور التي يظهر فيها ان صديقنا قد أعجبته كلمة ( ترللا )فراح يكررها بحماس واندفاع .. وكذلك قصيدته ( أغنية في شهر آب ) التي هي مسخ غريب لقصيدة ( أغنية العاشق ) للشاعر ت . س . اليوت ويظهر ان تردي صديقنا في هذه الهاوية يعود إلى محاولته التعبير عن تجارب لم تنضج في نفسه أو إلى تأثره بالشعراء الذين يقرأ لهم دون هضمهم ( ! ) ودون ( ! ) اعتبار ( ! ) فوارق البيئة والوطن .
ومثل هذا كثير وكثير في شعر صديقنا السياب ، ولعل القارئ سيأخذه العجب حين يرى انني اقتصرت على السياب دون ( ! ) غيره ولكن عجبه سيزول إذا ما علم بانني كنت اعتبر السياب في محاولاته الأولى من شعرائنا الشباب الأوائل الذين ستتحقق على أيديهم بعض القصائد الناجحة ولكن... .
فالشعر الحديث إذن لم ينحدر نحو النثر والسطحية الا على أيدي قلة من الشعراء الذين آذن عصرهم بالانهيار" ( ).
ومن الواضح ان الشاعر البياتي ، قد اقتدى بأسلوب السياب في نقده الأول فكان رده عليه ، بالطريقة نفسها التي اتبعها صاحبه في قوله ، حتى ليكاد القارئ يلمس التشابه بين النصين بشكل لافت ، من أول الكلام إلى خاتمته ، وهو نقد انتقائي تكمن وراءه الدوافع الشخصية البعيدة عن المعيار الموضوعي الذي ينبغي للنقد ان يتخذ منه وسيلة لمعالجة النصوص ، بعيداً عن الموقف الذاتي .
وقد خاض بدر شاكر السياب معارك أدبية أخرى بعد صدور كتابه ( قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث ) " فقد أثار هذا الكتاب استياء مجموعتين متنافرتين : أولاهما الشيوعيون ، وثانيتهما مجموعة العناصر المسؤولة عن الثقافة في الحكومة العراقية ، أما فيما يتعلق بالشيوعيين فإنهم علقوا عليه في مجلتهم البيروتية ( الثقافة الوطنية ) " وقد وصفوا القصائد التي ترجمت فيها إنها " لشعراء من الفاشست النازيين أمثال عزرا باوند ، ومن الجواسيس الذين اشغلوا في ( الأنتلجنست سيرفس ) من أمثال ستيفن سبندر" ( ) وقد ركز بدر ردّه على هذا بأنه تخلّى عن الشيوعيين فلماذا يعدّونه منهم ويحاسبونه على هذا الأساس متهمين إياه بالانحراف السياسي ، كما( ! ) انه أوضح إن القصائد التي اختارها للترجمة قصائد تتسم بالروح الإنسانية "( ).
أما فيما يتعلق بموقف الحكومة العراقية فإنها " حركت الدعاوى الحكومية ضده وأوقف في شرطة الأمن في شتاء السنة فقام صديقه محمود العبطة باعتباره ( ! ) محامياً ودافع عنه أمام حاكم جزاء بغداد الأول ... وحكم عليه بغرامة قدرها خمسة دنانير لأنه لم يذكر اسم المطبعة في الكتاب " ( ) .
وقد أثار بدراً ما دار بينه وبين رفاقه الشيوعيين من أخذ ورد " حيث قاطعوا قصيدته ( المومس العمياء ) حينما صدرت ... وأرسل بدر لسهيل إدريس يخبره بنبأ تلك المقاطعة ، فقام ( ! ) سهيل بنشر إعلان مجاني عنها على صفحات مجلته ( الآداب ) ( ) وأرسل له بدر في مرة تالية يشكره ... ومنذ تلك الفترة ( ! ) تخلى بدر عن التزامه الحزبي ... وصار لزاماً عليه إن يجد لنفسه سنداً أدبياً ، وكان هذا السند متمثلاً في ( الآداب ) التي خاض على صفحاتها أعنف معاركه ضد غريمه عبد الوهاب البياتي ، بل ضد صلاح عبد الصبور أيضا " ( ) .
وإخال ان هذه المعركة احد مظاهر التنافس الذي يشيع بين المتعاصرين ، وان لجلاّس الطرفين دوراً في اشعالها يعيد الى الذهن ما قام به جلاّس الشاعرين الزهاوي والرصافي من دورٍ في إثارة الخلاف بينهما ، زيادة على ان هذه المعركة تعبر عن المرحلة التي نشأت فيها ، وذلك الخلاف الذي كان محتدماً انذاك بين التيارات السياسية المختلفة في العراق ولاسيما ان كلاً من السياب والبياتي كان يحسب على طرف من الأطراف .
4- معركة السيّاب ورئيف خوري
أصدرت مجلة الآداب البيروتية عدداً خاصاً بالشعر ، وانبرى عدد من النقاد والشعراء للتعليق على القصائد التي نشرت فيها ، ومن بين قصائد ذلك العدد قصيدة ( من رؤيا فوكاي ) للشاعر بدر شاكر السياب وقد دارت بسبب هذه القصيدة معركة بين الشاعر السياب ورئيف خوري ، الذي كتب عن القصائد التي نشرت في العدد الشعري لمجلة الآداب معلقاً على قصيدة السياب ( من رؤيا فوكاي ) فقال :
" إن الشاعر الأستاذ بدر شاكر السياب في طليعة من يتمرسون بتجارب تجديد الشعر العربي قالباً ومضموناً ، وله في هذا المجال صولات ناجحة ، إلا إن الأستاذ بدر شاكر السياب مازال شأنه شأن أكثر الرعيل المجددين من الشعراء المعاصرين يعرف كيف ينبغي للشعر الحديث حقاً إن يكون من حيث المضمون والتعبير ، إلا انه حين يحاول النهوض بما يعرف انه الواجب تخونه مقدرته ، فيحس قارئه انه قصد إلى شيء أروع مما استطاع إلى تحقيقه سبيلاً فقد ترك شيئاً كثيراً وراء ما قاله لم يوفق إلى قوله . وبعبارة أخرى هو لا يزال ناقد شعر أكثر منه شاعراً يفي شعره بما تتطلع إليه نفسه ، حقاً انه موضوع حتى ( ! ) في هذا المقطع ليتحمل أكثر كثيراً مما أخرج لنا " ( ) وحين قرأ السياب ما كتبه الأستاذ رئيف خوري رد عليه في مقاله ( هذا النقد الحديث ) قائلاً :
" كنا نأمل إن تحيل مجلة الآداب عددها الشعري إلى ناقد من نقاد الشعر المعروفين ليقرأه فيعلق عليه بما ينصف به كل من ساهم في هذا العدد الممتاز . ولكنها بسبب ( ! ) ما أحالته إلى الأستاذ رئيف خوري ، - وهو في رأيي – ليس من النقاد البارزين ... والأستاذ رئيف خوري أديب كبير واني به لمن المعجبين ، ولكنه كما قال عن نفسه ( له في كل عرس فرس ) أو ( في كل مأتم ميت ) – كما نقول في العراق – في النقد الأدبي والقصة والمقالة السياسية والاجتماعية والشعر أيضا ، فقابليته متوزعة هنا وهناك ، فهو ليس بالناقد المبرز والقصاص المبدع ولا الشاعر الكبير ، وان كان بمجموعه أديباً كبيراً . وهو لم يزاول نقد الشعر إلا مزاولة نظرية ، وأعني انه أعطانا مفاهيم ومقاييس في الشعر ، ولكنه لم يطبقها على شعر شاعر بذاته أو شعر جملة من الشعراء . وحاول أن يطبق هذه المقاييس وتلك النظريات على شعراء العدد الشعري من الآداب فأخفق ، وليعذرني الأستاذ الخوري وليعذرني القراء أيضا إذا وجدت من المتعذر علي إن أطلق وصف ( ناقد للشعر ) على من يقرأ قصيدة ( الناس في بلادي ) للسيد صلاح عبد الصبور فيعجبه منها ( انتباهه – أي السيد عبد الصبور – للإمكانات الكامنة في وزن الرجز التام والمجزوء ) دون ( ! ) إن يحس بوجود اثني عشر شطراً مختلّة الوزن في قصيدة من أربعين شطراً ، فقد عطش السيد عبد الصبور الياء في البيت الأول من قصيدته :
الناس في بلادي جارحون كالصقور
ثم أعقبه بهذه السلسلة :
وطيبون حين يملكون قبضتي نقود
ويطرقون
وهذه الجبال الراسيات عرشك المكين
وأربعون غرفة قد ملئت بالذهب اللمّاع
وفي مساء خافت الأصداء جاءه عزريل
ومد عزريل عصاه
وفي الجحيم دحرجت روح فلان
ووسدوه في التراب
لم يبتن القلاع ، إن كوخه من اللبن
من يملكون مثله جلباب كتان قديم
ومدّ للسماء زنده المفتول
أما عن انتباه السيد عبد الصبور للامكانات الكامنة في وزن الرجز التام والمجزوء والاحرى بالأستاذ الخوري إن يرجع إلى العدد السادس من الآداب 1954 فيقرأ ( أحد والحرية والربيع ) للزميل الشاعر كاظم جواد و ( أنشودة المطر ) لكاتب هذه السطور وكلتاهما من وزن الرجز التام والمجزوء مستغلاً ( ! ) خير استغلال ، والأغرب من ذلك إن الأستاذ الخوري لم ينتبه لـ ( انتباهنا) أنا والأستاذ كاظم جواد إلى إمكانيات الرجز في العدد الشعري ذاته.
ولم يلتزم الأستاذ الخوري في نقده لقصائد العدد الشعري منهجاً معيناً من النقد فهو تارة يهتم بلفظة معينة في قصيدة ما ، تاركاً ما عداها ، وهو يهتم بالموضوع وحده فيتهم شاعراً كالقباني بالحطّة ناسياً انه مكلف بنقد الشعر لا بنقد أشخاص الشعراء . ورأينا الأستاذ الخوري يأخذ على الشاعر الأفريقي المبدع الأستاذ الفيتوري وصفه بالحلم العاطفي دون ( ! ) إن يأخذ على الآنسة نازك الملائكة وصفها الحليب بالترف . من رأى حليباً ترفاً أيها الناس ؟ وقولها وهي تخاطب القمر المضيء : يا فضة كالضياء لينةً
مفسرة الماء بالماء ، عدا تكرار التشابيه والأخيلة والتنافر في الصورة الشعرية الواحدة ، هذا إذا لم نثر على من يحابي شاعرة تعيش في القرن العشرين وتكتب مثل هذا الشعر الذي يأباه حتى ( ! ) القرن الثامن عشر نفسه .
وهو يعجب بلفظ ( انداح ) للسيد عبد الحميد عيسى ، بينما( ! ) يهمل العناصر المهمة التي تكون الشعر الحق في قصائد عدة ( ! ) لا يمكن لقصيدة السيد عيسى إن تطمع بالوقوف حتى ( ! ) في ظلها ، ويبخل على الشاعر القومي المبدع سليمان العيسى بلفظة ( أستاذ ) أو شاعر في حين يسبغها على من هم دونه كثيراً . ثم يقول انه : لا يجد مبرراً ( ! ) للتكرار الموجود في قصيدة الأستاذ كاظم جواد ( الشمس تشرق على المغرب ) : ( يناديك يناديك ، يناغيك يناغيك ) في حين إني أراه موفقاً غاية التوفيق في هذا التكرار الذي كأنه رجع الصدى لعاشقة تنادي حبيبها بين التلال وفي الوهاد ، وأين النشاز في انتقاله من وزن الهزج إلى الرجز بعد تلك الوقفة التي تشبه الصمت الموسيقي التي لا بد ( ! ) ان تعقب هذه الحشرجة : ( سنقتص ، سنقتص ، سنقتص ) وأخيراً يجيء دوري ، إني على ثقة من أن ما قرأه الأستاذ رئيف خوري من شعري لا يسمح له بأن يقول : ( إلا انه حين يحاول النهوض بما يعرف انه الواجب تخونه مقدرته ، فيحس قارئه انه قصد إلى شيء أروع وأتم مما استطاع إلى تحقيقه سبيلاً . فقد ترك شيئاً كثيراً وراء ما قاله لم يوفق إلى قوله ) .
فهل قرأ الأستاذ الخوري ( حفار القبور ) و( الأسلحة والأطفال ) و ( المومس العمياء ) و ( أنشودة المطر ) و ( المخبر ) ؟ وسواها وسواها من القصائد الطويلة والقصيرة؟ لقد كنت إلى وقت قريب ابرم ( ! ) بنفسي لأني استفيض ( ! ) في الموضوع الذي أعالجه فأقول كل ما عندي ، لأن الشاعر الحق هو من يقول خير ما عنده لا كل ما عنده ، أو ما يمكن إن يقال ومن هنا أكد أحد كبار النقاد على الضبط ( control ) وعدّوا جموح الخيال عيباً ، إن الشاعر الحق هو الذي يشعرك بان لديه أشياء أخرى لم يقلها وهو لم يقلها لا لأنه ( لم يوفق ) إلى قولها ، ولكن لأنه يعتبرها من نافلة القول . وكيف يستطيع الأستاذ الخوري أن يقول عن مقاطع متناثرة من ملحمة ما زالت قيد الكتابة كـ ( رؤيا فوكاي ) : ( إن الموضوع حتى ( ! ) في هذا المقطع ليتحمل أكثر كثيراً مما أخرج لنا ) . انه شيء بدهي إن الموضوع يتحمل أكثر كثيراً مما قلته في هذه المقاطع والا لما جعلت مأساة هيروشيما موضوعاً لملحمة سوف تستغرق مني سنوات ، ولكن ايعزو الأستاذ رئيف ذلك إلى( إني لم أوفق إلى قول ) هذه الأشياء الكثيرة : وأقولها كرة أخرى أن عيبي هو الاستفاضة لا ترك أشياء كثيرة يمكن أن تقال دون ( ! ) أن أقولها ، وكان الواجب يحتم على الأستاذ رئيف خوري أن يعتمد مقارنة بين القصائد المنشورة في العدد الشعري فيقيم ( ! )كل قصيدة بالنسبة إلى مفهوم الشعر بأوسع معانيه وبالنسبة إلى القصائد الأخرى .
هذا هو النقد الصحيح والقراءة الصحيحة لا النقد الذي ينال مما هو عظيم ويرفع مما ( ! ) هو صغير ، ولا القراءة التي لا تنتبه إلى اثني عشر بيتاً غير موزونة – كما نقول في العراق – في قصيدة واحدة لشاعر يضعه بعض إخواننا المصريين في طليعة الشعراء المجددين ، لقد جنيتم حتى ( ! ) على كلمة ( تجديد ) وللأستاذ الكبير رئيف خوري تحياتي وإعجابي " ( ) .
ورد عليه الأستاذ رئيف خوري قائلاً :
" وأخيراً يجيء دور بدر شاكر السياب الذي أسرع في نعته بالشاعر والأستاذ قبل إن ينعى ذلك علي من قبل حين عرضت في نقد عدد الآداب الشعري لذكر الأستاذ سليمان العيسى أو بدر شاكر السياب ذرة من تنويه .
حقاً إن الأستاذ بدر شاكر السياب الذي أبادله تحية بتحية وإعجابا بإعجاب قد حاول أن يشغل نفسي بنفسي طويلاً حين واجهني في ( آداب نيسان 1955 ) بأحجية عجيبة ، فالشخص الذي هو أنا ، لا هو في رأي الأستاذ بدر ناقد مبرز ، ولا قصاص مبدع ، ولا شاعر كبير، وليس هنا وجه الأحجية ولكن هذا الشخص يصبح بعملية جمع( الحمد لله على إنها لم تكن عملية ضرب ) أديبا كبيرا وكيف ذلك ؟ العلم عند الأستاذ بدر وعند الله ، أو عند الأستاذ بدر وحده.
يبقى بعد هذه الملاحظة أن دعوة الأستاذ بدر إلى تلطيف نرفزته ( ! ) بعودة إلى هذا الكلام الذي علقت به على رأي الجاحظ في بيتين من الشعر رذّلهما في موضع واصطفاهما مع مختار الشعراء في موضع آخر ، بل مالي لا أرده إلى المقارنة بين رأيه في صلاة الآنسة نازك الملائكة للقمر ورأي الأستاذ مجاهد عبد المنعم مجاهد في القصيدة نفسها ، فهو يرى بدعا نعتها الحليب بالترف ، ويرى لغوا تشبيهها الفضة بالضياء لينا ، ويرى عندها تنافرا في الصورة الشعرية الواحدة ، بينما ( ! ) يرى الأستاذ مجاهد في ذلك كله فنا يسميه ( إسقاطا) عن نفس الشاعرة على العالم الخارجي.
ينعى عليّ الأستاذ السياب حكما حكمته على قصيدة الأستاذ عبد الصبور ( الناس في بلادي) ففي هذه القصيدة إثنا عشر شطرا مختلفة الوزن(!) لم أنتبه لها فضلاً عن ان الأستاذ السياب نفسه والأستاذ كاظم جواد قد انتبها للامكانات الكامنة في وزن الرجز ، وهذا ما لم انتبه له أيضا ، فأني كنت أعيّن وزن قصيدة الأستاذ عبد الصبور وكأني نفيت عن غيره استغلال وزن الرجز، وهو فيما يقال أول الأوزان الشعرية العربية إشتقه أهل الجاهلية بمحاكاة الإبل في مشيها.
كلا أيها الصديق ، إن قولي أن الأستاذ عبد الصبور إنتبه للامكانات الكامنة في وزن الرجز لا يعني إنه إقتصر على هذا الوزن في قصيدته ، ولا يعني انك أنت والأستاذ كاظم جواد لم تنتبها لوزن الرجز ،كما ( ! )لا يعني أن هذا العاجز لم ينوه بقيمة هذا الوزن قبلكما في كتب أعدها لمنفعة الطلاب، فوجه إعجابي قد كان بتجربة الأستاذ عبد الصبور في تسهيل الشعر وتبسيطه مع تعميقه.وسواء أكان الأستاذ عبد الصبور قد إقتصر على وزن واحد من الأوزان التقليدية أم اشرك فيها أم أفـتنّ في التفاعيل ، فان نظمه جاء من الموسيقية بقدر لا سبيل إلى إنكاره ، وأحسب إن تلك هي الغاية من الوزن ، وأما رجزك أنت في أول مقطع مما نشرته لك الآداب في عددها الشعري فليس فيه سهولة رجز عبد الصبور ولا انسراحه. ثم تنعى عليّ أني لم التزم نهجا معينا من النقد ، فتارة أهتم بلفظة معينة ، وتارة بالموضوع وحده ، فثق إني لم أدرك برهانك في هذا كله على خروجي عن النهج المعين ، فنقد الشعر يقتضي تأمله في أدق دقائقه من اللفظة الواحدة إلى الموضوع ، لكن لا إخالك تريدني في التعليق على كل قصيدة أن أبدأ بألفاظها واحدة واحدة ، حتى أنتهي إلى موضوعها وسياق نظمها ، فهذا كان يوجب علي إستفاضة أين منها تلك الاستفاضة التي ذكرت إنك إلى وقت قريب كنت تؤاخذ بها نفسك ، وأما إني أنقد أشخاص الشعراء في حين إني مكلف نقد ( ! ) شعرهم فما كنت أتصورك ممن يعتقدون شعر الشاعر شيئا وشخصيته بالنتيجة شيئا آخر ( ! ) الاّ إذا كان الشاعر قد أعار فمه بوقاً ( ) .
ثم نعود إلى حديث هذه الاستفاضة ( ! ) التي ذكرت انك إلى وقت قريب تؤاخذ بها نفسك . إني حين قلت عنك أيها الصديق : ( إن قارئك يحس إنك قصدت إلى شيء أروع مما استطعت إلى تحقيقه سبيلا ، وأنك قد تركت شيئا كثيرا وراء ما قلته لم توفق إلى قوله ) لم أقصد إلى ما فهمته عني ،فالاستفاضة التي يخيل إليّ إنك تستعملها بمعنى قبض الكلام وبسطه لا علاقة لها بما أردت إليه ( ! ) من العبارة التي يحس معها القاريء إنها استنفدت المعنى بقوتها ووضوحها ، فأضرب لك مثلا ؟
يقول الشاعر المصري إسماعيل صبري :
إذا خانني خلٌّ قديم وعقّني وفوّقت يوماً في مقاتله سهمي
تعرض طيف الود بيني وبينه فكسّر سهمي فأنثنيت فلم ارم
وقبله قال المتنبي:
رمى واتقى رميي ومن دون ما اتقى هوى كاسرٌ كفي وقوسي وأسهمي
فإسماعيل صبري قد كان في كل عبارته أكثر استفاضة ، ولكنه مع ذلك لم يكن أوسع ولا أعمق إستنفادا للمعنى ، وإذا كان لم يعوزه الوضوح فقد أعوزته قوة المتنبي . وأنت أيها الصديق قد لا تعوزك القوة ولكن يعوزك الوضوح في كثير من الأحيان . وهذا لا علاقة له بأنك تستفيض أو لا تستفيض . تستطيع أيها الصديق أن تجعل نفسك في موضع قارئ محايد مثقف ، وتستطيع أن تتجاوز عن كثرة هذه الإشارات التاريخية والأسطورية التي تقتضيك الشروح والتعليقات الطوال ، وتستطيع أن تتحمل من نفسك أن تصرح لك( ! ) ، وأنا زعيم بأنك ستحس افتقار شعرك إلى الوضوح ، ثم تستطيع أن تلجأ إلى شهادة من تثق بهم من أصدقائك ، وأنا زعيم لك بأن شهادتهم لن تختلف .
وأما هذا التكرار الذي التزمه زميلك الشاعر كاظم جواد فاني متمسك برأيي انه لم يقصد فيه الاقتصاد الذي يحتفظ له بحسن الوقع ويعفيه من التحول إلى رتابة مملّة.
وأما انك كنت تريدني أن اعقد مقارنة بين القصائد المنشورة في العدد الشعري من الآداب فينبغي لك أن تكون أدرى الخلق بان المقارنة بين الأعمال الفنية التي لا يضبطها نوع ولا موضوع ليس أجدى ( ! ) إذا استثنينا الوجهة الشكلية ، من جدال صغيرين حول أي الفاكهتين ألذ ، التفاح أم الأجاص ؟.
وعليك السلام من معجب يترقب يومك الذي يصبح فيه شعرك بروعة المواضيع التي تنتقيها " ( ) .
وكتب السياب إلى رئيف خوري :
أراني مدينا لك بالاعتذار ، فالحق إن كلمتي التي كتبتها تعليقاً على قراءتك للعدد الشعري من الآداب كانت تتسم بالقسوة والنفرزة ( ! ) كما سميتها وقد تلمست من خلال ردك الأخير روحاً كبيرة رحبة الأفق زادتني إعجاباً بك على إعجاب وإكباراً لك على إكبار ، وإذا كانت كلمتك قد اتسمت في بعض أجزائها بالمغالاة فان أكثر اللوم إنما يقع علي ، فقد استفززتك من قبل .
إن التحدث إليك يلذ لي ، فلتسمح بقليل من صبرك وتدعني أناقش بعض ما جاء في ردك الأخير ، لعل اختلاف الليل والنهار – الذي ينسي – قد أنساك أيها الصديق ما كتبته عن قصيدة السيد عبد الصبور من قراءتك للعدد الشعري من الآداب.
فقد جاء في ردك الأخير قولك هذا : ( كأني أعني وزن قصيدة الأستاذ عبد الصبور أو كأني نفيت عن غيره استغلال وزن الرجز ) وسأثبت هنا ما سبق لك أن قلته عن تلك القصيدة ووزنها ويعجبني من الأستاذ عبد الصبور انتباهه للامكانات الكامنة في وزن الرجز التام والمجزوء ، فقد نحى القدماء هذا الوزن ليستعملوه في الشعر العلمي مع انه من أغنى الأوزان العربية بالطاقة على استيعاب الشعر بكل فنونه ) .
أفليس هذا تعييناً لوزن القصيدة . أما عن استغلال وزن الرجز لكتابة ما تسميه بالشعر الحر فلا أحسب أحداً قد حاوله قبل الفقير لله كاتب هذه السطور في قصيدته المتواضعة ( أنشودة المطر ) ولكن المفهوم من كلامك إن السيد عبد الصبور هو أول المنتبهين إلى إمكانيات ( ! ) هذا الوزن أما ما ذكرت من إن قولك هذا ( لا يعني انه – أي عبد الصبور – أقتصر على هذا الوزن في قصيدته ) فهو كلام يحمل عناصر فنائه في داخله ، فالحق إن عبد الصبور قد اقتصر على وزن واحد في قصيدته وهو الرجز ، ولست أدري لم قرأت قولي ( مختلة الوزن ) هذه القراءة العجيبة( مختلفة الوزن ) .
كلا أيها الصديق إن الأبيات ألاثني عشر التي ذكرتها من قصيدة عبد الصبور ليست مختلفة الوزن – أي إنها من وزن آخر غير الرجز – ولكنها مختلّة الوزن أعني مكسورة أو زاحفة أو سمها ما شئت غير إن تسميها موزونة . ولا أظنني في حاجة إلى تقطيع تلك الأبيات وتطبيق ( مستفعلن مستفعلن ) عليها. وبعد هذا فأين الموسيقية الرجزية المسرحية ؟ وبعد هذا أي عجب في ألا تلحظ الموسيقية الموجودة في رجزي أنا : هياي .. كونغاي ( الصين ) حقل شاي ؟ والصين يا سيدي بلد آسيوي قبل كل شيء ، ولتعلم إني مثلك لا أعبد الأصنام ولا أفرط في قوميتي العربية .
أما حديثك عن الوضوح الذي يعوز شعري فهو أمر يطول الحديث فيه ، فعلينا أولاً أن نحدد معنى الوضوح في الشعر ، وعلينا ثانياً أن نثبت أن الوضوح شرط لازم لجودة الشعر . أين نضع رامبو – الذي كنت تجهله قبل أن يكتب عنه الدكتور سهيل إدريس – وأين نضع إليوت وايديث ستويل ، بل أين نضع أبا تمام وحتى ( ! ) المتنبي إذا جعلنا الوضوح – كما يفهم من قولك – شرطاً من شروط الشعر ثم نتطرق أخيراً إلى ( كثرة الإشارات التأريخية والأسطورية التي تقتضيني الشروح والتعليقات الطوال ) وهنا أحب أن أقف قليلا لأناقشك وأناقش الأستاذ محمود أمين العالم الذي تطرق إلى هذا الموضوع ذاته من قبل فلأعد إلى قصيدتي ( مرثية الآلهة ) التي أخذ عليها الأستاذ العالم كثرة الشرح.
الحق أن كل تلك الشروح كانت من فضل الكلام شيئا ليس له من موجب بإستثناء لفظة واحدة هي إسم (كرب ) صاحب معامل الأسلحة الشهير، ومع ذلك فهو معروف لدى أكثر الناس. فمن لا يعرف الأميبي كمن لا يعرف الحرباء التي كان شعراؤنا القدامى يستعملونها في أشعارهم، ونرسيس من لا يعرفه؟ ومن لا يعرف يهوذا؟ وإذا عرف القاريء من القصيدة نفسها أن التمر كان يؤلهه معشر ثم يأكلونه حين يجوعون فليس ضروريا أن يعرف أن قبيلة حنفية هي ذاك المعشر ، وكذلك قلْ عن بقية الشروح.
ثم إن أكثر إشاراتي في قصائدي إنما هي إلى معان ضمنتها شعري ومن الأمانة أن نقول أن هذا المعنى مأخوذ أو مضمن من بيت الشاعر فلان. وزعم الأستاذ العالم إنني أحدو حذو إليوت فيما أكتب ، كلا يا سيدي إن ما أكتبه هو شيء من صميم التقاليد الشعرية العربية ودونك أبا تمام لتعرف كيف كان يستخدم ( ! ) التاريخ والأساطير وشعر السابقين وكل ثقافته في شعره .
إقرأ لأبي تمام قوله :
ما ربع ميّة معموراً يطيف به غيلان أبهى ربىً من خدّها الترب
واقرأ له قوله :
إن كان مسعود سقى أطلالهم فيض الدموع فلست من مسعود
واقرأ له يصف الخمر:
جهمية الأوصاف الاّ إنهم قد لقبوها جوهر الأشياء
ومالي وللأمثلة أسوقها وهي أكثر من أن تعد ، إن أمامي شغلاً أهم من هذا . فهل سمعت – أيها الصديق الكريم الخوري – بما أحدثه تنبيهي إلى أبيات السيد عبد الصبور المختلة الزاحفة من رد فعل لدى بعض الصحفيين المصريين؟ لقد دعا واحد منهم شعراء مصر إلى الجهاد في سبيل الشعر المصري . وإعلان الحرب عليّ وعلى الشعراء العراقيين الذين أخذوا يهاجمون الشعر المصري. لأن رئيف خوري قد مجّد الشاعر المصري الأستاذ عبد الصبور. ولا أذكر إنك مجدته كما إني أرى من وراء هذه الأقوال روحاً إقليمية يجب أن نحاربها بكل ما أوتينا من قوة ، متى يفهم هؤلاء الصحفيون إننا عرب قبل أن نكون مصريين أو عراقيين أو لبنانيين ؟ متى يفهمون إننا حين ننقد عبد الصبور أو سواه لا نضمر في أنفسنا إنه من هذا القطر العربي أو ذاك ؟ إنه شاعر عربي وحسب أفتراهم يريدون منا أن نسكت حين نراه يخطيء في الوزن
فيقول:

شعر حبيبي حقل حنطة
صنعت في ضلوعي ذلك الصندوق
وجئت بستانك الصغير يا مليكة النساء
حدثتهم عن لوعتي يا جرحي المخضل يا ذلي ، وكلهم مجروح
وعدت في جرابي بضعة من المحار.
أو يقول:
الليل يا صديقتي ينفضني بلا ضمير
ورحلة الضياع في بحر الحداد
الخمر تهتك الأسرار
ويضحكون ضحكة بلا تخوم
السندباد كالإعصار إن يهدأ يمت
وشاطيء البحار ما يزال يقذف الأصداف واللآل
أفتونا أيها العارفون بعلم العروض فان إهتمامنا اليوم بالوزن محض الوزن في شعر هذا الشاعر ، أما المحتوى فالحديث عنه طويل أليم .
وأخيرا لا يسعني أيها الأستاذ الكريم إلا أن أعرب لك عن عظيم حبي وإحترامي وإعجابي . كما إني أرى لزاما عليّ أن أشكر لمجلة الآداب رحابة صدرها ، وهذه الحرية التي تتيحها لنا فنناقش الآخرين ويناقشوننا في سبيل التوصل إلى الحقيقة التي لا نريدها أن تموت في مجال الأدب على الأقل"( ).
وكان من ذيول هذه المعركة ،إنها استعدت الشاعر المصري صلاح عبد الصبور فقد إحتدمت بينه وبين السياب معركة نقدية عنيفة ، أشتعلت على صفحات مجلة ( الآداب ) خلال عامي 1955 و 1956 م ، وقد ساند بدرا فيها عدد من الشعراء والكتاب العراقيين ، وساند صلاح عبد الصبور عدد من الشعراء والكتاب المصريين ، وقد تبادل الفريقان تهمة إحياء النزعة الإقليمية وتهمة اليسارية ، وكان ما تقدم من صفحات جزءاً من تلك المعركة ، وجاء دور صلاح عبد الصبور فرد قائلاً لبدر (( ليس لي شرف أولية استعمال الرجز ولم ينسب الأستاذ رئيف خوري ذلك الشرف لي ، وليس هذا الشرف لك أيضا فالرجز قديم كما تعلم ، أما استعمال مستفعلن شكلاً عروضيا حراً فقد سبقنا إليه الدكتور لويس عوض في قصيدته المسماة (كيرباليسون) المكتوبة سنة 1937م والمنشورة بعد ذلك بعشر سنوات في ديوان بلوتولاند ... وأخيرا إني شاعر مصري ولو كان عندي ما أقدمه خير من الشعر لقلت ولذلك أحبني مواطني فظنوا بي خيراً، ولا أريد من الشعر أكثر من هذا الوسام ، محبة الأصدقاء والشرفاء ..... ولست أول من رجز ، ولست أولا في شيء على الإطلاق ، فلا تشغل نفسك بي فإن فيك لطاقة على ما هو أجدى على أمتك ، وإن فيما ينشر في الصحف وتمتليء به المجلات وتهتز به الحياة ما هو أحق بانفعال مثقف واع ذي موقف من أن مستفعلن في قصيدة صلاح عبد الصبور تحولت إلى مفاعيلن( ) " وقد دخلت قصيدة في ( المغرب العربي ) في المعركة النقدية التي إشتعلت بين صلاح عبد الصبور ومؤيديه من جهة ، وبين بدر ومؤيديه من جهة أخرى ، حيث نقد الأول قصيدة الثاني قائلاً: في هذه القصيدة محاولة شكلية طيبة ، وهي المراوحة بين وزنين ، ولكن مما يعيب هذه المحاولة إنها بلا منهج ملتزم ، فقد كان الأوفق أن تثنى الأصوات في القصيدة ، فصوت ذو نغم يحكي الحاضر وصوت ذو نغم آخر يحكي التداعيات ..... وشيء آخر هو إني لم استطع أن أعرف وزن هذه الأبيات"( ).
ويلفت النظر في ردود السياب أمران:
الأول : إنه لم ينس أن يهاجم الشاعرة نازك الملائكة ، فيقول أن شعرها يأباه القرن الثامن عشر ،
ولا شك في أن وراء هذا القول دوافع نفيسة تأصلت من معركة الريادة .
الثاني : ورود ألفاظ عامة تفتقر إلى المفهوم الموضوعي المحدد مثل : الشعر الحق ، يأباه الشاعر
المبدع ، موفق كل التوفيق ، الشاعر الحق ..... الخ ، وهي مفاهيم عامة تفتقر إلى الدقة .

توقيع [محمد علي محيي الدين ]



  رد مع اقتباس
قديم 03-11-2008, 02:39 AM   رقم المشاركة : [16]
محمد علي محيي الدين
عضو إتحاد كتاب الإنترنت العرب كاتب .العراق
 

 
بيانات العضو




 


محمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the rough

وسام التميز وسام المشاركة القيمة وسام منبر وملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 3 (الـمـزيـد» ...)

توقيع [محمد علي محيي الدين ]



  رد مع اقتباس
قديم 03-11-2008, 02:40 AM   رقم المشاركة : [17]
محمد علي محيي الدين
عضو إتحاد كتاب الإنترنت العرب كاتب .العراق
 

 
بيانات العضو




 


محمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the rough

وسام التميز وسام المشاركة القيمة وسام منبر وملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 3 (الـمـزيـد» ...)

توطئة
( 1 )
دخل العراق القرن العشرين ، وهو يرسف في أغلال الحكم العثماني( ) ، الذي لم تفلح الأحداث التي وقعت في عاصمة حكمه ( ) في ان تغّير من أساليب حكم الولايات شيئاً " ولما بدأت النهضة في منتصف القرن الماضي [ يريد القرن التاسع عشر ] كان الأدب لايزال تقليداً للقدماء يتابعهم في أوصافهم وأساليب تعبيرهم ، ثم أخذ الامر يتغير ، فنشأ منذ أوائل القرن المذكور جيل يدعو الى التجدد ، وكما قام أبو نؤاس في أوائل العصر العباسي يدعو شعراء زمانه الى ترك الحياة الاعرابية والمثل البدوية كذلك قام المجددون في هذا العصر يدعون الى ترك الطريقة القديمة والاهتمام بما توحيه الحياة الجديدة …. " ( ) .
ومنذ أواخر القرن التاسع عشر " أخذت الثقافة الجديدة تنتشر في البلدان العربية التي أتيح لها الاحتكاك بالعالم الغربي ، فنهضت شعوبها بعد سبات عميق وكانت نهضتها ترتكز على أربع قوى رئيسة هي المدارس الحديثة والمطابع والصحف والجمعيات … " ( ).
واذا كانت أسباب النهضة في مصر ، وبعدها في بلاد الشام ( ) ، تعزى الى حملة نابليون وولاية محمد علي على مصر وحركة الإرساليات الدينية ، " فان مبدأ النهضة الحديثة في العراق انما هي سنة 1869 أي ولاية مدحت باشا على بغداد … ولكن على الرغم من ان المدة التي قضاها مدحت باشا في العراق تعادل المدة التي قضاها نابليون في مصر ، فان بذور النهضة التي غرسها مدحت باشا لم تجد لها من يرعاها من بعده ، ولهذا كان سيرها بطيئاً وتأثيرها ضئيلاً ، ثم بدأت بوادر الدستور العثماني الذي أعلن سنة 1908 " ( ) . بيد ان النظرة المدققة لبدء حركة النهضة في العراق لا يمكن ان تغفل أحداثاً سبقت التأريخ المذكور، اذ ان حقبة طويلة من الجهل والظلام لا يمكن ان تتجاوز بسهولة وبحدث مرتبط بشخص ما ، مهما بلغ هذا الشخص ، انما هي جملة من التراكمات الكمية التي تتحول الى تغير نوعي أسهمت المعارك التي درسنا بعضها في الفصول السابقة ، التي تسبق هذا التاريخ بنحو قرن من الزمن في إيجاد المهاد الملائم للنهضة ، ويشير ربط الدكتور البصير بدء النهضة بشخص مدحت باشا الى قصور في دراسة الحقبة أولا ، والى انسياق مع رؤية كتاب آخرين يرون ربط أي تطور بعوامل خارجية ، مع إهمال تام للعوامل الأخرى التي تتعلق بأبناء البلد وجهودهم " والانطلاق في كل نهضة ليس وليد العوامل الخارجية وحدها ، بل لابد من ان ينبع أولاً من دوافع داخلية . ولعل أهم هذه العوامل توفر النبوغ في عدد من مرافق الحياة ، فقد رافق أعظم النهضات في التاريخ فيض من نوابغ الرجال ، تحسسوا سوء ما هم فيه ، وأوجسوا شراً من استمرار وضعهم الراهن ، واستشفوا بصيص أمل في محاولة ما فهبوا للنضال من أجل تحقيقها " ( ) زيادة على انه " ليس من السهل استجلاء بواعث النهضات استجلاء تاماً ، ولا تعليل انطلاقها تعليلاً وافياً اذ ليست هي في الغالب ، نتيجة مباشرة لمؤثرات خارجية فحسب ، ولا هي ثمرة لطفرة داخلية مفاجئة لا غير ، بل لعلها متخلقة من تفاعل منتج بين طاقة كامنة في الداخل ، وحافز محرك من الخارج لذلك برغم من ان النهضة الفكرية في القرن التاسع عشر لم تكن وليدة البعثات التعليمية وحدها، فقد تعاقبت أجيال عديدة على قيام الصلة بين الشرق والغرب ولا سيما بين الشرق العربي وأوربا الوسطى من دون ان تتجاوب أصداء الفكر تجاوباً ملحوظاً ، وما هي إلا أن تفتحت الأذهان وتحفزت الخواطر ، حتى استجابت الطاقة للحافز وانطلقت الشرارة السحرية فإذا الفكر الناشئ ينمو ويترعرع ويغدو نواة لنهضة رائعة " ( ) " وللخطوة الأولى في كل حركة كبرى أهمية عظيمة ، لأنها تقرر نقطة الانطلاق ووجهة السير … " ( ) . ولا شك في ان سحابة الخمول أخذت " تنقشع عن الذهن العربي في غضون النصف الأول من القرن التاسع عشر ، فقد شاهدت البلاد ولا سيما في لبنان ومصر ، موجة من الإقبال على التماس المعرفة صادفت حملة مركزة لنشر العلم " ( ) .
أما في العراق فان الذي عرفناه من تاريخ القرن التاسع عشر " ان أكثر الشعراء – ومثلهم علماء الدين البارزون – عاشوا في ضيق ونكد " ( ) فيقول أبو الثناء الآلوسي بعد تخليه عن منصب الإفتاء وانصرافه الى إتمام تفسيره ( روح المعاني ) معبراً عن عوزه : " حتى كدت آكل الحصير واشرب عليه مداد التفسير " ( ) وكثيراً ما كان الشيخ عبد الحسين محيي الدين ( ت 1271 هـ ) يُسمَع وهو يقول متهكماً من يشتري شعراً بشعير ؟ ( ) لكساد بضاعة الشعر وتراجع سوق الأدب وكان بعضهم يعمل في الأسواق للحصول على رغيف خبز ( ) .
وقد دعا ذلك الأخرس البغدادي الى القول :
أسفاً للشعــر لاحظّ له في زمان الجهل والقوم اللئام
" على ان عملية الولادة الجديدة هذه قد بدأت بالفعل منذ قرن ونصف ، ومع ذلك فهي مازالت بعيدة عن مرحلة اكتمالها، اذ هي لم تزل – بعد قرن ونصف قرن – في حالة من العثار والفوضى" ( ) .
( 2 )
ولكن لا يمكن القول "ان العراق في القرن التاسع عشر لم يأت بجديد فقد كان حافلاً بعشرات من الفضلاء ، وكانت شهرته بعلمه وأدبه – ولا سيما الفقه والشعر – أوسع انتشاراً وذيوعاً منها في القرون السالفة التي خضع فيها للحكم العثماني " ( ) وكان ذلك القرن قد بدأ " بداية كريمة استطاعت فيها الخُطا ان تتسع وقد صادف هذا التقدم رعاية من بعض الولاة في بغداد ، وعناية من الولاة الجليليين في الموصل وتشجيعاً من أغنياء الشيعة ورؤسائهم في العراق وايران والهند لمدارس النجف وكربلاء والكاظمين …واستمرت مدارسهم معتمدة على الخيرات والحقوق الشرعية التي ترسل الى المجتهدين من داخل العراق وخارجه… [ و ] كان بعض رجال الدين في بغداد معرضاً للفاقة الشديدة وعندما يغضب عليه الوالي فيسلب منه الأوقاف ووظيفة التدريس أو الخطابة … ومثل هذا قلما يحدث للمجتهد الشيعي لانه غير خاضع لنصب أو عزل من قبل أية سلطة … وكانت النجف وغيرها من المدن الشيعية المقدسة مثابة لمئات الوافدين من داخل العراق وخارجه … " ( ) .
وظل يحكم موقف الشعر والشعراء من الدولة العثمانية ، خلال حقبة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، عاملان : عامل التمسك بالخلافة العثمانية لطابعها الإسلامي ، وعامل التململ ضدها بسبب السلوك المعادي الذي طبع الخلفاء العثمانيين تجاه العرب وتطلعاتهم ( ) .
ومع باكورة القرن العشرين كانت نسبة المتعلمين تتراوح بين الخمسة والعشرة بالمئة ، وفي أحسن الأحوال فان ما تقوله المصادر الحكومية آنذاك يشير إلى ان ما يقرب من ثلثي الأهالي كانوا لا يعرفون القراءة والكتابة ، وكانت نسبة المتعلمين من غير المسلمين أعلى منها في المسلمين ، فأشاع هذا اللهجة الدارجة ورسخها بين الناس فأصبحت لغة التخاطب والحديث ، بل ان بعض المؤرخين والكتاب لم يتحرج من جعلها لغة الكتابة وكانت في بغداد وبعض المدن ممزوجة بخليط غريب من المفردات الأجنبية كالتركية والفارسية ، بل كانت اللغة التركية في بغداد " أكثر ذيوعاً من العربية العامية وان كان كل منهما رديئاً " ( ) .والى جانب ذلك لمع في أفق الشرق العربي ، رجال في الفكر والإجتماع والسياسة والدين ، تأثروا بما شاع في آفاق العصر من نور مصدره الغرب ، وبما في تراث العرب من خزين ثمين( ) .
( 3 )
ولم " يكد القرن العشرين ( ! ) ينبثق حتى كانت العاطفة القومية قد أخذت تحرك القلوب والأقلام . وكان لها في الأدب اتجاهات ظاهرة أظهرها تلك المفاخرة بالأمجاد السالفة ، وتلك الغيرة الملتهبة على اللغة الوطنية والتشكي من إهمالها " ( ) فقد امتازت بداية القرن العشرين بانها " عصر اليقظة في الفكر والشعور ، تفنن الخيال العربي فيه في التعبير عن هواجس النفوس الطامحة الى مجاراة الأمم الناهضة الراغبة في التخلص من عوامل الضعف والانحلال وحاول الأدب ان يمثل الحياة وذلك في مختلف صورها الضاحكة والباكية وشتى مظاهرها المشرقة أو الداجية "( ). وفي المقابل فان التغيرات التي حصلت في عاصمة الخلافة – مما أشرنا إليه سابقاً – لم تصل الى كل الأقطار التي تسيطر عليها الدولة العثمانية فلم تشهد هذه الأقطار بصيصاً من الحرية الفكرية أو السياسية بل " لم يقاسِ الفكر العراقي نقصاً في حرية الفكر في وقت من الأوقات أكثر مما قاسى منذ بداية القرن العشرين خاصة خلال الاحتلال وبعده ، فلا يسمح للشعراء ، مثلاً باسم القانون ان ينطقوا بأية فكرة حرة أو جديدة قد لا تتفق وأفكار الحكومة أو الحزب الرجعي في البلاد ومع ان حرية الفكر بدأت تظهر في المدن ، ولكن لايزال رجال القلم والشعراء مغللين بالقانون " ( ) .
وبالرغم من اننا لا نريد ان نستبق عرض المعارك التي وقعت في هذا القرن بأحكام سيكون مكانها ان تذكر مع آثار هذه المعارك( ) ، بيد ان هناك ملاحظة حرية بالتسجيل هنا ، تظهر في المعارك الأدبية في العراق خلال القرن العشرين ، تجعله يختلف عما حصل في مصر ، فقد شهدت مصر في القرن المذكور سلسلة معارك فكرية أدبية بين شعراء منظرين وأكاديميين يتمتعون بقدرات فكرية وتنظيرية عالية كان لهم الدور الكبير في هذه المعارك ، في حين لم نجد هذه الظاهرة في العراق ، وترك الامر للشعراء لكي يخوضوا معارك الشعر الحديث ، بلا أساس نظري واسع تشترك فيه طاقات تنظيرية واسعة الفكر والإطلاع إلا نادراً ( ) .
ولذلك نرى ان معارك المصريين كانت أكثر غنىً ونضجاً ، في حين اكتفت معارك العراقيين حول الشعر الحديث ، بإثارة زوبعة الريادة فحسب ، وهي لا تقدم شيئاً ، ان لم نقل انها كانت محاولة ساذجة ، اذا تبين لنا ان الريادة قد لا تكون لهؤلاء الشعراء ، بل لغيرهم في أقطار أخرى ، ولم يدعيها أولئك الا أخيراً ، لمعرفتهم ان طريق الشعر الحديث محفوفة بالمخاطر وان مستقبله لم يقر بعد ، فهناك كثير مما يعتوره من معوقات ، أما أصحابنا العراقيون ، فقد انهمكوا بسذاجة في المعركة من أجل إثبات السبق في ظاهرة قد تكون ولدت ميتة أو لم تستكمل شروط نجاحها بكل تأكيد ، وهذا ما كشفت عنه السنون الأخيرة ، اذ سرعان ما تشتت أصحابها في طرق ومجاهل شتى ، أوصلتهم الى فيافٍ لا ضوء فيها ولا دليل ، فتنوعت طرقهم ، وتبددت طاقاتهم .
" وفي العراق مايزال الشعر يحتل مكانة خاصة في دائرة الثقافة والفن ، ولعل ذلك راجع لضعف الحركة المسرحية ، ولعدم رسوخ تقاليد القصة والرواية ، لكن المهم ان الناس مازالوا يتذوقون الشعر فيقبلون عليه إقبالاً شديداً ، قراءة وسمعاً ونظماً ، بل مازالوا يختصمون حول الجديد والقديم فيه " ( ) .
ومن المعلوم ان تقييم القديم " بأكثر من قيمته … لا يقتصر على إشباعه لرغبة رومانسية في نفوسنا ، بل يقف في سبيل سيرنا عقبة تحول دون التقدم نحو ما نريد ان نتقدم نحوه من تغيير للفكر وتبديل لأوضاع الحياة " ( ) . وبالمقابل فان تقييم القديم بأقل من قيمته لن يكون مجدياً في التغيير والتقدم نحو التغيير المطلوب ، اذ انه يحجب عن أعيننا رؤية الجوانب الإيجابية في فكرنا وتراثنا ، التي يتطلب ترسيخها قيماً ورؤية تعزز توجهنا المطلوب ، لأن " ثبوت الروعة الأدبية لا ينفي ان يكون في الأدب عنصر آخر هو عنصر التغيير والتجدد " ( ) .
( 5 )
وعلينا ان لا ننسى ان جيل بواكير النهضة قد ورث " من أدباء الطليعة السالفة أدباً عابته الركاكة وشانته العثرات اللغوية ، وأفسدته صناعة التزويق والمجانسة : فكان همهم الأول ان يعملوا على إحياء اللغة وتقويم اللسان وتسديد القلم ، ولكن مهمتهم هذه كانت شاقة ، يتعذر تحقيقها دفعة واحدة وفي مدى قصير ، فالمدارس لم تكن ميسورة ، ولا كانت الكتب في متناول الأيدي ، فارتدوا في تحصيلهم الى الجهد الخاص … ولقد كانت مادة ثقافتهم أدب القدماء وأخبارهم وعلومهم من جاهليين وإسلاميين وعباسيين ، قرأوا ما وقع لهم من مؤلفاتهم في اللغة والأدب ، وتوفروا على الحفظ من روائع شعرهم ، وبليغ نثرهم ، ومأثور حكمهم وخطبهم ، والأدب القديم – كما هو معروف – أدب محافظ ، صحيح البناء ، بليغ التركيب ، شديد الأسر ، جزل اللفظ ، وعباسيه المتأخر كثير التزويق ، ظاهر التكلف ، فجاء أدبهم لذلك متصفاً بمتانة التركيب ، مشوباً بكثرة التزويق " ( ) " ولقد كانت جل عناية الرعيل الأول من أعلام النهضة منصرفة الى إحياء القديم ، فتميز بالأبحاث اللغوية ، وتوفر الرعيل الثاني على تحصيل علوم العصر ، فأضاف الى فضائل ما ادّخر من القديم ،شيئاً من معالم الجديد ، وجد الثالث في التملص من القديم البالي شكلاً وموضوعاً ، وجهد في طلب أجواء جديدة ، متلمساً سبلاً جديدة ، مندفعاً ( ! ) في آفاق جديدة " ( ) .
وكانت المعاناة التي يواجهها الشاعر العربي المعاصر " لم يعان مثلها الشاعر العربي المنبثق عضوياً من لحمة المشروع الثقافي ، والمتحد عضوياً وطوعياً مع لحظته التأريخية ، فالبحتري شاعر الإستعارة المبدعة ، استخدم بلاغتة حديثة … لقد أعادت بلاغة البحتري صياغة القصيدة العربية التقليدية بدلالات الصور اللفظية ، لكنها لم تعط الدلالة الصورية مجاناً ، بل جعلتها إمتداداً عضوياً لكينونة القصيدة ذاتها … فالبلاغة ( البحترية ) ليست عنصراً يضاف الى عمود القصيدة التقليدية ، ولكنه نوع من التنمية الذاتية لبنيتها ، بحيث تأتي البلاغة كاشفة بصورة أعمق عن دلالة البنية الشعرية العربية ، وليست مجرد إضافة تزينية ، والحقيقة فان البلاغة لم تسقط في اللفظية والتزينية إلا عندما غاض المشروع الثقافي العربي من القصيدة ، في عصر الانهيار الحضاري ولذلك ان ما يسمى بالقصيدة النثرية المعاصرة ليست في واقعها سوى نوع من البلاغة الجديدة المقطوعة عن كينونة القصيد العربي ، وذلك لأنها اعتمدت على اللعبة اللفظية فقط ، وعزلت نفسها عن الهم الإبداعي الكينوني ، احترفت صنعة اللفظ المبهم حتى تدمر العلاقات الذاتية للعبارة الشعرية" ( ) .
( 6 )
وفي هذا الباب نماذج مختلفة من المعارك الأدبية ، منها ما شاعت فيه روح المعارك الأدبية التي وقعت في القرنين السابقين ، وأسلوبها .ومنها ما حمل سمة الحوار الفكري الناضج المتعدد الجوانب ، وغلب على بعضها طابع الفكاهة ، وهذه كلها تعبير عن روح العصر ، وما أضفاه التغيير – مهما بلغت درجته – على الفكر وحركته ، والأدب وظواهره ومنها المعارك الأدبية ، أحسبها كافية لتعطي صورة واضحة عن معارك القرن العشرين .

توقيع [محمد علي محيي الدين ]



  رد مع اقتباس
قديم 03-11-2008, 02:42 AM   رقم المشاركة : [18]
محمد علي محيي الدين
عضو إتحاد كتاب الإنترنت العرب كاتب .العراق
 

 
بيانات العضو




 


محمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the rough

وسام التميز وسام المشاركة القيمة وسام منبر وملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 3 (الـمـزيـد» ...)

المعارك التي سترد في هذا الفصل يكاد يجمع بينها أمران :
الأول : انها دارت بين شعراء يتخاصمون أو يتساجلون حول قضية من القضايا .
الثاني : انها معارك أقرب الى الهزل والمتعة منها الى الجد والتطرق الى موضوعات ذات أسس نظرية.
وفي النجف – التي انطلقت من مجالسها أول معركة أدبية في العراق وهي معركة الخميس الأدبية – لم تخبُ ذكريات تلك المعركة ، ولم تنمح آثارها من فكر أجيال الأدباء والشعراء في النجف بالرغم من مرور ما يزيد على القرن ، وقد قامت معارك أدبية كثيرة تكاد تكون نسخاً مصغرة لتلك المعركة ، بروحها وتفاصيلها والأسباب التي دعت اليها.
فقد كان هناك في مدينة النجف الأشرف عدد من الشبان الذين لفتوا إليهم أنظار شيوخ الأدب فأدخلوا في أذهان الجميع – بما كتبوا ونظموا ونشروا – انهم سيكون لهم شأن كبير في مستقبل الأدب " وكان الشيخ محمد رضا الشبيبي والشيخ علي الشرقي في طليعة أولئك النفر من أدباء الشباب ، وقد اتسعت دائرة أفكارهم – وهم لا يزالون في أول مراحل الشباب – فاتصلوا بالعالم الخارجي ، وتتبعوا حركته الثقافية وعرفوا أخباره … والحق ان هذا النفر من الشباب هو الذي نقل النضج الفكري والوعي السياسي ، والآراء الحديثة الى النجف ان لم يكن الى العراق كله اذ لم يسبق لجماعة كبيرة في أية مدينة من مدن العراق ان تجاوبت مع الحضارة الحديثة والأفكار الجديدة مثل هذا التجاوب في مثل تلك الأيام العصيبة التي أناخ الاستعمار العثماني فيها بكلكله على العراق فأبعده عن فهم نفسه وفهم معنى الحرية ومضامين الثقافة" ( ) .
وقد ولدت في النجف الأشرف أفكار مبتكرة ، وبوقت مبكر فقد كان الشبيبي أول من فكر هو وزمرة من أنداده في النجف بإحياء التراث الأدبي وتأسيس جمعية تقوم بدراسة المخطوطات وتحقيقها وتولّي طبعها ونشرها على غرار لجنة التأليف والترجمة والنشر التي أسست بعد ذلك بزمن في مصر ، وقد باشر الشبيبي وجماعته حضور بيع الكتب بالمزاد الذي كان يجري في كل أسبوع في النجف … وعرف الشيخ محمد رضا الشبيبي وجماعته ومن بينهم الشيخ علي الشرقي بما عرف به السماوي ، ولكن السماوي كانت له شهرة أوسع في معرفة خصائص الكتب وأهميتها … " ( ) .
( 1 )
ومن مجالس النجف في تلك الحقبة مجلس الأربعاء ، الذي كان يعقد في نادي السيد مير علي الأدبي وكان من نتاج هذا المجلس " تلك الحلب الأدبية التي اشتركت فيها طائفة من الأدباء بالأراجيز حتى كانت منها مجموعة بلغت اثنتي عشرة أرجوزة طويلة وقد كتب لي أنا [ مؤلف هكذا عرفتهم ] ان أكون أحد المشتركين بها في وليمة غداء فاخرة أقامها الشيخ قاسم محيي الدين ( ت 1957 ) في بيته ، أقول لست أنسى تلك الحلبة الشعرية التي انتهت بمعركة أدبية اضطرت البعض الى اختيار حكم يضع حداً نهائياً لتلك المعركة ، فوقع الاختيار على السيد ( مير علي ) ورفعت إليه تلك الأراجيز ومعها كتاب موقع من قبلهم وهم يلتمسون صدور حكمه في هذه المعركة العنيفة ، وكان أن صدر حكمه في أرجوزة شعرية تجلت فيها قوة الشعر ، كما تجلت فيها خفة الروح والدعابة … وكانت أرجوزة بمثابة انتصار لامع للمشتكي المقهور ضد جميع مهاجميه ، ومن المؤسف ان تودع تلك المقاطيع والأراجيز عند الشيخ قاسم محيي الدين لسبب من الأسباب الخاصة فيحرص عليها الشيخ … " ( ) .
ولم تكن المعارك الأدبية في تلك المجالس وقفاً على النظم بالفصيحة وانما كانت تتخذ من الأدب ( العامي ) أحياناً وسيلة لها .




( 2 )
( معركة الجمعة )
ومن المعارك الأدبية في القرن العشرين ما دعي بمعركة الجمعة أو ( معركة المأدبة الماشيّة ) ( ) ففي ترجمة محمد طاهر الشيخ راضي قال صاحب شعراء الغري :
" ومن ألوان دعابته هذه الأرجوزة التي نظمها على أثر اختياره حكماً من قبل بعض أعضاء معركة الجمعة في المأدبة الماشيّة قوله :
حمداً لمن لا ينتهي عـــلاه لم يحص حق حمده ســــواه
ثم صلاة الله خالق الـــبشر على محمد وآله الغـــــرر
وبعد : شعري بقصور يعترف ان لا يطيق الشعر حتى من طرف
وهذه مجموعة من الرجــز حكمّ فيها نظري وان عــجز
وليس في الشعر قياس منطـقي وانما الأحكام للتــــذوقِ
فرب معنىً هو فحلٌ ينــفث قد كان في ألفاظه تخنـــث
وربما ألفاظه رشـــــيقه له معان عجز مطروقــــه
وربما ان فصّلا صحا مــعا ويفسدا في الذوق إمّا اجـتمعا
وما هناك جهة معيــــنة لكن تكون كتلة مستحــسنه
بعض مصاديق الجمال الشـعر وليس جفن وحـــده وثغر
وكلما هز الشعور أكــثر فذلك الشعر لدي أشـــعر
وانني أرسل حكم نظــرتي ويستجيز الحبط خطو فكـرتي
لم يكن الكمال من صفـاتي وكيف والنقص حــدود ذاتي
والرأي كالطبع فقد يخـتلف فميزوا ان شئتم واســـتأنفوا
لست محكما بما قد حكـموا وانما أنظر فيما نظــــموا
أميز المحكم من آياتــــه وأترك الرأي على عـــلاته
لا أتخطّى أدباً إلى النـسـب وقول لا أعلم من حسن الأدب
لا أتعدى من حدودي خطرا معرفة فكيف أنساب الــورى
فخذ إليك ما إليه أذهــب ولا أبالي أرضوا أم غضــبوا
إني رأيت رجزاً مستحــسنا لكنّ فيه حسناً وأحـســـنا
تجمعه الرقة وهو شـــتى وما تساوى جهة وســـمتا
تختلف الغصون في مهــواها وان جذراً واحداً حـــواها
رجز ( الجواد ) تحفة من تحفه وهذه بعض لئالي صـــدفه
قد راق لي كرقة الصــهباء في طرف المديح والـــهجاء
لكنه لقد أجاد حين قــصْ فانه قص فأحسن القصــص
أحصى فكان ريشة الـمصوّرِ أو ككتاب الله يوم المــحشرِ
أظنه من دقة الأوصـــاف إن يحك صوتاً فكفو نغــراف
وجاء ثالثاً كمن قد صــلّى أو كالذي من بينهم قد جـلّى
بينهما وبينه الفرق أختفــى يدركه الذوق إذا تفلســـفا
لم قال قد أخرس بعد نـادى وما أرى في هذه أجــــادا
قد فزع الخرس على النــداء في ظاهر السباق والانـــشاء
فكان تفريعاً لدي غامضــا وكاد أن يساوق التناقـــضا
والحكم هكذا أرى فيما نظـم ان بها الرابع شاعر العــجم
وكان ما يدور في خيــالـي ان المجلّي الشاعر الجـــمالي
وانه عندي لشاعر بحـــق لكنه في ذا السباق ما ســبق
أطال لكن لم يُجد هزلاً وجـد حبل تمام طال لا حبلُ مَســَدْ
وقد رأيت معجزاً محمـــدا يعالج الروح ويشفي الجــسدا
وان عندي النطس ( الخليلي ) طبيب نبضٍ وطبيب قـــيلِ
نظمها أرجوزة رصـــيفه رقيقة رشيقة لطـــــيفه
أرسلها مملوءة ترسّــــلا ترفع احساناً وتلقى مـــثلا
لم أر فيها مأخذاً له غــلط لكنها كانت من الشعر الوسـط
قد جاد سكيتاً وقد كان حسن فكيف لا وانه جد الــحسن
واعتزل الرضا بها التسابقــا والظن لو أتى لكان السابقا( )
وقرأ الشيخ قاسم محيي الدين منظومة نسبه ، ونشر جزءاً منها في ديوانه المطبوع ( الشعر المقبول في رثاء الرسول وآل الرسول ) ( ) وهو قوله :
يقول راجي ربه ذي الــمنن المذنب القاسم نجل الـــحسن
ان الذي إليه والدي انتـسب موسى الذي له الشريف خير أب
ابن محمد سليل يوســـفِ سليل جعفر عظـــيم الشرفِ
نجل علي فرع مـحيي الدين ابن الحسين نجل محيي الـــدين
والده عبد اللطيف بن عـلي سليل أحمد التقي الأفضـــلِ
الجامعي الحارثي العامـــلي ابن أبي جامع الحلاحــــل
ينمى لذاك الحارث الهمـداني ذي الدين والصــلاح والايمان
ذاك الذي ارتضى ولاه المرتضى مقرباً له وأولاه الرضـــــا
وقال لمّا ان له قد اشتــكى من الاهاويل غداً وقد بـــكى
بشراك يا حارث في ولاكــا لمن يقيك من لظى هــــناكا
يا حار من مات رآني جـزما وفيه أقضي ما أشاء حكـــما
من مؤمن برٍ ومن منافـــق وناكبٍ عن الولاء مـارقِ ( )
وقال الشاعر محمد كاظم الشيخ راضي مداعباً ومعقباً على المأدبة ( الماشية ) التي أقيمت في معركة الجمعة عقيب قراءة الشيخ قاسم محيي الدين لمنظومة نسبه:
الحمد لله العليّ الأكــــــرمِ ومنشئ الوجود بعد العــــَدَمِ
ثم الصلاة أبد الآبـــــــاد على النبي العربي الهـــــادي
وآله الغر مصابيح الدجـــــى ما أسفر الصبح وما اللــيل دَجا
وبعد: اني ناظم أرجـــــوزة معدودة أبياتها وجيــــــزه
أودعت فيها كل معنىً بــــكر وهو – لعمري – من نتاج الفـكر
لم يك فيها كذبٌ ولا مــــرا ولم تكن تحوي حديثاً مفــترى
لكنها حقايق مــــــجرده ثابتة عند الأنام مســـــنده
تثبت ان قاسماً نجل الــــحسن ما بيننا الغرّة في وجه الزمـــن
فاق الأنام بعلوّ الــــــهمّه وامتاز فيهم بعلوم جمّـــــه
من أدب ســــامٍ ومن معارفِ يقصر عنها وصف كل واصــف
و( شعره المقبول ) أقــوى حجه لمن أراد واضح المحّـــجه( )
مُسَلَّمٌ بين الورى تفـــــضيله لذاك عزّ عندنا مثيــــــله
بفكره الثاقب كم من مشـــكله أوضحها وكم أبان معـــضله
نداه ما بين الكرام شايـــــع وصيته بالمكرمات ذايـــــع
المجد عند الناس صـــعب المرتقى لكنه اليه بالجد ارتــــــقى
وان حب الخير فـــــيه ذاتي وهو له من أجمل الصــــفات
يروي حديث الفضـــل عن أبيه وعن إمام البر ما يـــــرويه
آباؤه الغر هداة الأمــــــمِ وهم مصابيـــح دياجي الظلم
هم حجج الله على الـبــــريّة وهم شموس في الورى مضـــيّه
ان حسدوه في مزاياه الــــغرر وهو - لعمري – شّر عادات البشر
فالفضل ما بين الورى محــسود وذو المعالي حظه الجــــحود
يا من سرى مقتفياً آثـــــاره قصّر فلست لاحقاً غــــباره
لا يدرك الضليع شأو الســـابق وليس كل من جرى بلاحـــق
إنّي سمعت ما دهاني سمـــــعُهُ من حادث عزّ عليّ وقــــعهُ
ان هناك من بني الفــــضل فئه سعت لنور ( شالخ ) ان تطــفئه
فلفّقوا ما استحسنوا تلفيــــقه والناس تابى ذاك والحقــــيقه
كأنهم لم يقرأوا علم النــــسب ولم يطالعوا سبائك الذهـــب
وهو – لعمري – خير تأليف ظـهر يفوق في تحقيقه كتـــب السيرْ
فأنكروا ما أثبت التـــــاريخُ بان سيد الورى ( أخـــنوخُ )
وان ( متشولخ ) من ذريــــته معجونة طينته بطــــــينته
وان ( شالوخ ) أخو ( ارفخـشد ) والكل منهم سيد ابن ســــيد
وانهم أولاد آدم أبـــــــي وكل من ينكر ما قلت غـــبي
هذا – لعمري- نسب صـــراح ينحط دون قدره الضــــراح
كفاك يا قاسم عندي مفـــخرة ان قريشاً فرع تلك الشـــجره
وهم -كما علمت – سادات العرب انت واياهم سواء في النســـب
فأفخر به ودم بعيش أرغــــد رغم أنوف الشامتين الحسـّد( )
وللشيخ مسلم الجابري ( ) مشاركاً بالدعوة الماشّية التي صنعت بمناسبة قدوم الشيخ محمد الشريعة من كراﭼــي الى النجف ، وقد نظم فيها على روي واحد وقافية واحدة فريق من شعراء النجف ، وقد مزج الجدّ فيها بالهزل وفيها من المصطلحات الشعبية كلمات كثيرة:
لأبي هاتف بعثت التحــــــيّه قرنت بالعواطف الأخـــــويّه
فتقبل أُخيّ دعوة شــــــعر نظمتها المشاعر الجابــــــريّه
ليس فيها من المكارم شـــــيء لا ولا من روائح الأريـــــحيّه
غير ان الطبيخ كان مــــن الارز الذي ينتمي إلى (الشـاميَّه) ( )
فوقه الزعفران ينفح عطـــــراً فاق تلك الروائح العـنـبريّه ( )
فوقه ( الماش ) فوقه اللحم فوق اللحم لوز وكشمش فــوق (لِـيّه) ( )
قد ملأنا به صحوناً صغـــــاراً وجعلنا في وسطها (ﭼـــرنيَّه )( )
وأضفنا له ( مناﭼيس ) لــــكن هذه ( صلية ) وتلك ( رثيّه ) ( )
وكذا شربة العصير ادخــــرناه لكم سابغاً بــــــديل الحميّه
ليكون الشراب منه ( مدﭼّــــا) دافعاً تلك شيمة البنــدقيه ( )
واصبروا اخوتي فثمة مـــــوز معه برتقالة نومـــــيّه( )
ثم لا تعجلوا وأنتم جلـــــوس فستأتي إليكم ( العنـجليه ) ( )
كل هذا أعددته غير انــــــي في خيالٍ يدني البعــــــيد اليّ
هي أقوالنا مواعيد لكــــــن ذهبت بين صحوة وعشـــــّيه
وسئمنا من الوعود اللـــــواتي لم تحقق لنا بها أمنـــــــيه
اترانا نحطم القيد يومـــــــاً أترانا نستنشق الــــــحريّه
أترى للعراق يومـاً وجــــوداً مستقلاً في دولة وطـــــنيّه
نحن نرجو بأن نجدد للشــــرق كياناً في نهضة عـلــــــميه
ونعيد التاريخ في ذمة الاســـــ لام نجري أحكامه الــشـــرعيّه
حيث لا سلطة الأجانب تمـــشي بقوانا الى لقاء المــــــــنيّه
حيث لا مجلس يدير فلسطــــين ليطوي الجرائم الأجــــــنبيه
حيث لا اللاجئون من آل قحطــان ترامى بها الفيافي القصــــــيّه
صدقات السكسون تُجبى إليهــا خرقاً ملؤها الشقا والدنيـــــّه
ولها الأرض والسما بفلسطيـــن وفيها المذاخر الحيويـــــــه
أترانا نعيدها أم ترانـــــــا نكتفي في وعودها الذهبـــــيّه
أترانا نبني الأمانيّ الحـــــــا ناً تثير النبوغ والعبقريّــــــه
أترانا تضمنا ليلة العمــــــر وترعى شعورنا الصحفـــــيه
يا أحباي هاكموها وهـــــذي هي مني بطاقة دعوتيّــــــه
لكم هذه البويتات جـــــاءت في معانٍ دقيقة عاطـــــفيّـه
قد أتتكم ما بين جد وهــــزل ربَّ هزل أغراضه جـــــديّه
فهي هزليه ولا هَزَليّـــــــه ضبطتها القواعد اللـــغويه ( )


وللشيخ قاسم محيي الدين هذه القصيدة التي ( جمع فيها بين الجد والهزل ) مساجلاً فيها الشيخ محمد رضا الزين بعد عودته من لبنان وقد بعثها إلى السيد محمد حسن بن يوسف :
قد عرفنا المهابة العلويّــــــه مذ سبرنا المواقف الأحديــــه
بطل الحرب في مواقف صفيـــن مبيد القروم بالمشرفيــــــه
عجز الفكر عن حقيقة ذاك الحــ ـدّ فيه وجوهر الماهيّـــــه
هو نبراس أحمد في جــــلالٍ ما أحيلى جلاله والهويّـــــه
همت في قدس ذاته حيث أكبـــر ت لديه أواصر الذاتيّـــــه
ورأيت الأنواع والجنس فيــــه صمد في الأنواع والجنسيّـه( )
وتحققته القياس لشكل الـــــ ـدين كبرى موضوع كل قضيّه
فملاك الناسوت منه وهيــــو لاه نور الحضائر القدسيّــــه
حيث نفسي تهفو ولاءً ولــــو لاه عدمت الوجود والحينيَّـــه
ولو اني قطعت من حرم الوصــل ففصلي مساوق للمنيّـــــه
وكأن الصفيح فوقي يزجــــي زجل الصور بكرة وعشيّــــه
وكأن الشهاب يشرع رمـــحاً من شعاع أو صعدة فضيّــــه

أو كأني بأرض لبنان مهــــزو
ماً غزتني قوارص ( الغازيّـــه )
وهي تكتظ في براغيث جاشــت بحدود الوشائج اللهذميّـــه( )
ضقت ذرعاً حتى انتهيت ( لـحارو ف ) مروعاً وواجم النفسيَّـــه
فتولت حاروف جسمي فأضنـــ ته بعقص يصول في مقضبيّـــه
فخراطيمه سهام وقد ســـددن نحوي فعدت منها رميّـــــه
لا رشاً لي كيلا أمر ( بجب شيت ) فادلي الذنوب في الزينيّـــه( )
كيف أرمي في البئر نفسي فأغـدوا - واطئ الرأس – صحتي سلبيّــه
لم أجد من يجيرني غير قــــومٍ أنجبتهم فطاحل ( النبطيّــــه )
هم هداة أئمة علمـــــــاءٌ قادة في المعارف الدينيّـــــه
كل ندب منهم بافق عــــلاه تتجلى أنواره القمريّــــــه
أنا إن عنّ لي تذكر مبســــو ط بسطت الثناء في العامليّـــه
أو تصورت – يا لطيف – تعجبـ ت لهجر القواعد النحويّــــه
أو تعطّرت في أبي الحسن الزاكــي زكت لي اللحوم في الأكل نيّــه
قد حباني الزيتون وهــــو أدام ظنه كالحلاوة السكريّـــــه
فتذوقته فكدت من الصــــاب أقيء الأحشاء في الصينيّــــه
سيد جاءنا بـ (بـدّ ) و( هيـك ) فسمعنا رطانة أعجميّـــــه
وكمان وطرطـش لأواعيـــك يعّدونها من العربيّـــــــه
ربي رحماك من تراكيـــب عُرب بالغوا في فجاجةٍ هنديّـــــه
ذالهم يقلبونها الزاي في النطـــق كأنهم فوارس الفارسيّـــــه
ربي رحماك من مصاليت قد شنّـوا على اللفظ غارة حربيّـــــه
فهجوا منه كل حرف هجـــاءٍ ونفوا لفظه عن السنخيّـــــه
قلبوا السنخ من حروف الهجــاء فالقاف همز وتاؤهم طائيّــــه
لست أنسى أبا سليمان إذ جـــا ء يقود الأعشى إلى الحنفيّــــه
ثم ناداه باحتدام – أوامــــا - لا تطرطش منك الأواعي النقيّــه
فحسبت السماء ترسل صوت الرعـ ـد فوقي بلهجة وحشيّــــه
جوهر كيف ظلّ يعرض عنـــي ربي اغفر ذنوبه العرضيّـــــه
مخلفاً وعده – بمأذنة – فيــــ ها ابتهاجي ومعظم الأمنيّــــه
ان قاض لم يقض عدلاً لأشكــوه الى – احمد الرضا – في القضيّه ( )
أنا أرجو أن لا يعدّ نظامــــي عنده كالقصيدة الهزليّـــــه
( يابن زين ) والبارع الناقد الفحـ ـل ضليع الشعور والشعريّـــه
شعرك الروض في ( جباع ) فمــا أجمل تلك الخميلة الذهبيّــــه
حي ذاك النضار والميع في الأزهــ ـار تعلوه نفحة ذفريّـــــه
وترى الماء في الزهور ككافـــو ر جرى من سحابة كوثريّـــه
فهو ينصب من سماء قبّــــيٍّ ثم يذكو في ساحة ( المرجيّــه )
كمذاب اللجين فــوق دراريً الأ فق فوق الأشعة العسجديّــــه
فتقبل يائيةً من محـــــــبٍّ منك لا يرتضي سوى يائيّـــه
وسلام على الذي يسجد المجـــ ـد لعلياه والنفوس الزكيّـــه
( يوسف الزين ) فخر لبنان طــراً وزعيم على حمى سوريّــــه
أنا لو عدت في ثناه لسانـــــاً لم أقابل من فضله جزئيّــــه
أنا من عظم ما أراني أكبــــر ت جلالاً يزينه في البريّـــــه
وتحققت انه المصلح الأكبــــر قطب السياسة الدوليّـــــه
نَفَسَ الدهر فيه قلت فشمــس الأ فق عزت عليّ في النظريّــــه
أغرقتني آلاؤه ويد الاسعـــاف مدت على حياتي الحميّـــــه
فحديث العلاء يسند عنـــــه حيث فيه طهارة العنصريّــــه
لا يليق الثناء الا لمجـــــــدٍ ضم تلك النقيبة الزينييّـــــه
وله المكرمات تنسي البرايــــا حاتماً والعدالة الكسرويّـــــه
طفح الدست في جلال معاليـــ ـه وفاضت أخلاقه المرضيّـــه
وله عزمة إذا حركتـــــــه خلت بحراً أراك في شخصيّـــه
إن ( سلمان ) ذا الذخيرة ذاك الـ حبر رب المعارف الدينيّــــه
فنظامي يرق فيه مديـــــحاً فهو نور أو نسمة سحريّــــه
فسلام على دمٍ عربــــــيٍّ حلّ في قدس ذاته الجوهريّـــه
وعلى ( أحمد الرضا ) جهبذ التــأ ريخ حبر التنقيب في اللغويّـــه
فضله سار في السمـــاء وفي الأر ض وحفّت علياه روحانيّــــه
هش سمعي إليه من قبل مـــرآه سلام على كريم السجيّـــــه
وسلام على ( محمد الزيــــن ) وقاضي المسائل الشرعيّـــــه
ذاك شمس العلوم والنابغ الــــ مصقع ضاعت بشعره العبقريّــه
يا عليَّ الزين الذي عدت فـــذاً في علوم الأصول والفقهيّــــه
ذكرتني ( بنت الجبيل ) وتعقيــد ك تلك الصياغة اللفظيّـــــه
عجباً انت شاعر العرب وابن الــ زين فاتتك نكتة أدبيّـــه ( )
ورد الشيخ ( محمد رضا الزين ) ( ) على الشيخ قاسم محيي الدين بقصيدة على الروي نفسه عنوانها – بين فاضلين – وقد حفلت بوصف لكثير من العادات والتقاليد وبعض الكلمات الشعبية" ( ) قال فيها:-
هاك مني قصيدة زينيّـــــــه ملئت حكمة وحسن رويّـــه
تنظم الدر في مديح امــــــام صاغه الله حكمة للبريّـــــه
نفس طـه وصهره وأخـــــوه خير من قام بعده بالوصيّــــه
علم العلم والبلاغات تعـــــزى لمثاني آياته القدسيّــــــه
فاخرت في صفاته العالم العلـــــ ـويّ هذي العوالم السفليّـــه
من يباري أبا الأئمة فضــــــلاً وهو فصل القضا بكل قضيّـــه
ان من خصّه المهيمن بالمدحـــــ ـة في آي ذكره العلويّـــــه
ورمى بالقصور والعجز من مــــد ح علاه القرائح ( النجفيّـــه )
لغنيّ عن أن تصوغ به المدحـــــة دراً خواطر ( النبطيّـــــه )
جئت يا قاسم بغر معــــــان افرغت بالقوالب العسجديّـــه
شربتها الأذهان أن تشـــرب الأ ذهان بنت السلافة العنبيّــــه
قد قرأنا أبياتها فرأينــــــــا ها كمثل المشاهد السحريّـــه
وتلطفت في نظامك لكــــــن لم تصنه عن خطة العنجهيَّـــه
قد عرفناك منصفاً فلمــــــاذا لم تراع ما تقتضيه السجيّـــه
ان تقايس بيتي ببيتك قست الــــ ليل في طلعة الصباح المضيّـــه
ان بيتي روض تحف بـــــه الأز هار ذات الروائح العطريّــــه
فيه ريّا الورود فاح ولكــــــن فاقد الشم لا يراها ذكيّــــه
لك بيت تعافه النفس لــــــولا انه فيك موطن الأريحيّـــــه
فيه عتم المجاز عتم العلالــــــي عتم سردابه كعتم العشيّــــه
ظلمات تتابعت في مضيــــــق فيه للعنكبوت أوهى بنيّــــه
بنت وردان والخنافس فيــــــه سارحات نغصن كل هنيّـــه
والجراذين والعقارب تجـــــري فيه جري السوابق الاعوجيّـــه
ولكم بينها طنين ذبـــــــاب كرنين اللهام في دويّــــــه
أنت جسم الكمال روح المعالـــي وسجاياك كالزهور الشذيّـــه
عجباً كيف يرتضيها سميـــــراً لك طبع قد رق كالصرخديّــه
زرت صحبي وزرتني في بــــلادٍ أنت فيها من اسرة جامعيّــه( )
بيت محيي العلوم والدين والفضـــ ـل وبيت العلاء والعبقريّـــه
ذاده قادة نمتهم رجـــــــالٌ من كرام العناصر العامليّــــه
ان بيتاً يزينه حوض مـــــــاءٍ فيه يجري سبايكاً فضيّـــــه
هو بيت يخاله مـــــــن رآه جنة الخلد لا كبيتك ( جيَّـــه)
سال سلسال مائة كعطايــــــا حاتمي النوال جم العطيّــــه
يوسف الزين يوسفيّ خـــــلال جامع العلم والندى والحميّـــه
رقَّ مثل النسيم طبعاً وعنـــــه أخذت لطفها ابنة الكرميّـــه
عم مثل الغمام نفعاً ولكـــــن بذّ صوب الغمام بالأريحيّــــه
كل فضل مفرق في ســــــواه كان جمعاً بذاته الخزرجيّــــه
عبت ( هيكي ) وان هتشي و(دبشي ) مثل طرطِشْ سماجة لغويّــــه
كل قطر تراه يخلق لفظــــــاً قد تعدى المناهج العربيّــــه
كيف تنسى ( منـﭼاسة ) فوق ( قابٍ ) فوق ( رازونة ) بصدر البنيّـــه
ان ألفاظكم كـ ( عتوي ) و( شنهو ) مثل ( اشلون كيفكم ) همجيّــه
( لغة تنفر المسامع منهــــــا ) وكذاك الطبايع البشريّـــــه
عفت زيتونها وأكل طعــــــامٍ هو أشهى الطعوم كبة نيّــــه
ان من يجعل الجراد طعامــــــاً كيف يقلي اللحوم وهي شهيّــه
( لست أدري ولا المنجم يـــدري) ( شنهي هذي ) المآكل البربريّـه
أنسيت الكروش وهي وعـــــاء ملؤه الفرث أكلة وحشيّــــه
عبت وزناً لبيت شعر حبتـــــه رونق السبك فطنة زينيّــــه
نال منك الهجا فحولت منـــــه صيغة النظم صيغة نثريّـــــه
ورد البيت هكذا فاستمعــــــه ان خير الرجال أصدق نيّـــه
ان قاذورة بدار لعمّـــــــي من شميم القاذورة القاسميّــــه
قد دعوناك مرة لغـــــــداء في مكان رحابه عاديّـــــه
يجمع الماء والصفا وهــــــواء طاب مثل الخلائق النجفيّــــه
ورجالاً تفوقوا بعلــــــــوم وعقول وفطنة ورويــــــه
حاربوا الجهل باليراع وشــــادوا يوم قاموا ( المقاصد الخيريّـة )( )
أيدوا الدين بالكتابة فاســـــأل صحف القوم بالبلاد القصيّـــه
هي تتلوا آيات ذكر حـميــــد لسليمان ذي العلا والحميّـــه
شيد الدين والذخيرة منــــــه شاهد ناطق بحسن الطويّــــه
هي تنبي بأن أحمد فيهـــــــا حاز سبق الرهان بالألمعيّــــة
عالم فاضل لبيب أريـــــــب فاق كل الورى بحسن الرويّــه
ان فصحى اللغات تنطق حقــــاً مالعرفان ( عارف) في البريّـه ( )
شمس ( عرفانه ) بكل بـــــلاد مثل شمس بكل افق مضيّـــه
ينصر الحق عارف فهو حـــــق فيه تلغى الحقائق الجوهريّــــه
لست تلقى مثالهم في البرايـــــا سادة قادة أباة الدنيّــــــه
غرة الدهر في جبين المعالـــــي قادة الرأي في الأمور العصيّـــه
سل بلاد العراق عنهم فكم قــــد بيضوا فيه صفحة وطنيّــــه
هي تنبي بما لهم من مزايــــــا عن مداها تنحط كل مزيـــه
صافحتهم انامل من مليـــــك هي أندى من الغمام عطيّـــه
لم نوفق يا صاحبي لوفــــــاءٍ فاتنا اليوم فالفصول بـــهيّـه
ان فصل الربيع فصل زهـــــورٍ البسته السما بروداً سنيّـــــه
جللته السماء ورداً ورنــــــداً وأقاحاً وزهرة سوسنيّـــــه
أكسبته يد الطبيعة نقشــــــاً مثل نقش السجادة الأعجميّــه
لا تخلني أخلفت وعدك بخـــــلا انا من بخل الغوادي السخيّـــه
إن بخلاً أعده في الدنايـــــــا جل قدري عن ارتكاب الدنيــه
أنا من أسرة العلاء وليــــــد أنا من علَّم الوفاء البريّـــــه
أعرف الحق للصديق وانـــــي من أباة الهوان نفسي أبيّــــه
إن قومي وحق عينيك قـــــوم اشرف الخلق ماعدا الفاطميّـــه
ان تكن مفلساً فزرني تجدنـــــي مثل سيل الغمام كفي نديّـــه
أصدق الوعد والوفاء زعيمــــي بغداء على المياه النقيــــــه
وأمد السماط فوق ســــــواقٍ لمياه المآذن اليوسفيّــــــه
وأصب الطعام وسط جفـــــان هي في الشكل هالة قمريــــه
كل لون من الطعوم بصحـــــن وعداد الصحون ألف وميــــه
قد تهيا غداؤكم فتهيـــــــا نحو داري بسرعة البرقيـــــه
اجهد النفس ان تكون بـــــزيٍ مثل زي المشايخ الصوفيــــه
فتوكأ على الهراوة واختــــــر أن تكون الهراوة القحزنيــــه
وتمايل على العصا لا تفخـــــج وتعارج شويّهً فشويــــــه
وتفضل الى السماط بشكـــــل مثل وصفي وهذه الكيفيّــــه
ارفع الكمّ للسواعد وانـــــزعْ قبة الرأس والبس الطاقيّــــه
دلّع الصدر للهواء وكنفـــــش وتنحنح وارم العبا في الزويّـــه
واترك الأكل بالملاعق وانســــف بلطاف اليدين عشراً سويّــــه
واضرب الكف بالمشاقيب وانشــد شنهو هذي وشنهي هذي القضيّه( )
ان رزاً مطبقاً بزرشـــــــك ودجاج لأكلة عجميّـــــه
واملأ القاب بالجراد وكلــــــه وكل الكرش واترك الكبّة نيّــه
واشرب الماء بالمناﭼيس واحــــذر لا تطرطش زيناتك القطنيّــــه
ان تزرني أطعمك كل لذيـــــذ من قوازٍ وكبّةٍ محشــــــيّه
ويخان وبصمة بلبــــــــاء ولذيذ سفيحة مقليّــــــه
انحر البدن اذبح الكبش آتـــــي من خوابي زيتوننا بشويّــــه
مرمر الحلق فالمرارة منـــــــه بعد زاد حلاوة ذاتيّــــــه
ان ترد قيمراً فعندي هـــــوش مثل هوش المعدان كرّاديّــــه
أنت ( ملا ) وأنت شيخ كبيــــر من شيوخ المشخاب والهنديّــه
انا سبط النوال مهما أقــــــدم من طعام أعده ثمنيــــــه
كل هنيئاً بسرعة ثم غسّــــــل بعد أكل الطعام كالعربيّــــه
اضرب الكف بالتراب وفرفــــك ثم مسح يديك بالخاشيّـــه( )
ثم مسّد ببلة الماء وجهـــــــاً وبباقيه ان ترد فاللحيّـــــه
وتصدر في مجلس الشاي وافـــرح فقليل المزاح أحلى سجيّــــه
لاتغمج بمزحة مع صديــــــق رب مزح يجر كل بليّـــــه
واشرب الشاي بالكلاص ودعنـــي بالفناجين أحتسي العدنيّــــه
هي روح وراحة لفــــــؤادي لست أختار عندها العندميّـــه
قد تحديت ماجداً لم يرعْــــــه وقع بيض السيوف والسمهريّــه
قلتَ شعراً وقلتُ شعراً فميـــــز أي شعر أحق بالاولويّـــه ( )


( 3 )

توقيع [محمد علي محيي الدين ]



  رد مع اقتباس
قديم 03-11-2008, 02:43 AM   رقم المشاركة : [19]
محمد علي محيي الدين
عضو إتحاد كتاب الإنترنت العرب كاتب .العراق
 

 
بيانات العضو




 


محمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the rough

وسام التميز وسام المشاركة القيمة وسام منبر وملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 3 (الـمـزيـد» ...)

( 3 )
وأثار نشر كتاب ( شعراء الحلة ) لمؤلفه علي الخاقاني معركة أدبية من نوع آخر ، انصبت على الكتاب من وجهتين :
الأولى: ما أثاره ( باحث كبير ) في كتابه الذي نشر بعنوان نقد كتاب شعراء الحلة ( ) فقد قال في مقدمته :" كنت وجماعة من الأصدقاء الأدباء عند صديق أديب ببغداد في زيارة خاصة قبل شهرين، فعرض علينا كتاباً اسمه ( شعراء الحلة ) لمؤلفه علي الخاقاني ، وهو يقع في خمسة أجزاء ( ضخام ) – على حد تعبير المؤلف – وقد أخرجته إحدى مطابع النجف سنة 1372 ، وحين أخذنا الكتاب المذكور لنطلع على ما فيه وجدناه عند أول نظرة مليئاً ( ! )[ مملوءاً ]بالأخطاء النحوية والعروضية ، مشحوناً بالهفوات التأريخية ، طافحاً بالتطاول والتحامل على عدد كبير من رجالات الأدب والفضيلة ، بحيث لا يستطيع باحث أو مؤرخ ان يعتمد عليه ويتخذه مصدراً وثيقاً يستند إليه لما فيه من التضارب والتناقض والتحريف والتشويه" ( ) .
ويرى ( الباحث الكبير ) ان الكتاب صار ضخماً بما خرج فيه مؤلفه عن الموضوع " اذ ملئت حواشيه بتعليقات كثيرة ترجم فيها لجماعة من رجال سوريا ولبنان ومصر واليمن وإيران ، إلى غير ذلك من الحوادث والوقائع التي لا تزيد القارئ الا ضجراً وسأماً ، ولو انك جردت تلك الحواشي وحذفتها من الكتاب لما زاد الكتاب على ثلاثة أجزاء فقط ، ثم لو حذفنا منه ما تكرر من القصائد والمقاطيع مما انتحله المؤلف واستله من المصادر المخطوطة أو المطبوعة ونسبه لغير ذويه ، أو أعاد نشره ( عن نسيان أو سهو ) مضافاً الى ذلك تراجم جماعة عدّهم من شعراء الحلة وهم لا يمتون إليها بصلة قط ، أجل لو حذفنا ذلك كله لأصبحت تلك الأجزاء الخمسة ، جزءاً واحداً ، يستغني فيه القارئ عن الأجزاء الخمسة ( الضخام ) " ( ).
وطلب جماعة من ( الأساتذة والأصدقاء ) من ( الباحث الكبير ) ان يدون تلك الملاحظات ككتاب مستقل بذاته " وتبرعوا بنشره ليكون سادساً لتلك الأجزاء الخمسة ، مكملاً لنقصها ، مصححاً لأخطائها ، منبهاً الى هفواتها ، ولم يكن لنا ولهم من غرض في ذلك إلا خدمة البحث والتأريخ والأدب وصيانة الحقائق عن العبث والتشويه وتنوير أفكار المغفلين ( ! ) من القراء ممن تقع أيديهم على هذا الكتاب الذي جنى على شعراء الحلة وشوّه أدبهم وحرّفه الى درجة تدع القارئ يأخذ عنه صورة سيئة هي أبعد ما تكون عن الأدب الحلي " ( ) .
ووجد ( الباحث الكبير ) انه بما " أن الخاقاني لم يقتصر في كتابه المذكور على الروايات المتناقضة ، بل ملأه بالشعر المحرف والأخطاء النحوية والعروضية " ( ) لذلك ان أول مصادره وأهمها في نقد الكتاب هي " الذوق الأدبي الذي فقده المؤلف [ ويعني به الخاقاني ] ويأتي بالدرجة الثانية علم النحو والعروض ثم المجاميع المخطوطة التي تفضل باطلاعنا عليها ثلة من الأساتذة الأفاضل مضافاً إلى ذلك ما رجعنا إليه من الكتب الأدبية والتأريخية مما سنشير إلى كل منها في محلّه من هذا الكتاب " ( )
وقد تتبع مؤلف النقد أجزاء الكتاب والشعراء الذين ترجم لهم صاحب شعراء الحلة على وفق تسلسلهم ، مبدياً ملاحظاته عليهم ، وجلّ هذه الملاحظات يمكن حصره بالنقاط الآتية :
1- تكرر نسبة بعض القصائد إلى أكثر من شاعر ، أو نسبتها إلى غير أصحابها" ( ) .
2- الأخطاء النحوية والعروضية وغيرها( ) .
3- التناقض في التواريخ ( )
4- عدم ذكر المصادر التي ينقل عنها( ) .
5- إدخال شعراء من غير الحلة في تراجمه ( )
6- نقل تراجم بنصوصها من كتاب البابليات لليعقوبي ،ويؤيد ( الباحث الكبير ) ان يكون الخاقاني قد أفاد من تراجم اليعقوبي( ) .
وبعد هذا العرض لما ورد في ( نقد كتاب شعراء الحلة ) لا بد من الإشارة الى الملاحظ الاتية التي ترد حوله:
1- ان ما دعا الى الإشارة الى هذا الكتاب ، نسبته إلى الشيخ اليعقوبي ، فهو جزء من المعركة التي وقعت بين اليعقوبي والخاقاني ، وسترد في الصفحات الآتية .
2- لماذا لم يذكر مؤلف الكتاب اسمه الصريح ؟ وإذا كان هدفه علمياً بحتاً فلم ينـزل عن هذا الجهد الكبير الذي بذله في تتبع ما ورد في الكتاب؟.
3- ما يدفع هؤلاء ( الأساتذة والأدباء ) إلى التبرع بطبع الكتاب؟
4- أُدرجت ضمن المؤاخذات كثير من الأخطاء الطباعية ، وهو ما لا يسلم منه أي كتاب اذا كان بخمسة مجلدات ، وبهذا العدد الكبير من التراجم.
5- لا شك في ان كثيراً من المآخذ على الكتاب صحيحة تماماً ، بل ان أسلوب الخاقاني في تقديم كثير من الشعراء لا ينطلق من رؤية نقدية واضحة ، انما هو فذلكة لفظية تتكرر كثيراً ، وكيل للمدح لا موجب له .
6- يفصح مؤلف كتاب النقد ، عن قدرة على التتبع الدقيق ، والنظرة الصائبة ، بيد ان النقد لا يخلو من نوع من التحامل الذي لا يمكن تفسيره ولا أستبعد ان ذلك ناشئ من آثار الحملة التي أثارها الشيخ اليعقوبي حول صدور كتاب ( شعراء الحلة ) . وهو ما سنقرؤه في الوجه الآخر لهذه المعركة الأدبية.
أما الوجهة الثانية من النقد التي انصبت على كتاب ( شعراء الحلة ) للخاقاني ، فقد جاءت من الشيخ محمد علي اليعقوبي صاحب البابليات ، وقد أوردها في آخر كتابه المذكور فقال بعنوان : للتأريخ كلمة لا بد منها … " لقد وقعت لكتابنا هذا قصة تناولتها أقلام الكتاب والأساتذة بالتعليقات الطريفة والكلمات التي افتضح بها أمر سرقة أدبية قام بها متطفل على البحث والأدب ، إذ انتحل فصولاً كبيرة وتراجم عديدة ( ! ) – بعد ان وصلت إليها يده عن طريق سيقف عليه القارئ – وأثبتها في كتاب أسماه ( شعراء الحلة ) فكان بعضها صورة طبق الأصل وبعضها الآخر محرّفاً ومشوهاً بصورة لا تخفى على الفطن اللبيب .
وقد أحببنا أن نثبت هنا قصة ذلك الانتحال كما افتضح أمرها على صفحات الصحف وغرضنا من ذلك نشر تلك الحقائق وحفظها مع التأريخ . معتزين بعواطف أولئك الأفاضل الذين يثأرون لكرامة البحث والأدب فيعطون الحق لأهله ، على اننا لا نريد ان نثبت هنا كل ما نشرته الصحف حول ذلك الموضوع بل نكتفي بكلمات سعادة الأستاذ الكبير توفيق الفكيكي و ( دعبل ) و ( ابن الفيحاء ) فان فيها تأديةً للغرض " ( ).
1- " كلمة الأستاذ توفيق الفكيكي
المنشورة في جريدة الاستقلال البغدادية في العدد ( 4287 ) في سنتها الثانية والثلاثين بعنوان :
( قصة تبحث عن مقدمة )
هذا عنوان صحيح غير مغلوط كما عبر الأديب اللامع الأستاذ سعيد تقي الدين عن عنوان قصته المنشورة في جريدة ( الاحد ) البيروتية الغراء بعنوان ( قصة تبحث عن خاتمة ) ومن غريب الصدف ان تكون العلاقة بين القصتين وثيقة الأسباب تجمعها جامعة أدبية واحدة وتدوران حول واقعة متشابهة يربطهما من حيث النتيجة رباط الاعتداء على ثمرات الفكر لشاعرين مشهورين هما : عمر أبو ريشه واليعقوبي .
وخلاصة قصة الأديب البيروتي التي فكر بألف خاتمة لها فلم يجدها هي : ان الشاعر عمر أبو ريشه قد نظم من أبيات الشعر وعرائسه قصيدة عالية رائعة بمناسبة عيد الاستقلال ، وكان اليوم شديد البرد ولم يملك الشاعر المشهور سوى بدلة بالية وعندما اقتربت ساعة الحفلة وأراد الذهاب ليلقي قصيدته وجد بنطلونه يحتاج إلى الإصلاح فأرسل بدلته إلى ( المكوي ) فعثر هذا على القصيدة اليتيمة وكان ممن يدعي قول الشعر فاستهوته القصيدة ، ولما ضاق وقت الشاعر عمر أبو ريشة طلب بدلته من المكوي فامتنع من تسليمها له الا بعد قبضه أجرة التنظيف وبالرغم من إلحاح الشاعر بإرجاء الأجرة إلى الغد لم يفلح وأخيراً اقنع المكوي نفسه بانه محق ان ينتحل قصيدة الشاعر البائس وفعلاً أقفل دكانه وذهب إلى الحفلة فألقى القصيدة على الناس وعمر أبو ريشة يستمع إلى شعره المغصوب من قبل المكوي وفي صباح اليوم الثاني نشرت الجرائد صورة المكوي وقصيدته المنتحلة ونبأ إعطائه جائزة حكومية ووساماً .
وهذا ما جعل صاحب القصة حائراً مستنجداً بالقراء لإيجاد خاتمة لقصته.
وأما قصتي التي لم أجد لها مقدمة فلا تقل غرابتها عن قصة الأديب البيروتي وعما وقع للشاعر أبي ريشة وخلاصتها:
في عام 1938م كنت حاكماً في كربلاء وقد عهد إليّ زيارة محكمة النجف لانجاز الدعاوى فيها وبعد الفراغ منها كنت أتردد الى مكتبات النجف الأشرف وسمعت كثيراً عن نوادر الخزانة اليعقوبية لصاحبها الأستاذ الكبير والشاعر المطبوع الشيخ محمد علي اليعقوبي وبما في صندوقه من النفائس الأدبية وأكثرها خطيّة قديمه وحديثة ودفعني حب الإطلاع ان انزل عليه ضيفاً وبعد التماس كثير أطلعني على ذخائر صندوقه فرأيت من الواجب في حينه التنويه عن تلك الآثار النادرة فكتبت في مجلة الهاتف الغراء عدة مقالات حول ( صندوق اليعقوبي ) وقد علق عليها بعض الأفاضل من الكتاب والشعراء وكان من جملة تلك الآثار الثمينة كتاب اليعقوبي القيّم ( البابليات ) الذي ألّفه في تراجم شعراء الحلة من القدامى والمعاصرين ويحتوي على ترجمة ( 130 ) شاعراً ، وكان مؤلفه مشغولاً في ترتيبه وتبييضه وقد رجوته بأن يسمح لي بمطالعة هذا القسم من كتابه فتكرم عليّ بذلك ثم أحببت استنساخ نسخة منه أضمها إلى مكتبتي فوافق المؤلف وهي لا زالت ( ! ) عندي وتضم ترجمة ( 43 ) شاعراً من شعراء الحلة .
وفي أيلول المنصرم زارني الأديب علي الخاقاني صاحب مجلة البيان ليلاً في داري وطلب إلي مساعدته بالسماح له بمراجعة ( البابليات ) ليقارن بين شعرائها وبين الشعراء المعاصرين لهم وبعد إصراره الطويل دفعتها إليه على ان تبقى لديه تلك الليلة فقط وقد أخذتُ عليه عهداً وميثاقاً غليظاً على ان لا يقتبس أو ينقل من تراجم شعرائها ولا من مختارات أشعارهم شيئا.
وقبل أيام وردني كتاب كريم من الأستاذ اليعقوبي يلفت به نظري إلى ما نشره الخاقاني في مجلته البيان في تراجم البابليات ونسبه إلى نفسه ومن ذلك ترجمة الشاعر الشيخ ( علي بن الحسين العوضي ) وعند مراجعتي ترجمته الشاعر المذكور المنشورة في البيان ومقارنتها مع ما في مجموعتي من البابليات وجدتها مطابقة تمام المطابقة في التعبير والأسلوب مع تحوير طفيف ببعض الألفاظ ، مما تأكدت منه بأن الخاقاني قد عمد بنقض ( ) ( ! ) ميثاقه الغليظ وخان عهده الوثيق وهو فوق هذا قد أخذ يعلن في مجلته وفي الصحف المحلية عن اعتزامه بطبع ( ! ) كتابه البابليات مع علمه وعلم أكثر أدباء العراق في ان هذا الكتاب من أشهر مؤلفات الأستاذ اليعقوبي وقد ألّفه قبل عدة أعوام ونشر بعض فصوله في مختلف المجلات وربما كانت مجلة البيان من جملتها .
ولا أدري بعد هذا هل يريد الخاقاني ان يمثل الدور الذي لعبه المكوّي مع – أبي ريشة – المسكين ؟ وهل فكر قليلاً قبل ان تدفعه جرأته بما سيحرجنا به غداً وكلّنا في قيد الحياة ؟
وأخيراً أترك هذا لتقدير القراء لعلهم يجدون لهذه القصة مقدمة .
بغداد توفيق الفكيكي " ( )
2- " كلمة الأستاذ ( دعبل ) ( ) المنشورة في جريدة النبأ بعددها ( 742 ) من سنتها الثالثة بعنوان بابليات اليعقوبي
شيخنا اليعقوبي – حفظه الله – من العلماء الأعلام واحد رموز ثروتنا الأدبية العظيمة ، وقد امتاز من بين فضائله الكثيرة ، بفضيلة التتبع الأدبي والاحتفاظ بمعالم الحياة الأدبية للعراق خلال عهود طويلة جديدة .
ومن بين أبحاثه التي امتاز بها بحث مفصل عن شعراء ( الحلة ) حفظ فيه آثار نفر كبير من شعراء العراق في الفترة التي سبقت عصر النهضة الحديثة سماه ( البابليات ) ولم يؤثر نشره في الوقت الحاضر ؛ وقد حدثني فضيلته عن ذخيرته هذه بفتون واعجاب هما فتون واعجاب كل باحث مجتهد ، فخور بثمرات بحثه وجهده .
كما ( ! ) أن فضيلته حين نشر ( الجعفريات ) في الصيف المنصرم ، وهو الكتاب الذي اشتمل على عشرٍ من مراثي المرحوم السيد ميرزا جعفر القزويني المتوفى سنة 1398 هجـ في رثاء جده الإمام الشهيد أبي الشهداء ، أشار فضيلته في صدر ذلك الكتاب إلى أن ترجمة الشاعر مقتبسة من كتاب ( البابليات ) الآنف الذكر ، كل هذا مضافاً إلى جملة اعلانات عن الكتاب المذكور رافقت كتب شيخنا اليعقوبي كـ ( الذخائر ) و ( الجعفريات ) وغيرها ، تلك قصة ( البابليات ) بإيجاز ، وكل الذين وقفوا عليها يعرفون من هو مؤلف ( البابليات ) الاّ الأديب علي الخاقاني صاحب مجلة البيان النجفية الذي لم يعرف مؤلف ( البابليات ) فنشرها باسمه مقتبسة عن مذكرات أحد المحامين المشتغلين في الأدب .
أنا لا أعرف – بالضبط – الظروف أو المبررات ( ! ) التي أغرت الخاقاني باستباحة أثر فكري من آثار رجل لا يزال في قيد الحياة والكل يسألون الله ان يمد في عمره . كما ( ! ) إنني لا أعرف ما إذا كان الخاقاني يحسب الناس أو القلة المتتبعة من الناس على الأقل من الجهل والغفلة بحيث يفوتها مثل هذا الحدث الأخلاقي المؤسف ، وما يدريني فقد يكون قصد إلى غير هذا وذاك ، ولكن شيئاً واحداً أود أن أشير إليه في مثل هذا المقام ، هو إلامَ نبقى نستحل جهود الغير في ميدان كهذا الميدان الشريف؟ وما الفرق بين قصيدة أو مقالة أو بحث يكتبه كاتب فيكون حصيلته من جهده وبين تمثال ينحته نحات أو حلية يصنعها صناع ماهر؟ وماذا نسمي الذي يسرق تمثال النحات وحلية الصانع وأثر الكاتب أو الشاعر؟ أليسوا جميعاً شركاء في نوع واحد من العمل؟ فلماذا نسمي سارق التمثال أو الحلية لصاً ولا نسمي منتحل الأثر الأدبي كذلك ؟ولماذا تسن الدولة القوانين لعقوبة الأوّلَين وتترك الآخرين مادام كل منهم في عرف المنطق والأخلاق قائماً بعمل واحد؟

اننا كنا ننقم من أدبائنا النجفيين ( تصرفهم ) في جداول أبي ماضي واستباحتهم ثمرات شاعرية الرجل . فكان يقال لا بأس في ذلك ما دام بينه وبينهم بحرٌ لا يركب ، وسماء لا تطوى فماذا عسانا ان نقول في مقام كهذا المقام ؟ وهل ان اليعقوبي كأبي ماضي بينه وبين مستبيحي جهده بحرٌ لا يركب وسماءٌ لا تطوى ؟.
مهما يكن من شيء ، فأننا حين كتبنا هذا لم نقصد إلا إلى الحقيقة الأدبية التي يجب ان تسجل ، وحق شيخنا اليعقوبي الذي يجب ان يعرفه الناس له ، ولكن هذه الحادثة كانت أكثر من هذا ، اذ أثارت بين أيدينا معضلة أخلاقية من أشد معضلاتنا الأخلاقية خطراً وخطورة هي لصوصية الأدب " ( ) .
( دعبل )
3- ونشر ( الأستاذ ابن الفيحاء ) كلمة بعنوان ( قصة البابليات ) أو صندوق اليعقوبي قال فيها ( ) : " هذه قصة أدبية ظريفة أرى الواجب الأدبي يحتم عليّ نشرها للأدباء كي يطلعوا على ما فيها من حقائق وطرائف عن الكتاب الأدبي القيم ( البابليات ) لمؤلفه الباحث الجليل فضيلة الشيخ محمد علي اليعقوبي حيث أثيرت أخيراً حول هذا الكتاب ضجةً تتلخص في ان أحد الكتاب قد أغار على الكتاب المذكور وانتحله أو انتحل القسم الأكبر منه – على الاصح – وادعاه لنفسه مما دعا جملة من الكتاب ان يكتبوا حول الموضوع ويعلّقوا على البابليات بعض التعليق وقد أحببت ان أسجل في هذه الكلمة كل ما يتعلق في خاطري حول الموضوع.
كنت قرأت قبل بضع سنين في جريدة ( الهاتف ) الأدبية التي كانت تصدر في النجف بالعدد ( 139 ) من سنتها الرابعة الصادر في رجب سنة ( 1357 ) مقالاً بقلم الأستاذ الكبير ابي أديب توفيق الفكيكي المحامي بعنوان ( صندوق اليعقوبي ) افتتحه بوصف اليعقوبي وصفاً رائقاً أعطى فيه صورة للقراء تغنيهم عن ريشة الرسام ثم تحدث عن ( صندوقه ) القيم – الذي لا أظن ان هناك أديباً من أدبائنا لم يسمع عن نفائسه وآثاره الثمينة شيئاً – فأشار الى ان ذلك الصندوق ليس من نوع صناديق الأثرياء وذوي اليسار الزاخرة بالمال بل ان محتويات هذا الصندوق أثمن من تلك بكثير لأنها مجموعة من الكتب المخطوطة النفيسة والدواوين الشعرية الرائعة غير المطبوعة ، فشبه الأستاذ الفكيكي هذا الصندوق بالمقبرة لتلك الطائفة من رجال الفضل والأدب الذين منع اليعقوبي تراجمهم وآثارهم ان تنشق الهواء الطلق وتنعم بالحرية.
وفي العدد الذي يلي ذلك العدد من الهاتف نشر الفكيكي تتمة لحديثه عن صندوق اليعقوبي بنفس ( ! ) العنوان المتقدم تحدث فيه عن الاستبداد ثم تخلص إلى مداعبة اليعقوبي حول استبداده وظلمه لجماعة من نوابغ الشعراء والأدباء وخنق أنفاسهم في صندوقه ، ثم يحتكم في ذلك عند فضيلة الشيخ جعفر النقدي ليحكم على اليعقوبي حكماً أدبياً إزاء فعلته تلك.
ويعود الأستاذ الفكيكي فيختتم حديثه عن صندوق اليعقوبي في عدد ثالث من الهاتف يتناول فيه الحديث عن [ بابليات ] اليعقوبي ويجعل الكلام عنها خاتمة لما كتبه عن ( الصندوق )فيستعرض شيئاً وافياً من هذا الكتاب الخالد والسفر التاريخي الجليل الذي جمع فيه ما يزيد على ترجمة مئة شاعر من الفحول أمثال السنبسي ، وراجح ، وابن حبا ، وابن بطريق، والبرسي ، وابن وشاح ، وشميم النحوي ، وصفي الدين الحلي ، والخليعي ، وابن حماد والشيخ حمادي نوح ، والكواز ، وشعراء آل القزويني ، وآل السيد سليمان ، وآل النحوي وغيرهم .
وقد سرد الأستاذ الفكيكي في مقاله هذا ما يتجاوز الستين اسماً لجملة من كبار الشعراء المترجمين في البابليات كان من بينهم الشعراء الذين اشرنا إلى أسمائهم . ثم يسجل بعد ذلك روائعهم الشعرية التي احتكرها اليعقوبي في صندوقه.
وحين ما ( ! ) انتهى ما كتبه الأستاذ الفكيكي أعقبه الأستاذ جعفر الخليلي – صاحب الهاتف - بافتتاحية في جريدته بنفس ( ! ) العنوان المتقدم علق فيها على ما قدمه أبو أديب تعليقاً ظريفاً ، وطالب اليعقوبي فيها بالحاح ان يخرج الكنوز من مكمنها للملأ ، وان لم يمكنه نشرها مرة واحدة فلينشرها على صفحات الجرائد كفصول أدبية مجزأة أو متتابعة . ثم أعقبه الأستاذ محمد الخليل في الهاتف أيضاً حول صندوق اليعقوبي بمقال تكلم فيها عن ( ! ) السر الذي أذاعه الأديب أبو أديب بكسر صندوق اليعقوبي والإعلان عما احتوى عليه من الآثار الأدبية النفيسة . ونراه يستغرب في مقاله من كتمان اليعقوبي لهذا السر ، وصبره على عدم إظهار ما في صندوقه من التراث الغالي ، وسرعان ما يزول استغرابه فيجيب نفسه ويعلل كتمان ذلك السر بانه نتيجة لكساد سوق الأدب ، وعدم تلبية الموسرين والمسؤولين لندائه فيما لو باح بأسراره الأدبية ولأنه أرفع من أن ينشر آثاره بطريق الرجاء والاستجداء ، وبعد ذلك كله يستحث الموسرين ومحبي الأدب لنشر هذا الكنـز اذ لم يبق لهم عذر بعد انكشاف ذلك السر.
وجاء دور سعادة الأستاذ المرحوم الشيخ محمد حسن حيدر فنظم قصيدة رائعة في نفس ( ! ) الموضوع ، صدرها بكتاب إلى الأستاذ الخليلي – وقد نشرتهما معاً جريدة الهاتف – وقد أشار في كتابه إلى تلك التعليقات الادبية حول الصندوق ، وأشاد في قصيدته بذكر ( أبي أديب ) لأنه قد كشف ما خفي من أمر الصندوق ويحتكم في آخرها إلى فضيلة المرحوم الشيخ جعفر النقدي ليفرض على ( اليعقوبي ) ما يستحقه من العقوبة الأدبية .
وأخيراً انتهى الأمر إلى فضيلة المرحوم النقدي حيث ( ! ) كتب في ( الهاتف ) مقالاً مسهباً حول ( صندوق اليعقوبي ) تعرض فيه الى ما نشره أبو أديب وأصحابه حول طلب الفتوى منه والحكم بين الأدباء وبين اليعقوبي لأنه أخفى عليهم تلك الجواهر القيمة في صندوقه . فذكر ان ذلك وحده لا يكفي في إصدار الحكم بل الأمر يحتاج إلى إحضار الخصم للاستماع إلى دفاعه ان كان لديه دفاع فيقول في ذلك : وأنى لي بإحضار أستاذ كبير كاليعقوبي حفّت به طائفة من رجال العلم والأدب ، ويذكر انه اجتمع بعد حين باليعقوبي ففاوضه بأمر الصندوق ، وطلب منه أن يدافع عن نفسه والا فانه سيصدر عليه الحكم وينفذ في حقه من قبل ( القاضي ) الذي ارتضاه الأدباء حكماً في هذه المهمة فيجيبه اليعقوبي بأنه سينشر ما يختاره من خزانته على صفحات الصحف ، فيؤكد عليه النقدي بأن يبرَّ بهذا الوعد بعد فضح أبو أديب أمره ،وكشف سره ، فيجيبه اليعقوبي مرتجلاً :
قالوا أذاع الذي ما زلت تـخبؤه ( توفيق ) قلت لهـم من حسن توفيقي
قد جاء يبحث عن صندوق مكتبتي وان في الصدر عندي ألف ( صندوق )
ويفارقه النقدي ويقول : بقيت انتظر وفاءه بعهده فلم أجد لذلك أثراً وهممت ان أصدر الفتوى التي تقتضيها شرعة الأدب في حقه لولا نشر صحيفة الهاتف لتراجم أدبية من ذلك الصندوق ، وكأن هذه الصيحة التي بعثها جماعة من الأدباء دفعت اليعقوبي إلى إزاحة الستار عما يحويه صندوقه الثمين . بهذا تنتهي تلك التعليقات حول صندوق اليعقوبي في ذلك الحين ، ومنذ تلك السنة – 1357 – عرفت كتاب البابليات وموضوعه ومؤلفه وبقيت أتعرف منذ ذلك الحين الى أدباء منسيين قام الأستاذ اليعقوبي ببعثهم إلى العالم من جديد . وفي سنة ( 1360 ) قرأت في الجزء الرابع من ( الذريعة ) – ص 57 - عن البابليات ما زادني إيضاحاً حول الكتاب اذ جاء فيه ما نصه : ( البابليات في ذكر شعراء الحلة الفيحاء قديماً وحديثاً للخطيب المعاصر الشيخ محمد علي بن الشيخ يعقوب بن الحاج جعفر بن الحسين النجفي الشهير بالشيخ محمد علي اليعقوبي المولود سنة 1313 ، وقد خرج منه حتى اليوم سبعون ترجمة مفصلة ) 1هـ . وهكذا بقيت أقرأ بين آونة ( ! ) وأخرى مقتطفات من تراجم ذلك الكتاب على صفحات أغلب المجلات لا سيما النجفية منها كالهاتف والاعتدال والغري والبيان وغيرها ، ومما يدلنا على قيمة هذا الكتاب انه بالرغم من كونه لا يزال مخطوطاً فقد رجع إليه جماعة من المؤلفين اذ رايت في الجزء السابع من ( الغدير ) لسماحة الشيخ الأميني ، انه ذكر ( بابليات ) اليعقوبي أكثر من مرة ، وجعلها من بين مصادره في تراجم ابن عرندس وابن داغر ورجب البرسي وغيرهم ، وهناك جماعة آخرون أشاروا إلى رجوعهم للبابليات في نفس ( ! ) كتبهم ( كمعجم أدباء الأطباء ) و ( العباس ) و ( محمد بن الحنفية ) وغيرها.
هذا ما عرفته شخصياً عن كتاب البابليات وعن مؤلفه الأستاذ اليعقوبي ولكن الذي استدعاني لاستحضار ما في ذهني عن هذه المعلومات هو ما رايته أخيراً في مجلة ( البيان ) النجفية لصاحبها علي الخاقاني : بانه سيمثل للطبع كتاب ( البابليات ) في تراجم شعراء الحلة بقلم الخاقاني نفسه ، فرحت استعرض هذه الخواطر والذكريات واذا بالأستاذ أبي أديب توفيق الفكيكي الذي كشف لنا عن سر صندوق اليعقوبي يطالعنا في جريدة الاستقلال الصادرة بتاريخ 1 / 1 / 1951 والمحتجبة اليوم بالخلاصة التالية " ولخص ما ورد في مقال الأستاذ الفكيكي الذي تقدم ثم قال : " وقد رد الخاقاني في ( الاستقلال ) على ما كتبه الأستاذ الفكيكي ولم يستطع ، في ضمن الرد ، إلا ان يعترف بأخذه ( بابليات ) اليعقوبي من الأستاذ أبي أديب ، وهنا ينبري الأستاذ ( دعبل ) فيكتب في جريدة النبأ بعددها الصادر في 8 / 1 / 1951 حول هذا الموضوع ويذكر شهرة بابليات اليعقوبي ويشيد بذكرها ويستغرب من هذا الانتحال الفاضح ، ثم يعجب من كون القوانين لا تضع عقاباً لمثل هؤلاء اللصوص في حين ان خطورتهم لا تقل عن خطورة سرّاق الدمى والحلل.
ويعلق على ( دعبل ) في اليوم الثاني الأستاذ السيد موسى بهيه بكلمة طريفة يجيبه فيها عن عجبه ويقول له : ان لم تضع القوانين عقاباً لمثل هؤلاء السرّاق فيجب علينا معاشر الأدباء ان ننتقم منهم وننزل بهم العقاب الصارم وما هو إلا ان نخرجهم من قوائم الإنسانية والكرامة .
هذه قصة البابليات التي أردت عرضها على القراء الكرام ليقفوا على ما فيها من حقائق وطرائف ، ففي عرضها بعض المتعة وفيه الحق الذي يطالبنا الأدب بتسجيله لأستاذنا اليعقوبي "

ابن الفيحاء( )
5- وقال الخليلي في هذه المعركة :
" ... ووجدت انا في كتاب الخاقاني وكتاب النقد والتفنيد والأخطاء الفظيعة ( ! ) التي أخذها عليه اليعقوبي بتوقيع مستعار موضوعاً طريفاً أعالج به نوعاً من أدب التهكم أو ضرباً من ضروب البديع على طريقة ( الهجاء في معرض المدح ) أو ( المدح في معرض الهجاء ) وكتبت خمساً وعشرين مقالة على ما أظن في الهاتف مدافعاً فيها عن الخاقاني باسم ( الهنداوي ( ) للفصل بين اليعقوبي والخاقاني ) وناقشت اليعقوبي مناقشة طويلة طالما شرق فيها الأدباء بالضحك حتى كتب لي الصافي النجفي من لبنان يقول عني يوم أنهيت تلك المقالات المشبعة بالتهكم والضحك ما مضمونه : ( بانه ما ساءه شيء كما ساءه ان يقطع الهاتف هذه السلسة ويحرم قراءه من هذه اللذة ) .
وأذكر مرة [ والحديث مازال للخليلي ] وأنا أدافع ( ! ) في هذه المقالات عن الخاقاني الذي أورد ترجمة شاعر كان يكبره أبوه بسنتين على ما سجل الخاقاني وكان هذا من مآخذ اليعقوبي عليه ، واذكر اني دافعت ( ! ) عن الخاقاني ورددت على اليعقوبي بان المراسيم في الهند كثيراً ما تحمل الآباء الى تزويج أولادهم وهم صغار فيحتفون بهم ويزفونهم وهم دون الخامسة أو الرابعة وقلت في ردي وانا أخاطب اليعقوبي قلت ( ! ) : ومن يدريك ان لا يكون هذا الشاعر الذي يكبر ابنه بسنتين قد تزوج في الهند وهو صغير فولد ابنه الشاعر وكان الفرق في العمر بينهما سنتين ؟ ! فكتب أحد مدرسي اللغة العربية في إحدى المدارس الثانوية يستنكر هذا المنطق ويعجب من عقلية الكاتب الذي يصدق بهذه المزاعم فنشرت استنكاره هذا مع حفظ اسمه فكان ذلك داعياً آخر للضحك لأن مدرساً يدرس اللغة العربية لم يميز بين الجد والهزل، وأدب التهكم "( ).
6- ووصف الخليلي رد الخاقاني على ما أثير حول كتابه ( شعراء الحلة ) فقال : " وحين أشرت إلى هذه القصة باقتضاب في جريدة ( البلد ) قامت قيامة الخاقاني وأنكر ذلك وعزاه في الى الكذب والتلفيق ناسياً ان الشيخ اليعقوبي هو الذي أورد قصة هذه السرقة مطبوعة في آخر كتاب ( البابليات ) ، وان الفكيكي نفسه قد أيد اليعقوبي على ما ورد من حديث السرقة ، واندفع الخاقاني يقول في تعليقه على موجز ما أوردته أنا عنه : ( ان الأستاذ الفكيكي المعروف بسلامة قلبه وحبه للعلم والعلماء والأدب والأدباء كان يحرص على دفع الشيخ اليعقوبي لابراز ( بابلياته ) وما في صندوقه بمختلف الاساليب ، وانه كتب في جريدة الهاتف وغيرها( ) المقالات المتعددة لهذا السبب ، وأخيراً بعد ان عرف اني عزمت على اخراج موسوعتي ( شعراء الحلة ) في خمسة أجزاء ذكر لي ان لديه دفتراً صغيراً اشتمل على أربعين ترجمة أو أكثر فاطلعني عليه ، وعندما قرأته رأيته يشبه ما مرّ علي خلال قراءتي ونقلي من الموسوعة الكبرى ( الحصون المنيعة ) للشيخ علي كاشف الغطاء والد الحجة الأكبر الشيخ محمد الحسين ، فأرجعته له ، وطلبت منه – أي من الفكيكي – ان يكتب مقالاً يتهمني فيه لأجيب عليه ، وبذلك يجد المرحوم اليعقوبي نفسه تجاه الأمر الواقع فيضطر لاخراج ما عنده ، ويبعث ببابلياته التي ألّفها خلال ثلاثين عاماً كما كان يقول .وفعلاً طلع الفكيكي علي بمقالة نشرها في جريدة الاستقلال – لا في جريدة الاخبار كما قال الخليلي – وفيها يقول بان الشيخ الخاقاني غار على بابليات اليعقوبي وانتحلها ... الى اخر المقال الذي كتبه الخاقاني في جريدة البلد "( ) .
7- و" لم تمر أربعة أيام ، أربعة أيام فقط حتى طلع علينا الفكيكي بتعليق على كلمة الخاقاني ضارباً بالصداقة عرض الحائط في سبيل دعم الحق ونصرة الواقع ... وهذا هو نصه :
حول الوساطة بين الأستاذ الخليلي والشيخ الخاقاني
" الأستاذ الخليلي من أخلائي ، كما ان الخاقاني من أصدقائي ، وقد قرأت من قريب تعقيب الخاقاني على مقالات ( أبي فريدة ) الخليلي ، حول قصة صندوق اليعقوبي رحمه الله ، تلك القصة التي كنت اثرت فيها معركة قلمية بشأن ذخائر ومآثر ( أبي موسى ) الفقيد الغالي في جريدة الهاتف المحبوبة ، وجرى حولها تعليقات أدبية من المنثور والمنظوم ، وليتها تطبع الآن ، لما تضمنت من الظرافة والطرافة .
ولأجل الحق والتاريخ أقول : ان الأستاذ الخليلي لم يغمط الحق والحقيقة فيما كتب عن تلك المعركة ، ولم يتعمد اتهام الصديق الخاقاني بسرقة مجموعة البابليات الخطية ، وكانت – أي البابليات – تقتصر على ترجمة 60 شاعراً من أصل 120 ، وانما حكى – أي الخليلي – ما وقع من استعارة أبي بيان ( الخاقاني ) لتلك المجموعة لتكملة ترجمة الشيخ علي عوض فأخذها ليلاً وأعادها لي صباحاً ، ولا أدري بعد هل قام باستنساخ المجموعة كلها أم اقتصر على حاجته منها ، بيد ان المرحوم اليعقوبي بعد ان اطلع على ما نشره الخاقاني عن حياة الشيخ علي عوض في مجلته ( البيان ) ثارت ثائرته حيث ( ! ) وجد الترجمة منقولة بنصها من مجموعة البابليات دون ( ! ) الإشارة إلى ذلك ، وقد عاتبني رحمه الله بكتاب فأجبته عليه ، وشرحت له حقيقة الحال ، وعلى أثره كتبت مقالاً استنكرت فيه عمل الصديق الخاقاني .
ولم يكن ما أقدم عليه ( الخاقاني ) نتيجة اتفاق ومؤامرة بيني وبينه لتحريك ( ! ) اليعقوبي على نشر ذخائر صندوقه كما ذكر الخاقاني في ردّه على الخليلي وهو واهم كل الوهم ... الى آخر المقال الذي تناول موضوعات أخرى غير ذات علاقة بهذا الموضوع " ( ) .
ولابد من الإشارة هنا إلى بعض الملاحظ حول نصوص المعركة المتقدمة منها :
1- من الواضح ان الخاقاني قد أفاد من أوراق اليعقوبي ، من دون ان يشير الى ذلك ، وهو ما يتنافى مع الأمانة العلمية ، ولم يستطع نفي ذلك بصراحة ، أما لجوؤه الى الادعاء بانه طلب من الفكيكي ان يتهمه بالسرقة لكي ( يحرك ) اليعقوبي لإخراج ما عنده فيبدو عذراً متهافتاً .
2- ويلحظ اختلاف كبير بين مقالي الفكيكي الأول والأخير ، فهو في الأول يؤكد ان الخاقاني " قد عمد بنقض( ! ) ميثاقه الغليظ وخان عهده الوثيق " ، واتهمه بالسرقة بوضوح في حين عمد في مقاله الثاني الى تخفيف لهجته ، فوصف عمل الخاقاني بانه " استعارة ... لتلك المجموعة لتكملة ترجمة الشيخ علي عوض " وهو – أي الفكيكي – لا يدري " هل قام باستنساخ المجموعة كلها أم اقتصر على حاجته ( ! ) منها ".
3- لابد من الإشارة إلى ان مقال الفكيكي الأول كان رداً على رسالة الشيخ اليعقوبي ونشر في حياته ، أما المقال الثاني فقد نشر بعد وفاته ، فهل لذلك علاقة باختلاف لهجة المقالين ؟ .

توقيع [محمد علي محيي الدين ]



  رد مع اقتباس
قديم 03-11-2008, 02:45 AM   رقم المشاركة : [20]
محمد علي محيي الدين
عضو إتحاد كتاب الإنترنت العرب كاتب .العراق
 

 
بيانات العضو




 


محمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the roughمحمد علي محيي الدين is a jewel in the rough

وسام التميز وسام المشاركة القيمة وسام منبر وملتقى أدباء ومشاهير العرب 
مـجـمـوع الأوسـمـة: 3 (الـمـزيـد» ...)

( 4 )
" والمناسبات التي تهيج قرائح الشعراء وتشيع السرور في نفوسهم كثيرة في النجف واذا عز وجود المناسبة التي تستدعي المساجلة والمباراة الشعرية والسلوان ، فان الشعراء هم أنفسهم يخلقونها خلقاً ، ويوجدون لقول الشعر دواع متعددة" ( ).
ولعل النموذج الآتي من المساجلات فريد في بابه في مساجلات القرن العشرين وخصوماته التي سادت في بيئة النجف. قال الخليلي : " في تاريخ الشبيبي ( ) الأدبي كثير من هذه المناسبات العامة والخاصة التي جلّى فيها ، وكان له القدح المعلّى ، واني لأروي ان رهطاً من الأدباء كان بينهم السيد جعفر الحلي والشيخ جواد الشبيبي ، والشيخ أغا رضا الأصفهاني ، والشيخ هادي الشيخ عباس كاشف الغطاء ، وكانوا قد اجتمعوا في بيت السيد باقر الهندي في النجف وقرروا هناك خطف خروف لعمي الشيخ إسماعيل الخليلي كان قد عني به وأعده إعدادا خاصاً لعيد الأضحى وكان الفصل خريفاً ، والهواء عليلاً ، يساعد على نشاط النكتة وهياج القريحة ، وقد تم لهم خطف الخروف من بيت الشيخ إسماعيل بطريقة خاصة ، وجاءوا به الى بيت السيد باقر الهندي وذبحوه هناك ودعوا عليه صاحبه وبعض الرفاق الآخرين ثم رثوا الخروف ، ورثوا لحال عمي الشيخ إسماعيل وهو يرى خروفه مجندلاً فوق خوان الرفاق ، واشترك في هذا الرثاء كل أولئك أو معظمهم ، ومن المؤسف أني لم أحتفظ بأكثر من هذه الأبيات من تلك القصيدة التي قيل انها كانت كبيرة ولم أستطع تبين ما يعود للشبيبي ولغيره منها وهذه هي الأبيات :
قف برمل الحمى وروّ الطلـولا بدموع تحكي السحاب همــولا
رحل القاطنون عنها وقلبــي شاء في ساعة الرحيل الرحيــلا
أي بدر للمجد كان ضئيــلا وبليل التمام شاء أفـــــولا
يا لفصل الخريف أي خـروف فيه أمسى مجندلاً مقتــــولا
هو فصل ، أهل العراق نفاقـاً ذبحوا فيه كبش (إسماعيـــلا )
فتمنى الذبيح لو يقبل الحتــف بديلاً بان يكون بديـــــلا
يا سليل الخليل صبراً وان كـان عزيزاً فقد( الخليل) خليــلا( )
وكأني به يقول دع العــذل فلن يسمع المشوق عـــذولا
( وخلاف الجميل قولك للذاكر عهد الأحباب : صبراً جميلاً ) ( )
لهف نفسي ليوسف وهو يبكي ويطيل الشجا ويندي العويلا( )
( 5 )
ومن معارك القرن العشرين الأدبية ، التي ما تزال تحمل نكهة معركة الخميس بروحها وأسلوبها وطبيعة شخصيات أصحابها ، ما وقع منتصف القرن ويصفه الخليلي بقوله :
" وأذكر مرة انقسم فيها أدباء النجف إلى صفين : صف الشيوخ وكان من بين زعمائه الشيخ كاظم السوداني ، وصف الشباب وكان يمثله الأستاذ صالح الجعفري وجواد السوداني ( ابن الشيخ كاظم السوداني ) وعبد الرزاق محيي الدين ( الدكتور محيي الدين اليوم ) وغيرهم وقد وقعت في تلك الأيام معارك أدبية بين هذين الصفين تجلت في القصائد التي كانت تنشد في حفلات العرس وسائر المناسبات ثم توسع الخرق حتى انبرى صف الشيوخ إلى إبداء آراء يغلب عليها عدم التروي وعدم النضج فضلاً عن الغرور ، وكان من بين تلك الآراء نقد المتنبي والطعن في مكانته الأدبية من قبل الشيخ كاظم السوداني الذي راح يتناول بعض أبيات المتنبي بالإستهجان والتفنيد ، ولقد تناول الشعراء ( السوداني ) بالهجاء المر على هذا الرأي وسائر الآراء الأخرى ، أما اليعقوبي فقد كان تعريضه حلواً كطبيعته ، لطيفاً كخلقه خفيفاً على قلب السوداني اذ قال يخاطب المتنبي :
يا ابن الحسين وقد جريت لغايـةٍ قد أجهدت شعراء كل زمـان
لكنما ( السودان ) حين هجوتهم ثارت عليك ضغائن ( السوداني) ( )
والمقصود بالسودان القوم الذين استعدوا عبيدهم ( السودان ) على المتنبي لقتله في طريق سوريا فنجا ، أو ان المقصود به ( كافور الإخشيدي ) وآله من السودان أما السوداني فهو الشيخ كاظم السوداني " ( ).
وزار السوداني الأستاذ أكرم أحمد ( وكان قائمقام أبي صخير ) وقد لقبته الصحافة العربية بشاعر الشباب وذلك عام 1943 فقال :
أشاعر الشباب فيه تدّعي وشاعر الشيوخ أدّعـي أنا
أنا وأنت كل يدّعــي فمن ترى يحكم بالفضل لنا( )
فأجابه القائمقام على البديهة :
حكومة الفضل أتت قائلة وهذه لي ولكم فيها غــنى
الفضل للاثنين فيما قصدا أنت الذي أسست والباني أنا( )
( 6 )
ولم تقصر همة الأدباء والخطباء في النجف عن جعل الشعر طرفاً في معاركهم ذات الابعاد الدينية والفقهية ، فكانت ألسنتهم تتخذ من الشعر وسيلة لمناصرة طرف على آخر فيشتد الصراع ، وتزداد ناره اشتعالاً بما يلقيه عليه هؤلاء الشعراء من زيت . ففي الخصومة التي وقعت أواسط القرن الماضي ( العشرين ) في النجف الأشرف حول موكب العزاء بيوم عاشوراء ، وما يجري فيه من طقوس تصدى بعض المتنورين لانتقادها ، وتصدى آخرون للرد عليهم ومناصرة ممارسي تلك الطقوس .
وليس يهمنا هنا عرض آراء الطرفين بقدر ما يهمنا الإشارة إلى دور الشعر في تلك الخصومات ( ) .
فقد قال أحدهم في السيد محسن الأمين ( ) قولته المنكرة :
يا راكباً أما مررت بجلّـــق فأبصق بوجه( أمينها ) المتزندق
فرد عليه الشيخ مهدي الحجار مواسياً للسيد ( محسن ) :
تأس يا ( محسن ) فيما لقيت بما لاقاه جدك من بغي ومن حسد
ومن صور النثر الذي شاع في تلك المعركة قول أحدهم :" ومن فواجع الدهور ، وفظائع الأمور ، وقاصمات الظهور ، وموغرات الصدور ، ما نقلته بعض جرائد بيروت في هذا العام عمن تحترم أشخاصهم من المعاصرين الوطنيين ( يريد به السيد محسن الأمين ) من تحبيذ ترك المواكب الحسينية ، والاجتماعات العزائية بصورها المجسمة في ( النبطية ) وغيرها ، فما أدري أصدق الناقل أم كذب ؟ فان كان صادقاً فالمصيبة على الدين جسيمة عظيمة … " .
وقد راعى السيد محسن في رده أسلوب منتقده في سخرية مؤدبة جميلة اذ قال :" ان هذا التهويل وتكثير الأسجاع لا يفيد شيئاً ، ولو أضيف إليه أضعافه من قاطعات النحور ومجففات البحور ، ومفطرات الصخور ، ومبعثرات القبور ، ومهدمات القصور ، ومسقطات الطيور ، بل من فجائع الدهور وفظائع الأمور ، وقاصمات الظهور ، وموغرات الصدور ، اتخاذ الطبول والزمور ، وشق الرؤوس على الوجه المشهور ، وإبراز شيعة أهل البيت وأتباعهم بمظهر الوحشية والسخرية أمام الجمهور ، مما لا يرضى به عاقل غيور " ( ) .
ولعل أبرز ما يمكن استنتاجه من هذه الخصومة هو ان الشعر كان لصيقاً بالقوم معبراً عن آرائهم ، وان الأدب لم يكن معزولاً عن ذلك الواقع بكل ما فيه من تناقضات وهموم ولعل ذلك أولى علامات الاتجاه نحو دخول الأدب في معترك حياة الناس .

( 7 )
وقد تكون أسباب المعركة تافهة جداً ، ولكن المتخاصمين يريدون ان يجعلوا منها معركة أدبية طاحنة تتبارى فيها الأقلام ، وتتجلى فيها المواهب ، فقد كان الشيخ محمد حسن حيدر ( ) عندما يكون في البصرة " يحاول ان يبني من الحبة قبة في مزاحه فيهيج طائفة من العلماء والفضلاء وفي مقدمتهم السيد عباس شبر والسيد محمد علي الكاظمي من أجل ( عصا ) أضاعها عندهم ، لا أظن قيمتها كانت تبلغ ثلاثة دراهم أو أكثر قليلاً ، ولكنه أنزلها منـزلة عصا موسى وأكثر ، فنظمت الأراجيز والقصائد ، وتناولتها بعض الجرائد واشترك في تلك المعركة آخرون من مدن أخرى وفي طليعتهم كان الشيخ جعفر نقدي من العمارة " ( ) .
" … ولقد وقفت ذات مرة على مراسلات شعرية له تناول فيها الشيخ عبد الغني الخضري بهجاء غاية في الضحك ، وغاية في الدعابة ، وذيلها بتوقيع رمزي وأتخذ له رسولاً أميناً على سره ، فكان هذا الرسول ينقل قصائده الشعرية إلى الشيخ عبد الغني ، ويجئ منه بالردود دون أن يعرف الشيخ عبد الغني مهاجمه ، ودون أن يدري من أين يأتي هذا الرسول الذي أقسم أن يظل حافظاً لهذا السر حرمته إلى الأبد … " ( ) .
( 8 )
وظلت الرغبة في خوض معركة وإختراع الأسباب التي تؤدي إليها ، ديدن أدباء النجف الأشرف إلى حقب متأخرة ، فكانوا يبدعون في إبتكار أسباب الخلاف الأدبي واختلاقه، ويتفننون في تهيئة أسباب الخصومة الأدبية ، حتى لكأنها أصبحت جزءاً من طباعهم وتصرفاً مألوفاً لديهم .
فقد حضر الخطيب الشيخ محمد علي اليعقوبي مرة " حفلة أقامها وجوه أهل الكوفة وأدبائها لقائمقام النجف ، وكان القائمقام يومذاك السيد حسن جواد وهو علوي هاشمي ، وفي هذا الاحتفال طالب خطيب من أهل الكوفة القائمقام بوجوب السعي في إنجاز مشروع إسالة ماء الكوفة وما كاد الخطيب يتم خطبته حتى قام اليعقوبي وارتجل البيتين التاليين على سبيل الدعابة قائلاً :
لا تعر أهل كوفة الجند سمــعاً ودع القوم يهلـكون ظماءَ
كيف تسقي يا ابن الجواد أناسـاً منعوا جدك الحسـين المـاء َ
وكان للبيتين رنة استحسان كبيرة وقد تناولهما عدد كبير بالتشطير وكان من بينهم الشاعر السيد محمد سعيد الحبوبي … " ( ) وما زال النجفيون يتذكرونها لحد الآن ويتندرون بها بالرغم من مرور كل هذه السنين .



( 9 )
ومن المعارك التي جرت مجرى المعارك المتقدمة وان لم تكن على سعتها ، وهي أقرب إلى النادرة منها إلى المعركة ما نقله صاحب ماضي النجف وحاضرها في ترجمة الشاعر والخطيب كاظم سبتي ( 1258 – 1342 هـ ) حين حضر الشيخ محمد حسن سميسم في أحد الأيام مجلس " السيد حسن والد الماجد السيد عبد المهدي المنتفكي ، وكانت الدار حاشدة بأهل العلم فجلس السيد واتكأ على عصاه فانكسرت ، فأتاه الشيخ محمد حسن بعصا عوضها كانت لأبيه وكانت له أيضاً امامه ( ) كهرب فأرادها منه المترجم فأعتذر الشيخ محمد حسن بانها ليست الان تحت [ يده ] فأنشأ المترجم له مرتجلاً :
نبئت ان عصى موسى لقد وهبـت بداركم وهي دار بالندى عمــرت
فظِلْت أعجب هل عين بها انفجرت لكم وكم من عيون بي قد انفجـرت
بانت نبوتكم للناس أمس فســل عن ( الامامة) هل للصاحب ادخرت
فقال الشيخ محمد حسن ( ره ) الجواب تسمعه غداً فلما صار اليوم الثاني وجاء المترجم جاءه الشيخ محمد حسن بالأمامة وهذه الأبيات :
أبت امامتنا الا أبا حســن أهلاً لها فلذا عن غيره ستــرت
وقد رأت كفه البيضاء ساطعة جاءت تقبل تلك الكف وافتخرت
قالت أبو حسن نعم الإمام فها امامة الحق في كفيه قد ظهرت( )
وكان الشيخ عباس قفطان الأصم حاضراً فلما سمع الأبيات خمسها .

( 10 )
وأغرى احدهم الأستاذ محمد صالح شمسه في الدكتور عبد الرزاق محيي الدين على الرغم مما بينهما من صداقة متينة لم تنقطع أواصرها حتى أيام الدكتور الأخيرة فقال :
أبو زهير زهـرةٌ قد نبتت على قذى
لا نفع فيها يرتجى ولا سنا ولا شذا ( )
ثم قال مرة أخرى " مداعباً له " ( ):
من يشتري مني إخا ء أبي زهير منعمــا؟
أم من يريد إخـاءه هبةً ويأخذ درهمـا؟
أم من يخلصني لوجه الله منه تكرمـــا؟
فلقد برمت به وسدّ عليّ آفاق السمــا
صاحوا عليه بالمزاد فلم أجد متقدمــا
إلا شقياً حظه أكـ ـدى فبادر مقحما
فرد عليه الدكتور بقصيدة قدم لها بقلمه قائلاً:
" أرسلها لصديقه الحميم الأستاذ محمد صالح شمسه وقد بلغه انه يهجوه فآثر ان يكون رده على هذا النحو الباعث على الإنابة، وهي مما لم ينشر ومما نظم سنة 1953 م " ( ) والقصيدة :
( بين العتب والتقريع )
ابا المهدي يا أكـــر مَ من صافيتُ من صَحْبي
ويا أقربهم للنفـــس من نفسٍ الى قلبـــي
ويا أحفظهم للغيــب في بعدٍ وفي قــــربِ
ويا أصفى على الغيـظ من الخمرة للشـــرب
لقد حدثني سمعـــي بما أنكره لبـــــي
وما نغص من طعمـي وما كدر من شربـــي
وما أجفل من سرحـي وما اذعر من سربـي ( )
وما يشجي على الحالين من صدق ومن كــذْب
أتاني أ نك استمــر أ ت من نقصي ومن ثلبـي
فهل ساء (جميلاً ) مـن (بثين ) بالغُ الســـبِِ
لئن رمت بديلا بــي فاطلبه لدى الشُّهْــبِ
فان أقعدك التحليـــ ـق عن عالمها الرحـبِ
فخذ قادمتي جنحـيّ واصحبني وحلق بــي
تجدني مفردا لكـــن ستلقاكَ إلى جنبـــي
( 11 )
ومن المساجلات التي دارت ، بُعيد منتصف القرن العشرين ، ما دار حول شاعرية الأستاذ محمد مهدي الجواهري " فقد نشر الأستاذ هاشم عبد الجليل مقالاً بعنوان ( هل فقد الجواهري مجده الأدبي ؟ ) تحدث فيه عن تقلب الجواهري وانصرافه إلى غير رسالته التي كان يحيا من أجلها ، فأضاع مجده الأدبي وهوى إلى الحضيض ومات قبل أن يطويه الثرى ، وأثارت هذه الكلمة الأدباء فانحاز بعضهم إلى جانب كاتب المقال . ووقف الآخرون يدافعون عن الجواهري " ( ) وقد نقلت الصحف في حينها هذه المعركة وتحدثت عن الجواهري بين خصومه وأنصاره ( ) .
( 12 )
" وأثار الدكتور يوسف عز الدين مساجلات بمقاله ( الشعر العراقي المعاصر ) وبدت طلائعها في الصفحة الأدبية من جريدة اليقظة عام 1953 و1954 وكتب الأستاذ علي الحلي ينقد هذا المقال ويتهم صاحبه بعدم التجريد ،ويقول : كان أولى به أن يتجنب المجاملة التي دفعته إلى ذكر أسماء [ شعراء ] ما يزالون في أول الطريق ، وإهمال شعراء مشهورين لهم مكانتهم وقيمتهم الأدبية في العراق .ورد الدكتور يوسف عليه ووعد بأن يضيف في كتاب ينوي طبعه عن الشعر العراقي المعاصر أسماءً لم يذكرها في مقاله ، وأخذ على الأستاذ الحلي انه يكيل التهم جزافاً ويخرج عن جادة البحث العلمي النـزيه ، وأرجع حملته إلى انه لم يدرج اسمه في قائمة الشعراء … بيد ان الحلي نشر تعقيباً على هذا الرد هاجم فيه الدكتور يوسف ، وأخذ عليه ضآلة اطلاعه على النتاج الشعري المعاصر في العراق " ( ) .
( 13 )
" ومن المساجلات الطريفة ما أثارته قصيدة الشاعر حافظ جميل التي مطلعها :
بله النساء وذكرهنّ شرّ الحديث حديثهن
فقد انبرى الشعراء ينظمون على وزن هذه القصيدة ورويها مؤيدين الشاعر مرة ومدافعين عن المرأة تارة أخرى ، واشتبك الأستاذ عبد الكريم الدجيلي مع الآنسة أمل الخطيب في معركة حامية الوطيس بعد ان كتب مقاله ( حلب أدبية في وزن واحد وقافية واحدة ) تحدث فيه على القصائد التي على هذا الوزن وتلك القافية وذكر ان عبيد الله بن قيس الرقيات وحافظ إبراهيم وإبراهيم طوقان وحافظ جميل ويحيى الصافي ومحمد جواد خضر النجفي وعبد القادر رشيد الناصري وأمل الخطيب نظموا على هذا الوزن وتلك القافية ووقف عند كل قصيدة من هذه القصائد وقفات قصيرة وأطال الوقوف عند قصيدة أمل الخطيب وذكر بعض العيوب فيها ومن ملاحظاته ( ! ) التي سجلها في مقالاته :
1. ان بحر المقطوعة من مجزوء الكامل بتفعيلات أربع غير انه وجد البيت
فاترك لعنتك ما الشرور طباعهن
بثلاث تفعيلات ، ومثل هذا النبو عن الوزن لا يرتضيه الأستاذ الدجيلي لأديبة مثل أمل الخطيب . يقول : ولعلي أجد عذراً لها في هذا الخروج عن الوزن اذا عرفنا ان الطباعة في العراق قد تزيد وقد تنقص فيما ينتج المرء فكرياً ..
2. في قافية البيت :
والغدر من شيم الرجا ل غريزة لا شيمهنه
غلط غير مغتفر اذ أسكنت الياء من ( شيمهنه ) فخرجت الكلمة عن معناها والاصل فتحها ومع فتحها خروج على الوزن .
3. وفي كلمة ( على الارّم ) من البيت :
واحرق على الارم الضرو م اذا تشابكت الأسنه
غلط نحوي ، و ( الأرّم ) بتشديد الراء هي الاضراس ، يقال : فلان يحرق الأرّم – بتشديد رائي ( يحرق ) و ( الأرّم ) – يحكها بعضها ببعض من غيظه ، ومع هذا كله فالبيت بحد ذاته غير مفهوم المقصد ، والظاهر ان ألفاظه غير ناهضة بالمعنى الذي تريده الآنسة.
4- في كلمة ( فاعو ) من البيت :
ان كنت تطلب متعةً خرساء فاعو ويلكنّه
غلط نحوي ، وكلمة ( اعو ) فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وحرف العلة هنا الياء ، والحرف في البيت محذوف شكلاً أما في المنطق فهو موجود والا فالبيت فيه عيب عروضي .
وردت أمل الخطيب على مقال الأستاذ الدجيلي ، وذكرت ان قصيدتها التي نشرت ليست أول قصيدة لها ، بل سبق أن نشرت غيرها في صحف عراقية وعربية وصححت البيت الناقص ، وهو :
فاترك – لعنتك – ما أتيت ، فما الشرور طباعهن
وذكرت ان ما عده الأستاذ غلطاً من الضرورات الشعرية الجائزة ، ولكن الدجيلي ذكر في مقال آخر ، ان للضرورات الشعرية مجالات ومواطن ، وان الشعر الحديث اذا بلغ به المطاف ان يكون محشواً بالضرورات ومملوءاً بالنادر والشاذ فعليه العفاء ، وإذا وجد من هذا القبيل قديماً فلا يصح أن يكون في الشعر الحديث .
وردت عليه الخطيب رداً رقيقاً ، وختمت كلمتها بقولها : " بعد ذلك اقدم لك وافر إجلالي واحترامي ، وأرجو ان ألقاك قريباً لتتعرف عليّ( ! ) وأتعرف عليك( ! ) . ما هذه المساجلة الا روح تبعثها في نفسي فأحدثك حديث الطالب لأستاذه لا حديث الند للند ، ودم مخلصاً للأدب ونبراساً ينير دياجير العقول" ( ) .
ويعلق عليها الدكتور أحمد مطلوب قائلاً : " وهذه المساجلة من أطرف ما رأيناه في هذه المرحلة " ( ) ولعله أراد بتعليقه ختام ردّ الشاعرة بالدعوة إلى لقائها .
( 14 )
وعندما انتخب الأستاذ عباس العزاوي عضوا في المجمع العلمي العربي في دمشق ، أقامت له نقابة المحامين حفلة تكريم عام 1943م في نادي المحامين حضرها فريق من الشخصيات وكان إبراهيم الواعظ ( 1312 – 1378 هـ ) أحد خطباء الحفلة ، فداعب العزاوي بقصيدة مطلعها :-
خليليّ خلّياني أقاسي من غزال فقدت فيه حواسي
وعندما نشرت في جريدة الزمان ، واطلع عليها الأدباء صاروا يتبارون بينهم في النظم على منوالها فقد خاطب الأستاذ محمود الملاح الواعظ قائلاً :
أيها الواعظ الذي يضحك النا سَ ويأتي بالهزل للإيناس
كيف تأتي من الخفيف بـمدحٍ لثقيلٍ تضج منه الرواسي
فشطرها الواعظ بقوله :
ايها الواعظ الذي يضحك النا سكين فاقدي الاحساس
وبجّدٍ أضحى يداعبه النـــا س ويأتي بالهزل للإيناس
كيف تأتي من الخفيف بمدحٍ مستمد من وخزة الخنّاس
وتكيل المديح جدّاً وهــزلاً لثقيل تضجّ منه الرواسي
ثم أتبعه الملاح ببيتين أوردهما عن لسان الواعظ :
ان مدحي الثقيل كان لردفٍ في قوام مهفهف ميّاسِ
تحت خصرٍ مزنرٍ بيد القدرة لا يحكيه خصر انستاس( )
ونظم الملاح على لسان اخ الممدوح علي غالب العزاوي المحامي :
لي شقيق كأنه بدر تـــمٍّ هو لي في الظلماء كالنبراس
صرت أخشى عليه نار خليل قد رماه الأله بالوسـواس
ثم انبرى الأديب مير بصري فقال :
قد أتانا من الشآم حديــثٌ شاع ذكراً على لسان الناسِ
ان غيد المرج البضاض جسوماً قد تولّهْنَ في هوى ( عباسِ )
خلنه اذ سمعن فيه قصيـــداً مستطاباً لواعظٍ حسّــاس
يوسفاً في الدلال والحسن حقاً ورشيقاً في قده الميـــاسِ
يا مليحاً قد هام فيه الغوانـي حسبك الصد والجفا والتناسي
فاتق الله في الحسان وأسفـر عن جمال بدا خلاف القيـاس
ونظم الملاح عن لسان الممدوح العزاوي:
ما لناسٍ تداولوني بشعــرٍ إنني عائذ برب النــاسِ
سوف أجزيهم بحرمانهم من قبلةٍ تحيي الميت في الأرماس
وفاجأ الشيخ محمد حسن حيدر ( ) الواعظ معقباً على المساجلة برسالة ختمها بقوله:
( يا خليليّ خلياني أقاســـــي) ما أقاسي من الهوى بحواســي
لست ( كالواعظ ) المعنى بظبـــيٍ هو صعب القياد ، صعب المراسِ
( لا ولا مثله أحوم كطيــــرٍ ) فوق غصن من قدّه الميـــاس
ذقت طعم الهوى به فأرانـــــي لذة الحب في هوى ( عبـاس)
قد أقمتم له احتفالاً مهيبـــــاً ذكره سار في جميع النـــاس
ان تكريمكم له بخطــــــابٍ أو بشعر ينم عن إحســـاس
لدليلٌ بان ( عباس ) أضحــــى بعلاه يشعّ كالنبـــــراس
فهنيئاً له بكم ، فهو منكـــــم حاز ما لم يحزه كل سياســي
هو من أفضل الرجال كمــــالاً وهو أذكى بفهمه من (إيـاس )
( تلك آثاره تدل عليــــــه ) ووجود الآثار خير قيـــاس
وعلى اثر ذلك نصب الملاح نفسه حكماً بين الممدوحين والمادحين فاصدر حكمه قائلاً :
ان حكمي اذا أحكّم فيمن أصبحوا هائمين فـي ( عباس )
قبلةً ، قبلةً يؤدي إليهــم وهو حكم فيه ختــام المأسي
ثم قدم اعتراضاً على هذا الحكم عن لسان العزاوي قائلاً :
انا أخشى اذا همو قبلونـي ان يعضّوا خدّيّ بالأضــراس
سوف أستأنف القضية إني حكماً أبتغي خلا من مسـاسِ
ثم أستأنف الحكم بقوله :
" قبلةً قبلةً يؤدي إليهم " هو حكم مشوش ذو التباس
أفمن خدّه يؤدي إليهم قبلاً أم من فيه بالانعكـاس؟ ( )
ثم ميز الحكم بقوله:
ان شرعَ الهوى اذا رمت جدّا هو شرع فيه ضياع القياس
فتواسوا ما بينكم وتعاطـوا كل معنى يتم فيه التواسـي
وأجاب الواعظ الشيخ محمد حسن حيدر برسالة ختمها بقوله:
يا سميّ المختار اني غريـــق في خضم طامٍ كثير المـراس
أنت بحر وفي الفضائل طـودٌ علم شامخ متين الأســاس
صغـت دراً من المعاني بديعـاً فاق نظماً على عقود المـاس
ان ما زدت من قريض لشعري هو حلي يضاع في الأعـراس
ذقت طعم الهوى بذوقٍ سقيمٍ مثلما ذقته بلا إحســـاس
هو حب قد ابتلانا جميعــاً ابتلاءً على خلاف القيـاس
ارفع الشك واعتقد بوقوعـي ( بغرام أفضى إلى الإفـلاس)
من يعانق ( عباس ) يفقد نهاه ثم يغدو توّا الى الأحبــاس
ان ما شرت في الكتاب اليـه سوف أرعى تمامه بحواسـي
ثم نظم " الشاعر القانوني الأستاذ إسماعيل القاضي قصيدة أهداها للواعظ والعزاوي قائلاً :
حيّ يا وحي ندوة الجــلاّس واصغ تسكر بمتعة الإينــاس
وتأمل فقد ترى عامريّــــاً يقرظ الشعر في هوى ( عباس)
اطلع الحفل شخصه حين أفضى بحديث مرّ الجوى للنـــاس
راح يشكو مستعطفاً يتغنــى ( بغرام أفضى الى الإفـلاس)
لا تسل عنه فهو واعظ قلـب هام فيمن يضيء كالنبــراس
ضيّع الرشد حين هام فألفــى انه صار ( شارة الجــلاّس )
لم نكن نحسب النحافة فيــه أثراً من يد الغرام القاســي
ليس عباس كاسمه ذا عبــوسٍ اذ مجيء الأسماء غير قياســي
بل لما فيه من طباع رقـــاق كان يحظـى برقّة الإحسـاس
* *
ايه مسكين ضاع حبك لـمّـا أظهر الحب مجمع ذو اقتبـاس
مجمع العلم يا متيم أمســـى لك خصماً فهل ترى من باس؟
فيه من قد هويت ألفى منـاه اذ رأى فيه خيرة الحـــرّاس
وكما قلت حين رشّح عضواً ( أعطي القوس باري الأقواس)
وعجيب ان قلت وعظي عقيم فشرار الحصاة من ضرب فاس
×××
ايه يا واعظ الورى جد واسهـب فلكل الجروح وعظك آســي
أسكرت منتدى المحامين منـــه نغمة من فؤادك الحســـاس
فسمعنا وصفاً لعباس فيــــه رفعة الشمس ذا سنى وانعكاس
لست الا كملهم منه اذ كـــم توهب الأنس رؤية الأعــراس
×××
رفّ في الذهن خاطر الوحي يبغي من رياض الشعور باقـة آس
فجناها من كل زهراء تحيــي كل ود بعد الجفا والتناسـي
ولعباس ، والمتيم فيـــــه راح يهدي بنفحها ما يواسي
علّ ان يصلح الاله ويجلـــي ما يعنّي بأطيب الأنفاس( )

توقيع [محمد علي محيي الدين ]



  رد مع اقتباس
إضافة رد

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
في الذكرى ال 17 لام المعارك المجيدة / للشاعر العروبي لطفي الياسيني لطفي الياسيني ملتقى : شدو الحروف (عمودى فصيح) 2 20-01-2009 12:00 AM



الساعة الآن 12:02 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.2
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.

هذا الموقع تحت حماية وتطوير شركة لاين العربية